"يحسبني الدخان نافذة" لمنذر مصري

المدن - ثقافةالأحد 2025/12/28
52929447_2381780191892361_7914228415480201216_n.jpg
منذر مصري
حجم الخط
مشاركة عبر

صدر حديثاً عن دار رياض الريس في بيروت، ديوان "يحسبني الدخان نافذة" للشاعر السوري منذر مصري، وهو من أبرز الشعراء السوريين منذ الثمانينات. يتسم بقدرة على الاستفاضة في قصيدة النثر، وتحويل "العادي" إلى لمعات شعرية مفاجئة. هنا قصائد من الديوان الجديد.

 

تنويعات على فاتحة (أنسي الحاج)

(أنسي):

اذهب إلى الطبيعة 

أنت هو هي
يتحابّان
وأنت وحدك تتحاب
وتعشقك الطبيعة. 

/
(جمانة): 

اصعدي إلى السيارة
أنت هو هي
يتحدّثان ويضحكان
وأنت وحدك
تنظرين ساهمةً من نافذة المقعد الخلفيّ
وتهبطين عند أوّل منعطف. 

/

(أسامة):

اذهب إلى السينما
أنت هو هي 

ينظران إلى الفيلم من حين إلى آخر

وهما يتهامسان 
وأنت وحدك 

تشعر بالسأم
وتخرج من الصالة المعتمة

دون أن ينتبه لك أحد.
/
(مصطفى): 

اذهب إلى المطعم
أنت هو هي 

يأكلان ويشربان 
وأنت وحدك
تدفع الفاتورة  

وتغادر دون أن تزدرد لقمةً واحدة.
/

(مرام):

إذهبي إلى باريس

أنت هو هي 

يعودان لسوريا سويّةً

وأنت تكتبين أشعارًا تخطئين فيها بالنحو والإملاء

ولكن ليس بالأحاسيس.

/

(محمّد):

اذهب إلى البحر
أنت هو هي
يسبحان ويتراشقان بالرذاذ
وأنت وحدك
تستلقي على رمال الشاطئ
والذباب يغطّ عليك

وفي ظنّه أنّك سمكة ميّتة 

تتفسّخ تحت أشّعة الشمس الحارقة.
/

(رفعت):

سافر إلى (السويد)

أنت هو هي
يتزوّجان 

ويقطنان شقّةً في إحدى ضواحي (ستوكهولم) 

ثمّ لا يلبثان أشهر معدوداتٍ 

حتّى ينجبا طفلين أو ثلاثة

وأنت وحدك

تعيش في المرآب

تقلي بيضتي بطّ

عند الفطور 

والغداء

والعشاء

وتبول في المغسلة.

/

(منذر):

اذهب إلى الموت
أنت هو هي
يقرآن الفاتحة على روح أمّهما 

وأنت تلفّ وتدور بين القبور
لا تعرف أين 

قبر أبيك..

Image-1766905994

 

أسودان.. أسود لامع وأسود جاف

"بهذا تصير مدينًا لي بلوحة وقصيدة، ولن أذكر المقالات الثلاث التي كتبتها عنك"

 

ترى ما هو مصير لوحتي؟

التي نقلتها بسبب حجمها الزائد

على ظهر سيارة صديقي (ز. ط)

ولم تجفّ ألوانها تمامًا بعد

من مرسمي في شارع المتنبّي آخر حيّ الأميركان في اللاذقية

إلى بيت أدونيس في مسقط رأسه في قرية القصّابين

أقصى الحدود الجنوبية لقضاء جبلة 

الذي بناه في وهدة منخفضة من الأرض

لا تطلّ على شيء

لا على واد ولا على مجرى نهر ولا حتّى من بعيد 

على أفق بحر

مكتفيًا بما يحيطه من أشجار الجوز والتين والزيتون حديثة الزرع

على نيّة أن يقضي فيه السنوات الأخيرة من حياته 

التي لا يعرف المرء مهما بلغ تبصّره 

كيف ستكون 

ومتى واين عساها تنتهي

هاجرًا بيروت وباريس وبقية المدن الكبيرة التي عرفها

وعائدًا إلى النبع

إلى عين الحياة التي انبجس يومًا منها

وانبجس معه كلّ هذا الفيض الغامر من الشعر

وقد اكتملت دائرة حضوره بيننا

من البداية إلى النهاية

ثم من النهاية إلى البداية مرّة أخرى

وبحرص شديد على ألّا أخيب ظنّه بي أبدًا

قدّمتها له

جاعلًا من إحدى العبارات النادرة التي أحبّها من شعره عنوانًا لها:

[خطف المجهول قلبي]

وقد خطّطت على وجهها الخلفي:

[انظر.. هناك أسودان

أسود لامع وأسود جاف]

فقال معربًا عن دهشته:

"منذ زمن، أحببت أن أعلّق على حائطي لوحةً لك، لكنّي لم أكن أتوقّع أنّك ترسم هكذا!"
وقام 

كما يقول الشاعر محمّد سيدة في واحدة من أشقى وأجمل قصائده: 

[على مرأى من عين قلبي الذائب]

ولكن بالنسبة لي

قلبي الذائب لم يكن بسبب رؤيتي 

للمرأة التي لا يخفق قلبي إلّا من أجلها

ولا ينبس لساني إلّا اسمها

ترتدي ثوبها الأبيض الجديد 

من أجل حشاش سيجعل من جسدها البريء 

مرحاضًا لشهواته!

بل بسبب الفرح

الفرح وأنا أنظر إلى أهم شاعر عربي 

قيض لي أن أراه بعيني غير المصدّقتين 

رغم أنّهما كانتا مفتوحتين على اتّساعهما

يتسلق

وقد ناهز الخامسة والسبعين

ظهر الكنبة المائل 

دون أنّ يستند على شيء

ودون مساعدة أحد

وينزع عن حائط غرفة الاستقبال المكسو باللوحات 

التي تبدو كنوافذ سحرية تطلّ على عوالم أخرى

لوحةً من العيار الثقيل

لأحد أهم الفنانين التشكيليين العرب المعاصرين 

ويعلّق بدلًا منها 

ويا لحظّها السعيد ويا لحظّي الأسعد

لوحتي المتواضعة.

/

بعد ذلك بأيام 

لم تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة

كان لي أن أعود إلى (قصّابين) وأزور بيت (أدونيس) 

مع بعض الشعراء والأصدقاء السوريين والعرب

حيث لاقانا بما يعرف عنه من وداد وحسن ضيافة

كما خصّ بعضنا وأنّا منهم

بالمعانقة والقبل.

/

ولا أظنّني أحدًا يمكنه

حتّى وإن كانوا من مبغضيه لهذا السبب أو لذاك

ألّا يتأثر بلطف (أدونيس)

وكرمه الي يصل إلى حد السخاء في أشياء كهذه

إلّا أني كنت قد أتيت 

وفي نفسي غاية أخرى

هي أن أستعيد شعورًا

لا أدري بأي كلمات أستطيع وصفه

إلّا أنّه لا ريب سيبدو جليًّا على سيمائي

حتّى وإن حاولت إخفاءه

عندما يصوب الجميع نظراتهم إلي 

وأنا أقف متباهيًا بجانب لوحتي

المعلّقة بين لوحات أشهر الرسّامين العرب

الذين يبدون من كثرتهم

وكأنّهم تسابقوا ليقدموا للشاعر الكبير لوحاتهم

وأغلبها كلوحتي 

مرسومة خصّيصًا لأجل أن تهدى له

فقد حرص أكثرهم على أن يخطوا عليها قصائد قصيرة 

أو عبارات أحبّوها من شعره

كما رسم بعضهم بشاعرية زائدة

ملامح غير واضحة من وجهه

وكأنّه قمر شاحب تغشيه الغيوم حينًا

وحينًا تكشفه 

غير إنّه يحافظ أبدًا على نظرته الساهمة

ولحسن حظّي 

أو لأعترف 

استجابة لإحساس مبهم في داخلي

راودني ما إن اقتربنا من بوابة القصر

استطعت تجنّب هذه الواقعة المخجلة

التي كانت ستروى عنّي كنادرة 

تستدعي ضحكات 

مع غير القليل من الشماتة ربّما

الكثيرين ممّن سيسمعونها 

ويعيدون روايتها في مجالس الأدب وصالوناته

كلّ بأسلوبه وكلّ على هواه 

ذلك أنّي قبل أن أدعو الأصدقاء لرؤيتها

نظرت إلى حيث آخر مرّة وقع عليها نظري

معلّقة على الطرف الأيمن لجدار غرفة الاستقبال

فإذ بي أرى لوحة ضياء عزاوي الرائعة

قد عادت إلى مكانها!

وهنا أسألكم 

ماذا كان يجب علي أفعل؟ 

ماذا كان باستطاعتي أن أفعل؟

سوى أن أقوم

متظاهرًا بأنّي أستطلع المكان

وأبحث في غرف البيت وأروقته المتداخلة جميعها

الموزعة على طابقين

ماسحًا بنظراتي الذاهلة جدرانه عاليها وسافلها

ولا أجدها.

/

لكنّي هذه المرّة لم أرغب في إحراجك 

ولم أسألك كما فعلت يومًا

في واقعة مشابهة لهذه الواقعة ليست بالغة القدم

عندما لم أر على سطح طاولتك 

ولا فوق رفوف مكتبتك المزدحمة بشتى أصناف الكتب 

مجموعتي: (مزهرية على هيئة قبضة يد)

التي قدمتها لك في نهاية تلك السهرة الصاخبة

التي أحياها كلّ من ميشيل كيلو وعبد اللـه هوشة وعادل محمود 

وآخرين ما عدت أذكرهم

وقد كتبت في أعلى صفحتها الأولى

تلك العبارة المختصرة التي أبديت وقتها 

اعتراضك عليها وإعجابك بها على حد سواء:

"ضد أدونيس إن كانت تستحقّ!"

فأجبت بما لم أكن أتوقّعه منك مهما بلغ مقدار موهبتك على ابتكار الأعذار الجميلة:

"إنّها على المخدّة".

/

ومع ذلك أعترف بأنّه لا يمكن لي 

مهما بلغ بالمقابل مقدار اجحافي 

أن أتنكّر لذلك الشعور الطاغي بالفرح

الذي غمرتني به مقابل لوحتي المتواضعة

عندما

- وها أنذا أعود وأصف ذلك المشهد الساحر -

اعتليت

بقدر ملحوظ من المخاطرة

بقوامك الرقيق

ودست بحذائك البني الصغير على مسند الكنبة 

وأنزلت لوحة (ضياء العزاوي) 

نعم.. الفنان العراقي الأشهر (ضياء العزاوي) وليس سواه

وعلّقت بدلًا منها لوحتي أنا 

من لا يعترف به رسّامًا سوى الشعراء 

تعويضًا له لعدم اعترافهم به 

مهما كتب وهرف من القصائد وأشباه القصائد

 شاعرًا!

ولو لزمن تبين فيما بعد أنّه كان قصيرًا 

قصيرًا جدًا ولكن 

ليس عابرًا

بدأ بعد وصولي بدقائق قليلة إلى منزلك

واستقبالك لي بالمعانقة والقبل

وجلوسي لا أدري كم من الوقت

مقابلكما أنت ولوحتي التي صارت لوحتك

أستمع إلى ما تقوله لي دون شديد تركيز

بسبب أنّي كنت أنقل النظر

منك إليها ومنها إليك

محاولًا أن أجمعكما 

اللوحة المعلّقة على الحائط

وأنت الجالس تحتها على الكنبة

ضمن إطار صورة واحدة

تجمعكما أنتما الاثنان معًا

إلى أن حان وقت انتهاء الزيارة

فلكلّ شيء وقت يقول الجامعة 

للحبّ وقت وللكره وقت 

للسلام وقت وللحرب وقت

وللحياة وقت وللموت وقت

فما بالك بزيارة عابرة يقوم بها شاعر مغمور

لشاعر كبير أطبقت شهرته الأفاق

فقمنا ومضينا ممسكين بالأيدي

باتجاه الباب

ثم تمهلنا قليلًا عند العتبة

إن كنت تذكر

لتتمتم لي

 وأصابعك ما زالت تشبك أصابعي

بإحدى تلك العبارات

التي لا أظنّ أنّ في مقدور أحد في العالم 

الإتيان بمثلها 

في الوقت والمكان المحدّدين

اللذين لا يصلح فيهما

 أيّ عبارة أخرى

بالحروف ذاتها والنبرة ذاتها

والتي أيضًا 

يستحيل عليّ مهما تراكمت السنون

ومهما توالت الأحداث

أن أنساها:

"سنغدو جميعًا مراكب محطّمة 

الصداقة

شاطئنا الأخير"..

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث