ضجت وسائل الإعلام العراقية ووسائل التواصل الاجتماعي، بالكلام الذي قالته الكاتبة والروائية العراقية بلقيس شرارة في مقابلة تلفزيونية حول شخصية الشاعر العراقي بدر شاكر السياب. وتحدثت شرارة، من مواليد 1933 النجف، وزوجة المعمار الراحل رفعت الجادرجي، عن تفاصيل "مثيرة" بشخصية السياب. وفق وصفها، ارتبطت شخصيته بعوامل "شكلية"، قالت إن قصر قامته وضعف بدنه و"اذانه الكبيرة" وملامح لا تُحسب ضمن فئة الجمال، أثرت على شخصيته وحولها إلى ضعيفة عكس الشاعرة نازك الملائكة ولميعة عباس عمارة.
قالت بلقيس شرارة عن شاعر "أنشودة المطر"، بأنه كان عبقرياً إلا أنه "محروم" طول سنين حياته وكل "حلوة يشوفها" كان ينظم فيها قصيدة مستبعدة أن تكون له ملهمة ولا حتى الشاعرة لميعة عباس عمارة، وأن السبب هو فقده عطف الأم مبكراً والتي بحث عنها في جميع النساء. وذكرت أنه عبقري وكل "حلوة بعيونه إلها قصيدة" وعقدة "حنان الأم" رافقته طيلة حياته! يبدو أن "ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطار" لم تكن الوحيدة في علاقة الشاعر السياب بلميعة عباس عمارة، إذ تشير شرارة إلى وجود قصيدة أخرى كتبها السياب في هجاء عمارة بعد رفضها خطبته. وروت كواليس "قصة هجاء السياب لعمارة وتفاصيل خطبة لم تكتمل بسبب الدين"، وقالت إن والدها "حاول إكمال خطبة الاثنين إلا أن عمارة بدين(مندائية) يختلف عن السياب وهو ما منعها من الموافقة"، لم يتقبل السياب الأمر وهجاها في قصيدة تضمنت كلمة ثوبك مما أزعج والد شرارة وطالبه بحذفها!
هذا الكلام اثار ضجة في الفايسبوك، بين من يعتبره تجنياً على شخصية عبقرية وبين من يجده واقعياً.
كتب نوفل الناصر:
(بلقيس شرارة) بين النية وخيانة التعبير!
وأنا أتابع ما ينشر وما يكتب في هذين اليومين آلمني جدا، نعم أتابع ما قالت به السيدة بلقيس شرارة، وأتابع ما يكتب هنا وهناك، حول هذه القضية - نعم قضية ليست لجوهرها بل لما ترتب حولها من طرح وتأويل اعتقد كان الرد عليه بسيطا جدا - كل ما لاحظته أن الموضوع موضوع قصور في الرؤية وفي امكانية استنباط الاحكام وخيانة في التعبير من قبل السيدة بلقيس شرارة، فهي لم تستطع تشخيص حالة السياب من منطلق علمي أدبي انساني وجودي، وهذا يعود لأسباب تتعلق بطبيعتها الشخصية والثقافية، فكانت كمن يتحدث بمجلس نساء يستعرن من شكل احدهم، فغاب عنها منطق الشخص المثقف، وأنها لم تعش الظروف التي عاشها السياب، ولم تعرف الأدباء العالميين الحقيقيين، الذين بدت صورتهم أكثر انكسارا ووجعاً من السياب - ليس ضعفاً - كونهم الأكثر انسانية واحساساً بالوجود، والأكثر معرفةً بقسوة العالم وعجزهم عن وضع معايير الإنسانية في محلها ، فلو تعمقتْ بحياة كافكا الذي يقول لميلينا (تتوهمين، فلن تستطيعي البقاءَ إلى جانبي مدّة يومين.. أنا رخوٌ، أزحفُ على الأرض أنا صامتٌ طول الوقت، انطوائيٌّ، كئيبٌ، متذمرٌ، أنانيٌّ وسوداويّ) لغيرت التعبير وما كان ليخونها، أو سمعت قوله لها (لا أريدُ تعاستكِ يا "ميلينا". أخرجي من هذه الحلقةِ الملعونةِ التي سجنتكِ فيها، عندما أعماني الحب) لقالت كان كسير وموجوع الفقد والانسانية وضحية الإحساس العالي الذي جعله يبدو بهذا الضعف، فالفقد أما أن نعيشه أو نتعلمه ونحن نتماهى وننغمس بحس انساني وشعور مفرط مع ما نقرأ لهؤلاء!
ربما لم تعرف ألبير كامو جيداً وهذا من حسن حظه، والا فُسرّ حسه العالي واحساسه بالوجود بتلك النزعة الانسانية المطلقة بضعف الشخصية، كيف لا وهو يخاطب ماريا قائلاً: "أشعر ببعض الخجل من نفسي، إحساسي بالجبن والرخاوة. لكن بعد العودة، ستجدينني أكثر قوة من أجلك ومن أجلي. ولكني أفضل ألا أتحدث الآن عن هذه العودة!
بل وصل به الحال أن يفقد معنى الحياة، بحكم انسانيته التي جعلته يبدو ضعيفا منهزما، "أحاول أن أعطي معنى لحياتي، وطبيعي أن أبذل جهدا للكتابة لك لأحدثك عن هذه الرحلة. أجتهد بجد وانضباط من أجل ذلك، ولكن في كل هذا الوقت لا أكف عن الارتعاش بسبب انعدام صبري المؤلم، الذي يجعلني أهرب أو أمسح بضربة كف، كل ما من حولي. لم أكن هكذا أبدا في حياتي"!
هو الفقد والوجع واليتم والاحساس والانسانية، هو الوجود والحياة والمصير والاضطهاد، هو الأم والأب والاهل والحبيبة، هو الوطن والمجتمع والناس، هو العقل والادراك والوعي… هو مقاومة العالم بإمكانية الابتسامة والكتابة والثبات حتى النفس الأخير! هذا هو الاحساس الذي يجعل الإنسان يبدو ضعيفا بنظر غيره.
كتب حسين الوادعي
هل هي إساءة القولُ إنّ السيّاب كان دميماً؟ وأنّ دمامته كانت سببًا في عقدته مع النساء؟
وهل يتعارض هذا مع الاعتراف بكونه أعظم شعراء القصيدة الحديثة؟
عندما كنّا نتداول دواوين شعر السيّاب شبابا متعطشين للأدب، كان من السهل علينا ملاحظة عقدته مع المرأة. فكل قصائده الغزلية كانت قصائد حبٍّ فاشل أو استجداءً من طرف واحد، هو طرفه.
وكان معنا صديقٌ ذو شاعريّةٍ مرهفة، لكنه كان قبيحًا، ولم يكن حظّه مع الفتيات أفضلَ من حظّ السيّاب، وكانت القصة المأسوية تتكرّر أمام أعيننا، وهي قصة كلّ زمانٍ ومكان.
ألم يُضَحِّ الشاعر الدميم سيرانو دي بيرجراك بحبّه للجميلة روكسان بسبب دِمامته، ويتطوّع بكتابة قصائد الشعر لصديقه الوسيم ليفوز بقلبها نيابةً عنه؟
لكنّ السيّاب كان أكثر اعتدادًا بنفسه، وكان يتنقّل من حبٍّ وهميٍّ إلى آخر، وما إن تبدأ قصة حبّ حتى تفشل.
وأظنّ أنّ الأديبة بلقيس شرارة كانت صادقة حين قالت إنّ الفتيات عرفن عقدة الشكل عند السيّاب، فاستغلّت بعضهنّ ذلك كي يكتب السيّاب قصائد فيهنّ.
لكن السيّاب كان سيّابين: سيّاب الحبّ الفاشل، وسيّاب الشاعر النرجسي الذي يرى أنّ أيّ قصيدة يقولها ستُخلِّد الفتاة في التاريخ.
وما بين بؤس السيّاب الإنسان، وثقة السيّاب الشاعر، عاش تناقضًا قاتلًا عبّر عنه بسخرية سوداء في قصيدة «ديوان شعر»، التي اشتكى فيها من أنّ ديوانه بات في أحضان الفتيات وتحت وسائدهن، بينما هو وحيد يعاني السهر والوحشة.
كانت حياة السيّاب عاصفة: اليُتم، والمرض، والحبّ الفاشل، والسجن، والفقر… لكنه حوّل كل عاصفة من هذه العواصف الحياتية إلى قصيدة خالدة.
مقطع من قصيدته «ديوان شعر» التي يصارع فيها بدر الشاعر وحدةَ ووحشةَ بدر الإنسان:
يا ليتني أصبحتُ ديواني
لأفِرَّ من صدرٍ إلى ثانِ
قد بِتُّ من حسدٍ أقول لهُ:
يا ليتَ من تهواكَ تهواني
ألكَ الكؤوسُ ولي ثُمالتُها
ولكَ الخلودُ، وإنّني فانِ؟
يا ليتني أصبحتُ ديواني
لأفِرَّ من صدرٍ إلى ثانِ
سأبيتُ في نوحٍ وتسهيدِ
وتبيتُ تحت وسائد الغيدِ
أولستَ مني؟ إنني نكدٌ
ما بالُ حظِّكَ غيرَ منكودِ؟
زاحمتَ قلبي في محبته
وخرجتَ منها غيرَ معمودِ
أأبيتُ في نوحٍ وتسهيدٍ
وتبيتُ تحت وسائد الغيدِ؟
وقال جمال الناصري
لو لم يكن السياب بهذه الصورة التي طرحتها بلقيس شرارة، لما فتح أبواب الشعر واستخرج منه هذا الجمال والأبداع!
إن أشهر عظماء العالم في الفن والأدب والشعر والأبداع، اغلبهم دون مستوى الجمال الخلقي، بل يحملون عاهات جسدية، ولكن لم تمنعهم من الوصول الى القمة!
ماذا نقول عن أبي العلاء المعري وعبدالله البردوني وطه حسين.. والحطيئة الذي هجا نفسه.
أرى لي وجها شوه الله خلقه، فقبح من وجه وقبح حامله".
وماذا تقول شرارة عن العالم الكوني (ستيفن هوكنغ) الذي يعد ثاني عالم بعد اينشتاين وهو مقعد على كرسي متحرّك!
ان أخطر ما على الابداع هو العاهة النفسية وليس العاهة الجسدية!
لذا فالشكل والشخصية ليس معياراً لدى العقلاء!
ودوّن حسام السراي
بلقيس شرارة.. الأصداء والإعلام العراقي
بلا شك، اللقاء مع الكاتبة بلقيس شرارة ضمن بودكاست "سرديّة"، يمثّل نجاحاً إعلاميّاً للمؤسّسة التي أجرته؛ بحكم الملفات التي تناولها الحديث المطوّل، فيما عدا الإشارة غير اللطيفة للشاعر بدر شاكر السياب.
حجم الاهتمام والتفاعل الذي حظي به اللقاء، يبيّن لنا من جهة أخرى مستوى التراجع الذي وصل إليه الإعلام العراقي، بأشكاله المختلفة (الرسميّ منه والحزبيّ)، على مستوى طبيعة اختيار الضيوف والتعمّد في عدم إثارة أسئلة موضوعيّة تعود بالنفع على المتلقين وبالأخصّ منهم الأجيال الجديدة، بعيداً عن صراخ الضيوف الذي صار معتاداً ومملاً في الشاشة العراقيّة.
برغم أنّ السياسة أكلت ساعات البرامج التلفزيونيّة؛ لأنّ المموّلين يريدون ذلك، وإنّ هذه المرحلة هي الأسوأ في مسيرة الإعلام العراقي بعد 2003 (لدينا ضيف ظهر قبل أيّام على الهواء مباشرة وقال "أنزع الحذاء وأخلي بـ…")، لكنّ العمل الاحترافي في مساحة الإعلام الثقافيّ مفقود وما يسمح له بالظهور هو محدود وفقير الأدوات وغير مؤثّر في الساحة.
ليس غريباً أو فيه مبالغة ما، إذا قلنا أنّ الإعلام العراقي اليوم في جزء غير قليل منه يشتغل بالضدّ من السلم الأهلي وتوعية الناس بل وضدّ مستقبلهم أيضاً، ولا حلّ لذلك غير اللجوء إلى المنصات البديلة، مهما كانت المصاعب والعوائق الماديّة، في سبيل إنتاج إعلام آخر غير السائد.
الصور: كارتات وفواصل برنامج "أوراق" الثقافي الأسبوعي الذي كنت أعدّه لصالح قناة الحرية الفضائية بين عامي 2009-2011، وتولّى إعداده من بعدي الشاعر الراحل حسين السلطاني حتّى إغلاق القناة.
الكارتات والفواصل كانت من تصميم الصديق د. إياس العباس يوم تعارفنا هناك.
وكتبت إيمان حسن
أستغرب من هذه الهجمة على بلقيس شرارة في رأيها بشخصية السياب التي وصفتها بالضعيفة، وإحالة جزء منها إلى شكله. أستغرب لأن اكو من انصدم بهذا الرأي، مع أنه ليس رأيا تتفرد به شرارة، بل تطرق اليه بعض الذين تناولوا السياب، حسب علمي. لكن يبدو أن الجماعة صدموا بسبب "الطريقة العراقية جدا" التي وصفته بها ... وبالأخص كلمة "والأذن هالكبرها".
هذا الراي (بخصوص الشكل والبنية والشخصية) لا يعود لها فقط. فهناك من وصف السياب بشكل مماثل (بل وبمفردات أقسى)، لكن بلغة مختلفة. لغة اكاديمية أو أدبية. فأما ان من هاجم لا يدري. أو أنه يدري بس يتقبلها بـ"النحوي" اكثر.
الغريب أن البعض يحيل الرأي الصادر عن بلقيس شرارة إلى "ردة" السياب عن الشيوعية، مع أنها في سياق مقارنتها مدحت نازك الملائكة كشخصية قوية، والملائكة كانت أقرب إلى القوميين، وهم نقائض الشيوعيين.
كنت سأتفهم هذه الهجمة لو أنها نالت من شعره ومن ريادته وحجمه وتأثيره.. لكن من هاجم تجاهل، أو غض السمع، عما قالته شرارة عن السياب، وهو الأهم: "... لكنه كان إنسانا عبقريا بالحقيقة، وبالنسبة للشعر ولما قدمه فهو عبقري حقيقة". هاي ما سمعوها لان ما تسوي تريند.
وكتب أحمد حميد
شرارة في ميزان المراهقة والتطرّف الثقافي
#ينتفض مراهقو التديّن حينما تتناول بشرية علماء الدين، الذين هم في خانةِ المقدس في مخيال الجمهرة الشابة، والتي تعدهم في خانة المعصومين. كذلك الأمر ينسحبُ على مراهقي الثقافة حينما تتناول الحالة البشرية للأدباء والشعراء وسائر النقّاد والروائيين. وكأن آفة الحسد لا تنتشر سوى في جسد البسطاء والجهلاء والأميين والسوقيين.
#القداسة بكل تلاوينها الدينية والثقافية والسياسية، تسللُ إلى نفوس الأتباع، وتطغى بشكلٍ متطرّف لتؤكد أن التطرّفَ ثيمةٌ مجتمعية عراقية بامتياز. هذا الجيل الناشئ ثقافياً، وأنا منهم، لا يعلم عن #السيّاب سوى أنهُ رائد الحداثة الشعرية، وصاحب قصيدة "أنشودة المطر"، وأبيات "أحببتُ فيك عراق روحي"، و "الشمسُ أجمل في بلادي من سواها والظلام"، التي قرأناها في المدارس، أو سمعها البعض، بصوتٍ الفنان كاظم الساهر.
هذا الجيلُ الأُمي، لا يعلم أنَّ مجتمع الدين والثقافة والسياسة، هو أكثر المجتمعات علةً بالأمراض المعنوية، و قد أنهكَ الحسدُ شخصياتهم الإنسانية، وما كتبوهُ من مدونات، وسرديات، وأطاريح، وقصائد، كلها تذهبُ هباءً منثورا، لو أطلَعَ هذا الجيل على الحياة العملية لأغلب الرموز الثقافية والسياسية والدينية، والاجتماعيةِ أيضاً.
اعتقدُ أن المشكلة في الأوصاف التي تُطرح على صاحب المنتج الإبداعي، من قبيل: العظيم، الكبير، الاستثنائي، وحيد عصره، وفريد دهره. الخ من الأوصاف"، أوصاف تنسحبُ من النص الإبداعي لتسبغ على صاحبهِ الذي يتمترس بمخيال الجمهور عظيماً، كبيراً، استثنائياً. بينما الواقع لا يعدوه سوى أنهُ كاتب أو شاعر مبدع من جهة، وإنسان سوي أو غير سوي من جهةٍ أخرى.
فرحتُ كثيراً، وأنا أرى إطلالة السيدة بلقيس شرارة، وهي تتحدثُ عن أرشيف العراق الثقافي والسياسي، وهي امرأة بلغت من العمرِ عتيّا. فضلاً عن كونها شاهداً حصيفاً يُعتدُ برأيها، من قبل الكثير من المشتغلينَ في حقلي الاجتماع السياسي والثقافي معاً. ولأنها سيدة مغتربة منذ عقود، أخذ أصحاب الترندات الاجتماعية والثقافية يهاجمونها على طريقةِ همسة ماجد، وشهد الشمري، ومن ذات المحركات الإعلامية المتميزة بفن الشحنِ والإثارة، كما هي عليه قناة الشرقية، ومالكها "المبدع" سعد البزاز.
ما حدث، هو فرصةٌ عظيمة، لكي تقرأوا تاريخ العراق في القرن العشرين، من ينابيع مصادرهِ الصافية، حينها ستعلمون هل أساءت السيدة بلقيس شرارة للشاعر بدر شاكر السياب؟ وقبل تلك المعرفة، عليكم أن تعرفوا من هي أولاً؟ لأن أغلبكم يعطيها صفة الروائية، وهي لم تكتب روايةً مطلقاً، عدا سيرة وترجمة لحيوات كتّاب عاشت وعاشوا معها. وأنا على يقين أن الكثير من الناقدين الشباب، يجهل من هي أخت بلقيس شرارة، ومن هو زوج بلقيس شرارة، والأهم من ذلك من هو والد بلقيس شرارة، الذي أحدث علاقةً فارقةً في مسار التمرد الثقافي والسياسي، رفقة مواطنهِ حسين مروة في بداية القرن المنصرم.
أما رأيي، بخصوص ما تحدثت بهِ هذه السيدة، اللبنانية الأصل، العراقية المولد (نجفية الولادة – بغدادية النشأة). لم يكن إلا في إطار عفوي؛ لامرأة تجاوزت الـ 92 من عمرها، وهي تتحدث عن ماضٍ يتراكمُ عليهِ غبارُ العقد السادس من الزمن.
استرخوا، ثم تمعنوا، لتحكموا عن أيِّ أمر. ولعن الله الطشه، وعالمها المريض.
وقالت ندى سلطان
أعدتُ مشاهدة الجزء المقتطع من مقابلة الروائية بلقيس شرارة على الثقافية عشرات المرات، الجزء الذي تتحدث فيه عن رائد حركة الشعر الحر الشاعر الكبير الراحل بدر شاكر السياب، وترميه مرة بالقبح في الشكل ومرة بضعف الشخصية، ثم تذكر قوة الشخصية عند الشعراء لميعة عباس عمارة ونازك الملائكة وبلند الحيدري رحمهم الله جميعاً ورفع ذكرهم... وأستغرب جداً كيف يمكن أن يكون هذا منطق وأسلوب روائية لها جمهور كبير يقرأ منجزها!؟؟ ليس هناك مبرر للإساءة لقامات ورموز أدبية كبيرة نتعامل مع أدبها كل يوم، بفئوية وتمييز.
ولا يمكن أن يقبل أي عراقي أصيل قرأ أو لم يقرأ للسياب بأن تتم الإساءة له بهذه الطريقة على قناة عربية تظهر لجمهور عربي.. أم أنها وعذراً على العبارة، عُقدة الأفندية التي ترفض أن تغادر البعض بأن يكون ابن الجنوب رائداً في مجاله ومتفضلاً على الأدب العربي عامة والعراقي خاصة بغزارة نتاجاته؟ كيف يمكن أن يسهو بعض الأدباء أن هذه المقابلات تُعرض على جمهور عربي، وأن مثل هذه التصريحات ستسُوغ في المستقبل القريب التطاول على رموز عراقية إن كانت الإساءات تطالها من أرضها؟
مع السياب وشِعرِه دائماً وأبداً...
وكتب ثائر الاطرقجي
عندما تغيب أخلاق النقد
في الآونة الأخيرة، تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام مقاطع من لقاء مع القاصة بلقيس شرارة، تناولت فيه شخصية رائد الحداثة الشعرية، بدر شاكر السياب. وللأسف، لم يكن الحديث منصباً على إرثه الأدبي أو فتوحاته الشعرية، بل انحدر إلى مستوى "التنمر" العلني على ملامحه الجسدية ووصفه بـ "القبح" و"ضعف الشخصية"، تحت غطاء واهٍ من "التعاطف".
إن هذا الموقف يستدعي وقفة نقدية جادة، ليس دفاعاً عن السياب فحسب، بل دفاعاً عن "قيم المثقف" وصورة الأديب في الوعي الجمعي.
من البديهيات في عالم الفكر أن المبدع لا يُقاس بمدى وسامته أو طول قامته، بل بالمدى الذي وصلت إليه كلماته في التأثير. إن السياب الذي وصفته القاصة بـ "القبح" هو نفسه الذي منحنا أجمل موسيقى شعرية عرفها القرن العشرين. لقد كان "جسده" العليل مسرحاً للألم العراقي، وكان "وجهه" الذي لم يعجب الصالونات الأرستقراطية مرآةً لجوع الفقراء وأنين الأرض. إن محاكمة المبدع بمقاييس الجمال الظاهري هي سقطة معرفية تعيدنا إلى عصور ما قبل الوعي الإنساني.
"التعاطف" الذي يشبه الإهانة
ادعاء التعاطف مع شخص بسبب "قبحه" هو قمة الاستعلاء النفسي. فالتعاطف الحقيقي يكون مع المحنة، مع المرض، أو مع الظلم الاجتماعي، أما أن يكون "الشكل" سبباً للشفقة، فهذا ليس تعاطفاً، بل هو حكم بالدونية. السياب، بصوته الشعري الهادر، لم يكن يحتاج شفقة من أحد؛ فقد كان يمتلك من "قوة الشخصية الإبداعية" ما جعله يثور على قوالب الخليل بن أحمد الفراهيدي ويؤسس لمدرسة أدبية جديدة هزت أركان القصيدة العربية.
إن الخطورة في تصريحات بلقيس شرارة تكمن في كونها صادرة عن أديبة يُفترض بها أن تكون أكثر حساسية تجاه الكلمة. عندما تخرج هذه الأوصاف في برنامج يشاهده الملايين، فهي تكرس ثقافة "التسطيح" وتغذي النزعات التنمرية في المجتمع. المثقف هو من يرى الجمال في المعنى، وفي الموقف، وفي العبقرية، لا من ينشغل بـ "كبر الأذنين" أو "نحول الجسد".
إن التاريخ الأدبي لا يحفظ تسريحات شعر الشعراء ولا ماركات ملابسهم، بل يحفظ "أنشودة المطر" و"غريب على الخليج". سيبقى السياب رمزاً للعبقرية التي انبثقت من رحم المعاناة، وستبقى تصريحات الانتقاص من شكله مجرد عثرة في مسيرة من نطق بها.
إننا بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى نقد يحترم "إنسانية" المبدع، ويرتقي فوق القشور، ليرى الجمال الحقيقي الكامن في الإبداع وحده.
وكتب عقيل فائق المسعودي
السياب لم يكن قبيحاً …
القبيح هو هذا النوع من النقد.
السياب، رمز الحداثة الشعرية العربية، لا يُقاس بجسمه ولا بملامحه. قصائده كانت تُدرَّس في المدارس مرحلة المتوسطة والثانوية، وكانت جزءًا من تكوين أجيال كاملة. أنا شخصيًا كنت أحد هؤلاء الطلبة الذين تفتحت مداركهم على شعره، إلى جانب نازك الملائكة وعبد الرزاق عبد الواحد وغيرهم من شعراء بلدي العراق.
لم نقرأ يوماً السياب لهيئته أو ملامحه، بل قرأناهُ لصوته المختلف وقدرته على تحويل الألم والمعاناة إلى لغة شعرية حية أثرت في وجداننا، وألهمت فهمنا للقصيدة وللحياة. قرأنا سفر أيوب:
لك الحمد مهما استطال البلاء
ومهما استبدّ الألم،
لك الحمد، إن الرزايا عطاء
وان المصيبات بعض الكرم.
وقرأنا الكثير من قصائده، ولم يخطر ببال طالب واحد منّا أن يسأل عن ملامح السياب أو هيئته. كنا نقرأه لأن شعره كان حيًا، ولأن صوته كان مختلفًا، ولأن قصيدته كانت تُشبهنا في قلقنا وأسئلتنا المبكرة.
مؤخرًا، صدر عن القاصة بلقيس شرارة وصف الشاعر الكبير بدر شاكر السياب بـ"القبح" و"ضعف الشخصية"، محاولة تغليف ذلك بادعاء التعاطف. ما صدر عنها ليس نقدًا أدبيًا، بل تنمّرًا ثقافيًا صريحًا، وانتقالًا خطيرًا من قراءة الإبداع إلى محاكمة الجسد، ومن مناقشة الشعر إلى الهجوم على الشخصية.
إساءة وصف الشكل ليست تعاطفًا، بل استعلاء ناعم لا أقل ولا أكثر. التعاطف الحقيقي يكون مع المرض، مع القهر، مع المنفى والمعاناة، لا مع هيئة لم تكن يومًا معيارًا للقيمة. وصف السياب
بـ"القبح" و"ضعف الشخصية" لا يقل من قيمته، بل يعكس ثقافة عاجزة عن الفهم الحقيقي للنقد.
السياب سيبقى شاعرًا كبيرًا، لأن الشعر يُقاس بالأثر لا بالجسد، والتاريخ يحفظ القصائد ولا يحفظ الملامح. أما من اختاروا الحكم على الشاعر من خلال جسده، فقد كشفوا فقر رؤيتهم الثقافية، لا ضعف إبداعه.
