بعد انقطاعٍ فترة من الزمن عن فن الجداريات، الذي درسه في إيطاليا، عاد الفنان التشكيلي اللبناني محمد شرف ليضع لمساته على جدران مجلس بعلبك الثقافي، في تجربة جديدة تستعيد العلاقة القديمة بين الجدار والفكرة، بين الحجر واللون، بين الذاكرة والمكان.
لم تكن عودته مجرّد حدثٍ فنيّ، بل عودة الروح إلى الحجر؛ إذ تحوّل الجدار هذه المرّة إلى مساحة للتأمل، وإلى نصّ بصريّ يعيد تعريف المدينة في عيون أهلها، ولو بشكل مجازي.
محمد شرف، القادم من همّ البيئة والطبيعة، ومن حنينٍ طويل إلى الأفق المفتوح، يرسم هذه المرة ما يشبه حوارًا بين بعلبك وأشجارها، بين بيوتها القديمة وظلال الناس الذين يسكنونها اليوم. في كل ضربة فرشاة، يتجلى صراع الإنسان مع المكان، هل الجدار ذاكرة المدينة أم سجنها؟ هل اللوحة نافذة على الواقع أم وهمٌ جميل نحتمي به من صلابة العالم؟
في تجربة محمد شرف، يتحوّل الجدار إلى رمزٍ فلسفيّ بامتياز. فهو الحدّ الفاصل بين الداخل والخارج، بين الإنسان وعالمه، بين الوعي والوجود. حين يرسم عليه، ليس ليزيّنه فحسب، إنما يخترقه كما لو أنه يحاول أن يفتح ثغرة صغيرة في صلابة الحجر، ليتسرّب منها الضوء والفكر والحلم. هنا يتجلّى المعنى العميق للفنّ: أنه ليس مجرّد نسخٍ للطبيعة، بل هو فعل مقاومة ضد صمتها الظاهر.
في فعله الجمالي، يضع شرف ما يشبه الوهم على وجه الحقيقة القاسية. فالوهم عنده ليس خداعًا، لكنه ضرورة، لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش من دون صورةٍ مثالية للعالم. وكما يقول نيتشه: "نحن نملك الفنّ لكي لا نموت من الحقيقة". وهكذا يصبح الوهم الفني (وفي لغة الفن الخداع البصري) عند شرف امتدادًا للحقيقة، وليس نقيضًا لها. إنه الشكل الذي تأخذه الحقيقة حين تريد أن تُصبح محتملة، قابلة للحياة، قابلة لأن تُحبّ.
وللمناسبة، فإن محمد شرف، في معرضه الأخير في بعلبك، رسم المدينة كما لو كان يرسم ملامح وجهٍ يعرفه منذ الطفولة. لم ينظر إليها كموضوع، بل ككائنٍ حيٍّ يتنفّس ذاكرته البعيدة. تطلّ المعابد القديمة في لوحاته لا كآثار جامدة، لكنها أقرب إلى كلماتٍ اقتطعت من قصيدة طويلة تحمل عبء الزمن، وتظهر الأشجار المحاصرة بالإسمنت كرمزٍ لمقاومة صامتة في وجه الخراب والغربة.
هنا تنكشف فلسفة المكان في فنه، فالمكان ليس مسافة جغرافية، بل امتداد للذاكرة، وهو ما يبقى فينا من المدن التي عرفناها بعد مغادرتنا إياها. من هذا المنطلق، تتحول لوحات شرف إلى مرآةٍ للهوية اللبنانية المتعب. هوية تبحث عن توازنٍ بين الجذور والريح، بين الصمود والانفتاح، بين الحنين والمستقبل.
وفي عالمٍ يُحاصر الإنسان بالخراب من كل نوع، يأتي محمد شرف ليذكّرنا بأن الجمال ليس ترفًا، لكنه ضرورة وجودية. حين يرتسم اللون على الجدار، فهو لا يجمّله فحسب، بل يعيد إليه معناه. الجدار هنا يصبح ردة فعل هادئة ضد العدم، ضد التشيّؤ، ضد النسيان. كلّ لونٍ يضعه الفنان هو إعلانٌ صغير بأن الروح ما زالت قادرة على أن تترك أثرًا، مهما ضاق الأفق. الفنّ عنده ليس تجميلاً للمكان، بل تطهيرٌ للزمن، كما انه ليس حنينًا للماضي، لكنه واحد من الطرق الهادفة لبناء صرح وجودي.
في جداريته الأخيرة، يكتب محمد شرف بلغة اللون ما تعجز اللغة عن قوله. إنه يحوّل الحجر إلى ذاكرةٍ حيّة، والمكان إلى قصيدة، والفكرة إلى جسد. هذه التجربة التي حصلت في بعلبك ليست عودة إلى الرسم الجداري فحسب، بل هي عودة إلى الذات، إلى الإيمان بأن الفنّ قادر على أن يرمّم ما تهدّم في الإنسان. إنه لا يرسم جدارًا، إنه يرسم المسافة بين الإنسان وحلمه. ومن خلال تلك المسافة، يولد الفنّ الحقيقي: ذلك الذي يجعلنا نؤمن، ولو للحظة، أن الوهم أيضًا يمكن أن يكون شكلًا من أشكال الحقيقة.
في هذا المزج بين الواقعي والمتخيّل، تظهر فلسفة شرف الفنية: الفنّ لا يتماهى تماماً هنا مع الطبيعة، بل يتصالح معها في محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين الحلم والواقع. وهكذا، يصبح اللون وسيلة للبوح، والجدار كتابًا مفتوحًا على احتمالات الوجود. هكذا يتكرّس مشروع شرف بوصفه تمثيلاً وجوديًا، يحوّل المكان إلى مرآةٍ للروح، واللوحة إلى لغةٍ تُخاطب الحجر كما تُخاطب الإنسان. فالصورة التي أمامنا ليست مجرد رسمٍ على جدار، إنها نافذةٌ وهمية تُطلّ على عالمٍ موازٍ، حيث تمتزج الحقيقة بالخيال، والحجر بالهواء، والزمن بالسكون.
تبدو اللوحة، هنا، وكأنها محاولة الإنسان القديمة الأزلية لخلق أفقٍ آخر حين تضيق به الجدران. الأعمدة الثلاثة، بأقواسها الرصينة، تشبه أطُرَ الفكر التي تحاول أن تُنظّم فوضى الوجود. هي قفصٌ جميلٌ، لكنه قفص، يَسمح لنا برؤية العالم دون أن نلمسه.
أما الجرّتان الكبيرتان في الجانبين، فهما رمزان للحضور والغياب، تماثيل للصمت، تُذكّران بالماضي الذي حُفظ في الطين، وبالحياة التي تسكن الأشياء الجامدة، كأنهما روحان حبيستان في إطار مادي، تراقبان الأفق دون أن تبلغاه.
وفي الوسط، تتسع الرؤية: أشجارٌ تتنفس، أفقٌ بعيد، وسماءٌ مترددة بين الصفاء والغيم. شكل من أشكال الحرية المؤجلة، فالمشهد مفتوح، لكن الوصول إليه مستحيل. الجدار نفسه هو الحاجز بين الرغبة والواقع، بين الداخل الآمن، والخارج الرحب المجهول. هذا العمل الجداري، بالرغم من طابعه الكلاسيكي، يحاكي الإنسان في جوهره: كائنٌ يرسل بصره إلى جدار كي يقنع نفسه أنه يرى أبعد مما يراه. كل قوسٍ منها سؤال، وكل جرّةٍ ذكرى، وكل ظلٍّ على الجدار تذكيرٌ بأننا نعيش دومًا على حافة الحلم.
