:
قبل أن تتجلّى حروفُ العهد المسماري القديم، تتراصف القواربُ الأهوارية فيما يشبه رؤيا ما قبل الطوفان، علامات على ارتباط الإنسان العراقي بالطبيعة والمياه وعناصرها البيئية الأساسية: الطير والسمك وجِرار اللبن وتنانير الخبز، وكلّها مدوَّنٌ في كتاب العهد على ألواح الطين.
قبل أن يطوي العام 2025 كشحَه، ويجرّ وراءه قسائمَ الحُكم وأرصدة المال المدوَّرة من عهد الصيارفة وتجار المدن الزراعية والإقطاعية، سيرنو النظرُ إلى نساء السهول الدنيا من العراق، كما صوَّرتهنَّ لوحاتُ فنّاني العهد الصيرفيّ، بمحاكاة تعبيرية لمعاني الخصوبة الأمومية وجمال الأبنية الجسدية الموشومة. هذا ما تبقى من الأصل محمولاً على قوارب أنهكتها رحلاتُ امرأة السهول الرسوبية بين الحقيقة والأسطورة. لم تتبقَّ من علامات العهد المسماري غير أيقوناتٍ سَطَتْ عليها لعنةُ المال وشهوةُ قصور الحُكم. لم تتبقَّ غير ثلماتٍ من ألواح العهد المسماريّ، يحجُر عليها كهنةُ المصارف والقصور والمتاحف؛ بينما يطارد الفنّانون آثارَها في قوارب العهد المحمَّلة بمعاني الغموض والإسرار.
من غير هذا الترابط/ التناقض بين عهدين، قديمٍ خِصب برموز الطبيعة، وحديثٍ مُخصَّب برموز الهجرة والجفاف، لن تحضر قيمةٌ لرمز القارب_ القاسم المشترك بين كتابتين، هما أيضا خِصبة ومُخصَّبة، طبيعية ومصرفية.
سيربط الرمزُ الأكبر، القاربُ، بين لوحات ماهود احمد وعبد العزيز الدهر وجاسم الفضل وصادق كويش وعلاء بشير وأمجد الكعبي، وغيرهم ممن انحدروا بتعبيرهم الفنّي من عهد الصيرفة، وقد انطوَوا عليه في مشاغلهم، أو نقلوه إلى بلدان الجليد؛ وظلّوا جميعاً يختالون ببقايا الألواح التي حضنتها امرأةُ الأهوار بين ذراعيها.
من ناحية أدبية، أسطورية وإثنولوجية، نتابع عن بُعد بقيةً من لوح مسماريّ/ عشتاريّ، اجتاز آلافَ الأعوام شاهداً على تلك الرحلة لامرأة العهد القديم بشهرتها الأمومية والخصوبة الطبيعية، ونوَدُّ أن نراها منضَّدة بأكثر من لغة من لغات العهد الصيرفي، وأكثر من موديل فنّي غير مؤطَّر بمدرسة أو أسلوب أو رؤية. فالرحلة لم تستقر بعدُ على "جوديّها" و لم يصل القاربُ أرضَه المأمولة، ولا إشارة غير عظامٍ مجرَّدة.
(*) مدونة للقاص العراقي محمد خضير نشرها في صفحته الفايسبوكية.
