في أغنية "لسوف أصبح حراً" التي ظهرت العام 1962، والتي يتخيل فيها المغني بوب ديلان حواراً مع الرئيس الأميركي الراحل جون كيندي. يسأله هذا الاخير: "صديقي بوب، ماذا نحتاج لكي نجعل البلاد تنمو؟" فيجيبه ديلان: "صديقي جون، نحتاج الى بريجيت بارود"(1934 - 2025). والجمال الحق هو الجمال المطبوع على صورة فوتوغرافية بتعبير أحدهم. فكل صورة هي نصب للحياة ورونقها ومرآتها.
وحال الإثارة في الصورة خلاق. فروجيه فاديم، عشيق باردو وأستاذها، وجد أن باردو الحقيقية كانت الصورة المثيرة. والحال ان فاديم في مراده القول إن باردو كانت في قمة الإثارة حين كانت غير متاحة له جسدياً، سواء حين تكون بين الناس، أو حين تمثل، او على غلاف احدى المجلات. كان عليه أن يتخيل كونه واحداً من الناس الذين يرون باردو على الشاشة، ليتمكن من تملكها، وتملك الفكرة الشائعة عنها. وليس الأمر المثير هو الوصف التفصيلي لجسد الزوجة (باردو)، بل فكرة أن الآخرين ينظرون إلى هذه التفاصيل. ويكتب روجيه فاديم في مذكراته: "منذ أن رسم بوتيتشيللي لوحته التي تصور وجه فينوس، لم ير العالم ثانية ولادة آلهة الحب من قلب الأمواج سوى في الثاني عشر من مايو/أيار 1953 في الساعة الحادية عشرة والدقيقة الثلاثين، عندما شاهدوا حورية تخرج من البحر. كل شيء في ذلك الوجه كان قد خلق للضحك واللذات، الفم البريء الشهواني، والوجه البيضاوي الرائع، والأنف الدقيق والخدان اللذان احتفظا بأثار الطفولة. ثم تظهر الرؤيا: عنق بجعة وكتفان ضامران، صدر عار، وخصر نحيل بإمكان رجل أن يحيطه بيديه، وردفان ينحنيان بروعة على قمة فخذين طويلين مشدودين، وساقين ساحرتين فوق قدمي راقصة، وإضافة إلى هذا كله لباس سباحة من قطعتين يكشف أكثر مما يخفي من ذلك الجسد المثير الرائع".
وفي الخمسينات، لما اتحد مفهوم جمال المرأة ومفهوم النحافة بشكل تام. وأتت بريجيت فقلبت مفاهيم المجتمع رأساً على عقب، إن بشعرها الناري المسترسل على كتفيها العاريتين أو شفتيها المقلوبتين أو "البكيني" الذي طير صواب رواد "سان تروبيه" الفرنسي. ولم تعلن بريجيت عن انتهاء عصر ثياب البحر المشدودة ومستحضرات التجميل الصارخة الألوان وحسب، إنما رسمت خطوط جسد المرأة انطلاقاً من جسدها الممعن في الرشاقة والنحافة، فكانت وكأنها كلما تعرت، تحررت المرأة. فعريها، بحسب أهل الثقافة، يحمل معنى تحررياً فكريا ثقافياً.
وباردو التي عاشت طفولة تعيسةً وسط عائلة برجوازية، كانت تقترب من عامها السادس عشر عندما شعرت بهويتها للمرة الاولى. كانت أمها قد أخذتها إلى صديقة لها تترأس تحرير مجلة "Elle"، واختيرت صورتها للغلاف. عن هذه اللحظة تقول نيكول باروت، مؤرّخة الموضة الفرنسيّة في حديث لها مع صحيفة "الغارديان" في 22 أيلول/ سبتمبر 2009: "كلّ نساء جيلي يذكرن صورتها الأولى على غلاف مجلّة Elle العام 1950". كان لها شعر كستنائي قصير ونظرةُ راقصةٍ ساحرة. وقد عبّرت عن هويّة لم تكن قد وجدت مكاناً لها في المجتمع أو في عالم الأزياء: هويّة المراهقين. تلك الصورة ستكون مجرد مقدمة عابرة إلى حين حصول صدمة الجسد الفينوسي".
بريجيت ليست مجرد ممثلة، أو حتى النجمة الأشهر في تاريخ السينما الفرنسية، لكنها قطعة حية من تاريخ فرنسا منذ الخمسينيات. اخترقت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وجنون هتلر وموسليني بخط أبيض، أسهم فيه نجوم من أمثال نجم "التمرد بلا قضية" جيمس دين ونجم الروك أند رول إلفيس بريسلي، ونجمة الإغراء مارلين مونرو، التي تكبر بريجيت بأعوام قليلة، لكنها بدأت تظهر معها، بطريقتها الخاصة. والاختلاف بينها وبين بعض المشاهير أنها رأت صورتها كهلة بينما رحل بعض أبناء جيلها في عمر مبكر وبطريقة ملتبسة، قتلت مارلين أو انتحرت، وقتل جيمس دين في حادث سير مروع. حتى التباسات وفاة ألفيس ما زالت محط اهتمام الدراسات.
وبريجيبت التي خصّها المخرج جان لوك غوداو بفيلمه "الاحتقار". لم تكن الجميلة موضع اهتمام المهتمين بالسينما فحسب، فالكاتبة الفرنسية سيمون دوبوفوار اعتبرت، في مقال نشر العام 1959، أن بريجيت خير تعبير عن "الفلسفة الوجودية"، و"محرّكة لتاريخ النساء"، والمرأة الأكثر تحرّراً في تاريخ فرنسا. وقال عنها الشاعر والسينمائي جان كوكتو: "أحبها لأنها تعيش مثل كل الناس مع أنها ليست مثل أحد". وكتبت عنها الروائية مارغريت دوراس مقالا بعنوان "الملكة باردو... من اليابان إلى نيويورك أو بالعكس"، جاء فيه: "تجسد بريجيت الأحلام السرية للرجال منذ بدء الخليقة، وتقدم لهم احتمال وجود امرأة من شمع يستطيع كل رجل أن يصنعها كما يشاء".
عاشت باردو حياةً مليئةً بالإثارة، وفجأة قررت وفي أوج حضورها الجمالي والسينمائي، وهي بعد لم تتجاوز الأربعين، وضعَ حدٍّ لحياة الشهرة. ومنذ العام 1973، عزلت نفسها في المزرعة التي أسستها للحيوانات، أحاطت نفسها بأعداد لا تعدّ ولا تحصى من الكلاب والقطط والقردة والحيتان والثيران فضلاً عن الذئاب... انتقلت من نجمة سينمائية إلى مهووسة وناشطة في جمعيات الرفق بالحيوان، ولاحقاً غرقت في التصريحات والمواقف العنصرية... وانعزالها لم يمنعها من أن تبقى مؤثرة في الذاكرة البصرية، وقد حاولت نجمات شهيرات تقليدها، مثل كلوديا شيفر وكيت موس وآيمي واينهاوس وغيرهن.
الأرجح أن من يهوى صورة بريجيت باردو المثيرة، يكاد يتغاضى عن صورتها سنواتها الاخيرة وقد غزت وجهها تجاعيد الزمن، أو يحاول أن يحتفظ بصورتها شابة نضرة كما صنعتها الصورة السينمائية. لا يفكر بصورتها الآن أو ينفيها من مخيلته، ربما يعتبر أن ثمة أكثر من حياة للنجمة الفرنسية: حياة كانت ثمرتها صورتها المثيرة ومراهقتها التي كانت نموذج الفتاة المتحررة، وتعتبر نموذجاً لـ"عقدة لوليتا" التي تغوي الكبار، وحياة نتاجها نضالاتها للدفاع على الحيوانات.
لا ينتهي الكلام عن بريجيت باردو أو "ب. ب"، فهي محط أنظار الكتّاب وصدرت حولها عشرات الدراسات والأبحاث والسير والأفلام، وبقيت علامة فارقة من علامات ما بعد الحرب العالمية الثانية. كانت النجمة التي ترفّه عن العالم لينسى مآسيه، وقبل أشهر أصدرت كتاباً عن حياتها تحت عنوان "مون ببسيدير" وأعلنت مثلاً حبّها للممثل جان بول بلموندو "الرجل الرائع والممثّل المبدع والمضحك والجريء"، لكنها اعتبرت أن آلان دولون "فيه الأفضل والأسوأ في آن واحد"، وأن الممثل الإيطالي مارتشيلو ماستروياني رغم "جاذبيته" كان "مجرّد ممثّل جيّد من دون إبداع فعلي أو شخصية تترك فعلاً أثراً في النفوس".
وتحدثت بريجيت باردو عن سانت تروبيه حيث تمتلك منزلاً، وأسفت الفنانة لتحوّل "بلدة الصيّادين الصغيرة الجميلة هذه" إلى "مدينة لأصحاب المليارات لم يعد من الممكن التعرّف فيها إلى ما كان يميّزها".
