فادي أبو خليل الذي "اختفى"

يحيى جابرالسبت 2025/12/27
Image-1766788747
المدينة تنقص واحداً (بعدسة جوزيف عيساوي)
حجم الخط
مشاركة عبر

نستعيد هنا نصاً ليحيى جابر، عن شاعر مفقود يدعى فادي أبو خليل (من ديوان" للراشدين فقط"- 2008). مرثية قبل 17 سنة.

 

بعد ظهر شتوي، أرتشف الجريدة 

اقرأ القهوة

أقلب رأسي كفنجان

ومن ثقب مشمس

أتذكر فادي أبو خليل

ثمة شاعر اختفى

المدينة تنقص واحداً.

 

أتذكره يجوب شارع الحمرا مثل قنفذ

ويلف طوال الوقت حول الشارع،

حول نفسه، مكنفشاً بالبهجة، وفي لحظة ينتفض ويطلق سهامه كنظرات حادة.

أذكره مسرعاً، منحدراً من مطعم "بربر" ماراً بمحاذاة سينما "البيكاديللي"، ينعطف صوب سينما "الحمرا" ودائماً متأبطاً منقوشة زعتر، كتلميذ في فرصة الساعة العاشرة، وبلمح البصر يقفز إلى الرصيف المقابل كمحارب، وبين فكيه سكين، ليتحاشى مقهى "الكافيه دوباري" حيث شجرة من النميمة.

 

أذكره مزاجياً كشمس ربيعية، يخادعك بابتسامة، يصافحك بحرارة شتوية كقط أليف. وبعد ساعة تصادفه لا يلقي التحية عليك، لا يسلّم، يعبس، يجقر، لنظراته مخالب صيف شرس، ويمضي في موائه الصامت، لا يلوي على شيء ويتجاوزك كمتسول.

 

سألت عنه أصدقاء مشتركين، وعابرين، ولا أحد يعلم عنه شيئاً، فأختفى ببساطة من سنة. تقول ريم: "هل رأيت دوره في فيلم الحب مر من هنا؟ كان متميزاً ورائعاً".

يا ريم أين الفيلم ؟

إنه محفوظ في علب المونتاج 

لماذا لم ببصر النور والشاشة؟

لقد هربت المنتجة الفرنسية 

والمخرج برهان علوية محبط، ويتجنب ذبحة قلبية في كازينو لبنان .

 

حسناً يا فادي، إنها الحياة في العلب، الحب في العلب، وحدها السماء نيجاتيف ولا تحميض للألوان،

في أي علبة أنت الآن يا ممثل .

كلنا على مشارف جنون، كلنا زقّ عقلنا من مكانه، لذا لا تنفصل عنه .

كلنا طلقنا ذات غروب نسائي، من بسام إلى عباس إلى زاهي، ومن بلال إلى يوسف، ومن محمد إلى اسكندر إلى أنا .

الزواج نهاية سعيدة في الأفلام.

لا تنفصل عن روحك. زفّ نفسك إلى جسدك، وكلّل مخك في كنيسة رأسك ..

 

يا أخي وإن كنت نصرانياً، جحّش حياتك مرة ثانية .

أذكرك ترغب بطفل، حسناً، ألم تنجب دواوين، أفلاماً، مسرحيات..الكتب أطفالنا، فلذات أكبادنا، يكفينا أننا نراقبهم وهم يدبّون على الأرض.

 

عد يا ولد

لا تصافحني، لكن دعني أراك من زجاج المقهى، لأطمئن أنني ما زلت على قيد العقل والحياة والعين .

فادي الطويل كسروة، الحزين كسروة، المنتصب كآخر رمح أفريقي، وأصغر من دمعة في شرق شرق آسيا، أفتقد قارته المحجوبة خلف غطيطة من دخان سجائره.

هو شاعر "لا شيء تقريباً" و"فيديو" و"غيوم طويلة، إني أتذكر". أفتقده في الحانة كملاكم خرج من أفلام بروس لي .

 

يا من له وجه يوضاس 

وقلب يسوع

...

أين أنت الآن؟

في أي معطف تسكن الآن، ماذا جرى لـ"الرانج روفر" وصرير دواليبك عند المنعطف بين محلات "الرد شو" و"المودكا" وتلوي برأسك عنا، وترمي سيجارتك من النافذة كإبتسامة في الخفاء.

 

منذ شهرين التقيت بفصيح كيسو وسامية جعجع ، عائدين من استراليا بولدين وجنسية. قالا لي على دفعات:

"نرغب في الإقامة هنا في بيروت". "هنا في شارع الحمرا". "هنا المرعى وقلة الصنعة. هنا هداوة البال "

يا إلهي، إنهما يحسدوننا على عيشتنا كأجمل كلاب.

البارحة عرفت أنهما أمتطيا أول طائرة، وتركا خلفهما سؤالاً .. "أين صديقنا فادي ابو خليل؟".

أجبتهما "ربما قفز مثل كنغارو خلف محيط ما ".

لكنهما واصلا طيرانهما إلى سيدني بلا جواب .

 

أذكر حين وقعوا "اتفاق الطائف"، أنك أقفلت عائداً من بغداد، واستقريت قليلاً في باريس ثم هبطت إلى بيروتك، واحتفلنا بمجموعتك الشعرية وقلنا لك: "بتكتب حلو ياكلب". ورحنا ندخن المدينة بالممنوع من سجائرها، وننهب المدينة، وعرَّفتنا على أحياء النصارى، في الأشرفية والسيوفي والجعيتاوي. وصرت تخبرني عن مقاتلك في حزب الكتائب اللبناني وانتقالك إلى الحزب الشيوعي .

الآن حزب الأرز أعطاك عمره، ويروى أن حزب البعث حاول إعادته .

وحزب المنجل والمطرقة زحط عن السلم .

وصرنا بجملة شعرية نحاول ربط الشرقية بالغربية .

 

يا أحمق في السياسة هل جننت؟ 

يا غبي هل انتحرت، هل ترهبنت، هجّيت، تزوجت؟ يمكنك أن تعود، وتعيد عرض مسرحيتك "بوب كورن" وتغني مع جورجيت صايغ "طير وفرقع يا بوشار"، هل فرقعت كحبة ذرة .

يا أطول عرنوس

أذكر إحباطك كجورنالجي، كناقد مسرحي. لا وظيفة لمن هم خارج الدوام. وفي الشعر لا أحد يترجمنا ولا أحد يضع اسمنا في انطولوجيا الشعر العربي بالفنلندية أو الأوزبكية، ولا أمسية في الجوار .

حسناً، لا دور لممثل، لا كتاب لشاعر، لا كرسي لصحافي. وحاولت أن تعود إلى دكان الوالد بائعاً للخضار والفاكهة، فوقعت في مهدئات ومهيجات ومثيرات.. الحياة باردة كعلبة سردين. هل تعلّبت على رف ما؟ 

 

عيّشنا مقهى الويمبي سنوات. عيشناه بالروح وبدم الكلام 

المسفوك، واستشهدنا في حب تراب قصيدة أو ذكرى عن جيل ما. لم يبق أحد سوى الظلال، كبكوب صوف بين الطاولات.

الميتر عادل، هل تذكره؟ ذات مساء أنزل القناني وشربناها معه، وطردوه في الصباح .

عاملة التنظيفات "فاطمة "الرابضة على مدخل الحمام بصحن، لتأخذ ليرة عن بولنا. ولا تفحصه عن السكري،

ماتت فاطمة حين سحبها نمل الروماتيزم. ركبة، ركبة .

 

يا فادي يعن على بالي كتابتك رواية؟ هل يكفي الآن أن أقرأك قصيدة في حانة الـ"شي أندريه،"

وأقول "إلى روح فادي أبو خليل الذي لم يمت "

أقرأك، وأظنني أرى طيفك من الزجاج مشرعاً كـ"زووم أوت" وجهك "فلو" تدلف، تطلب البيرة والرغوة على الشفاه وتمسحها بكمّ ملاك .

 

أعرف أنك لا تطاق ومزعج بصهيلك، لكن لا تغادر الرقعة كحصان أطاحه فيل، أو وزير. قل لي في أي قلعة أنت محبوس لأرمي لك حبلاً لتهرب؟ 

ها أنذا أفتش عن حمامة لرسالتي المحفوظة في الجوارير. منذ شهر قررت نشرها عسى أن تصلك وأنت في تمام الصحة والعافية، لكن دعني أراك أولاً.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث