ديكولونيالية في المتحف البريطاني!

شادي لويسالسبت 2025/12/27
Image-1766823066
المتحف البريطاني
حجم الخط
مشاركة عبر


في أحدث محاولة للتعامل مع عقدة الذنب الاستعمارية، يكشف المتحف البريطاني عما وصفه مديره، نيكولاس كولينان، ببرنامج إعارةٍ طويل لتطهير نهجه من آثار الاستعمار. وكأول إعارةٍ ضمن البرنامج الجديد، أرسل المتحف البريطاني، الأسبوع الماضي، 80 قطعةً أثريةً يونانيةً ومصريةً إلى "متحف تشاتراباتي شيفاجي مهراج فاستو سانغراهالايا" في مومباي، الهند. يستخدم كولينان لفظة "الديكولونيالية" التي ظلت حتى وقت قريب حكراً على منتقدي مؤسسات مثل المتحف البريطاني، وموقفه الرافض للاستجابة إلى المطالبات التاريخية بإعادة المعروضات المنهوبة خلال حقبة الاستعمار إلى بلدانها الأصلية. 


أنفجار الخطاب الديكولونيالي حدث قريب العهد، ويدين بأصوله إلى الخطاب الأكاديمي ما بعد الكولونيالي، أو للدقة إلى الشعور بالإحباط منه. وصلت دراسات ما بعد الاستعمار إلى أفق مسدود، بعد تحليلها للآثار المستمرة والباقية للاستعمار في العلاقات الدولية والنظام المالي العالمي والأنظمة الثقافية ومؤسسات التعليم وغيرها، لم يعد هناك ما يمكن قوله أو إضافته. القفزة نحو الديكولونيالية جاءت بإلهام ماركسي، فالمهمة لم تعد وصف العالم بل تغييره. ترفض الديكولونيالية إلصاق صفة "الدراسات" بها، حيث أنها هي معنية بالفعل، أي بتفكيك البني الكولونيالية بشكل فعال. 

Image-1766823257
نيكولاس كولينان


لكن وعلى الرغم من ادعاء العملية، يظل نفوذ الديكولونيالية مقتصراً على الدوائر الأكاديمية الغربية، وعلى خريجي الجامعات في الميتروبول من العاملين في المجالات الثقافية، وبالأخص الفنون والمتاحف. لذلك، تظل جهود نزع الاستعمار مقتصرة على مساحات بعينها، مثل المناهج الدراسية في الجامعات، بتخفيف مركزيتها الغربية عبر إضافة لوائح من الكتّاب الملونين إلى قوائم القراءات والمراجع البحثية. وكذلك تتيح الفنون المعاصرة مساحة نموذجية لممارسة نزع الاستعمار، وبالأخص من جهة الفنانين القادمين من دول الجنوب ومن الأقليات في المركز الغربي، حيث أن حضورهم في الحقل الفني بحد ذاته يمكن طرحه كتفكيك للهيمنة البيضاء على الممارسة الفنية، وحيث أن "التدخل الفني" يعد في المفهوم المعاصر فعلاً مكتملاً وتاماً من دون انتظار تبعات يمكن تقييمها أو قياس مدى فعاليتها. بشكل أكثر مباشرة وعيانية، يقع المتحف الغربي في القلب من ذاكرة الندوب الاستعمارية، بوصفها تجسداً تم جميده في الزمن لعمليات النهب والاستيلاء والانتزاع والتخريب المادي والثقافي للمجتمعات المستعمرة. تقدم المعروضات دليل إدانة على الجريمة الاستعمارية في الماضي يصعب إنكاره أو تفنيده، وفي الوقت ذاته تدلل بلا شك على استمرارية البنى والممارسات الاستعمارية في الحاضر. معضلة المتحف أن وظيفته الأساسية هو الاستعراض، وبالتالي لا يمكن التحايل على مرئيته أو التملص منها. وتحت ضغط ثقله الذاتي، وحملات المطالبة باسترجاع المقتنيات، يجد المتحف الغربي نفسه مجبراً على التعامل مع الحجة الديكولونيالية بل وأحياناً تبني مفرداتها.

 
في سياق الترويج لبرنامج الإعارة في المتحف البريطاني، يصرح كولينان لصحيفة التلغراف البريطانية بأن النموذج الجديد "أكثر إيجابيةً بكثيرٍ بشكل تعاوني، بدلًا من هذا النموذج الثنائي ذي المحصلة الصفرية، الذي يتبنى مبدأ الكل أو لا شيء". وأضاف: "الدبلوماسية الثقافية، هي ما يجب أن تقوم به المتاحف. ليس عليك أن تحرج بلدك لتفعل شيئًا إيجابيًا مع بلد آخر". في الحقيقة لا يتضمن مشروع كولينان أي عنصر مناهض للكولونيالية، بل على العكس يقوم بترسيخها تحت غطاء الادعاء بتفكيكها. بحسب البرنامج، يحق للمستعمرات السابقة التقدّم بطلب للوصول بشكل مؤقت إلى مقتنيات تنتمي إلى تراثها، ويحتفظ المتحف اللندني بالحق في البت في تلك الطلبات، ووضع اشتراطات بعينها على الجهات المستعيرة. تظل ملكية المتحف للمقتنيات كما هي بل وتُثبت، وتبقى التراتبية الاستعمارية على حالها، ولا تقر إدارة المتحف بأي ذنب يتعلق بطرق الاستحواذ على تلك المقتنيات في الماضي. هكذا تتحول الديكولونيالية إلى مجرد لعبة لفظية تعمل على التغطية على الإرث الاستعماري. 
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث