في عام 2025، لم يكن الكتاب الورقي في بيروت خارج سياق الانهيارات المتراكمة والحرب والضغوط المعيشية. حركة البيع والشراء في المكتبات بدت متفاوتة، محكومة بالجغرافيا، ونوع الكتاب، وقدرة الناس على تخصيص وقت ومال للقراءة. في مدينة أنهكها النزوح والقلق، بقيت المكتبات تحاول الصمود، أحيانًا بالحد الأدنى، وأحيانًا بالبحث عن صيغ جديدة لإبقاء الكتاب حاضرًا في الحياة اليومية.
الكتاب خارج سلة الضروريات
يقول صاحب مكتبة "فيلوسوفيا" في الضاحية الجنوبية لبيروت، عباس فقيه، إن مبيعات الكتب تراجعت خلال عامي 2024 و2025 بنسب تتراوح بين 30 و40 في المئة. ويشرح فقيه لـ"المدن" أن الكتاب تحوّل إلى سلعة مؤجّلة بالنسبة لكثيرين، في ظل ارتفاع كلفة المعيشة، وعدم الاستقرار النفسي والاجتماعي الذي فرضته الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان. ويضيف أن القراءة تحتاج إلى هدوء واستقرار، وهما عنصران غابا عن حياة شريحة واسعة من اللبنانيين، خصوصًا من اضطروا إلى النزوح أو العيش في ظروف غير مستقرة.
في المقابل، شهدت أنواع محددة من الكتب إقبالًا ملحوظًا. فقيه يشير إلى ارتفاع مبيعات الكتب الدينية والروحية، والكتب التي تتناول معنى الحياة والتقرّب من الله، على حساب الروايات. ويلاحظ أن قرّاء اعتادوا الرواية اتجهوا نحو هذا النوع من الكتب، متأثرين بتجربة الحرب والخوف والخسارة. ومع ذلك، بقي الطلب حاضرًا على عناوين أدبية معروفة مثل "قواعد العشق الأربعون" و"موت صغير"، ما يدل على أن الذائقة لم تنقلب بالكامل.
الجغرافيا تصنع الفارق: بين الضاحية والحمرا
على مسافة جغرافية قصيرة، تبدو الصورة مختلفة جزئيًا. مدير فرع الحمرا في مكتبة أنطوان، ميخائيل نجم، يقول لـ"المدن" إن مبيعات الكتب الورقية ارتفعت خلال عام 2025 بنحو 20 في المئة مقارنة بعام 2024. هذا الارتفاع، وفق نجم، مرتبط مباشرة بحركة النزوح الداخلي، إذ استقبلت مناطق مثل الحمرا عددًا كبيرًا من العائلات التي تضررت من الحرب، ما كان واضحا في زيادة في الطلب على الكتب المدرسية وكتب الدعم التعليمي.
ويرى نجم أن عام 2025 شكّل مرحلة انتقالية باتجاه التعافي، من دون الوصول إلى مستويات ما قبل 2019. ويشير إلى أن الحرب أثّرت سلبًا على مبيعات الكتب غير المدرسية، فيما بقي الإقبال على الكتاب الورقي حاضرًا لدى فئات عمرية شابة، بما فيها المراهقون، رغم الانتشار الواسع للكتب الرقمية والمحتوى السريع.
الاختلاف بين التجربتين يرتبط بطبيعة كل منطقة وقدرتها الشرائية والحاجات الثقافية والتعليمية فيها. يتأثر الإقبال على الكتاب بالضغوط المعيشية وتبدّل الأولويات في بعض السياقات، ويتخذ طابعًا تعليميًا أو يرتبط بمحاولات الحفاظ على الروتين اليومي في سياقات أخرى.
الرقمي لا يُقصي الورقي..
المنافسة مع العالم الرقمي حاضرة في حديث أصحاب المكتبات، لكنها لم تعد تُختصر بسردية "انقراض الكتاب". فقيه يقدّر أن التأثير السلبي للمحتوى الرقمي بلغ نحو 50 في المئة خلال السنوات الماضية، لكنه يلفت إلى أن هذا التأثير تراجع نسبيًا، خصوصًا لدى القرّاء المعتادين على الورق. ويشير إلى محاولات قامت بها المكتبة سابقًا، مثل تخصيص مساحة "كوفي-بوك" تجمع بين القراءة والقهوة، بهدف بناء علاقة يومية مع الكتاب، وهي تجربة ينوي إعادة إحيائها.
في السياق نفسه، تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مؤثرًا في حركة سوق الكتاب. فبحسب تقرير للكاتبGeoff Wasserman على موقع The Brand Leader، ساهم تطبيق تيك توك في رفع مبيعات الكتب الورقية عالميًا عبر وسم #BookTok، الذي تجاوزت مشاهداته 79 مليار مشاهدة. هذا التأثير تزامن مع تسجيل مبيعات قياسية في الولايات المتحدة عام 2021 بلغت 843 مليون نسخة، تلتها 789 مليون نسخة في 2022، مع ارتفاع مبيعات الروايات الموجّهة للبالغين بنسبة 8.5 في المئة. ويقود هذا المسار جيل زد، الذي يعتمد تيك توك لاكتشاف الكتب، ويتجه إلى النسخ الورقية بحثًا عن قراءة أقل تشتيتًا، وابتعادًا عن الإرهاق المرتبط بالشاشات.
بين الأرقام العالمية والواقع المحلي
على المستوى العالمي، تشير بيانات Publishers Weekly إلى تراجع طفيف في مبيعات الكتب الورقية في الولايات المتحدة بنسبة 0.9 في المئة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، مع انخفاض في فئة الكتب غير الروائية، مقابل نمو في الروايات الرومانسية والخيال العلمي وكتب تطوير الذات. هذه الأرقام توحي بتحوّل في الذائقة أكثر مما توحي بانحسار القراءة.
بدوره، يتوقع تقرير Straits Research أن ينمو سوق الكتب العالمي من نحو 147.3 مليار دولار في 2025 إلى أكثر من 175 مليار دولار بحلول 2033، مع بقاء الكتاب الورقي جزءًا أساسيًا من هذا السوق، إلى جانب الصيغ الرقمية والمسموعة.
في بيروت، لا يمكن قراءة أرقام مبيعات الكتب بمعزل عن الحرب والاقتصاد والنزوح. الكتاب الورقي لم يختفِ، ولم يستعد عافيته الكاملة. هو موجود في مساحة وسطى، يتراجع في أماكن، ويتقدّم في أخرى، ويتغيّر نوعه تبعًا للحظة. بين مكتبة تخسر جزءًا من مخزونها بسبب القصف، وأخرى تنتعش بفعل الطلب التعليمي، يبقى الكتاب شاهدًا على علاقة متقلّبة بين المدينة وسكّانها.
