2025: سنة الحرب المُنتظرة

فوزي ذبيانالجمعة 2025/12/26
GettyImages-494654068.jpg
صواريخ حزب الله (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

على الرغم من بعض ضروب التفاؤل الحقيقية منها أو الوهمية والتي تراها قد تخللت يوميات اللبنانيين إبان العام 2025، فإن هذا العام بالإجمال يمكن عدّه عام الحرب المُنتظرة، حتى أني لأخال أن لا نشرة إخبار واحدة في كل المحطات اللبنانية أو غيرها من المحطات العربية أو الأجنبية قد خلت في يوم من الأيام من الكلام عن هذه الحرب، من التحدّث عن إمكان اشتعالها.

 

قد يجهد المرء في تدبّر سبل التفاؤل والمستقبل المنير إلا أن العام المذكور قد رسّخ في الأذهان قناعة مفادها أن الحرب في هذه البلاد هي القاعدة أما العيش بسلام فهو مجرد استثناء أو حالة مؤقتة أو لحظة طارئة... ويا لغموض الاستثنائي والمؤقت والطارئ في حياة الشعوب كما تعلمنا دروس التاريخ.

فأن يعيش المرء أيامه على الدوم بمثابة اللحظات الأخيرة (سواء اعترف بهذا الأمر أو لم يعترف)، فإن الحياة عندئذ هي مجرد سلسلة لانهائية من هذه اللحظات وهو ما تبّنته بعمق وقائع أحداث 2025. فأن تكون خطابات الصواريخ من قبل سادة الحرب في هذه البلاد بمثابة نسف شبه يومي لكل خطابات أهل الدولة فإن هؤلاء الأخيرين هم في هذه الحالة العنصر الطارئ في يومياتنا بينما الصواريخ هي القاعدة.

 

قد تناصب الأيام العداء للناس بشتى السبل والأساليب لكنها أيضاً قد ترسم سبل الرخاء والاستقرار إنما الحرب سواء تحققتْ أو كانت محض خبر يطنّ يومياً في الآذان تراها على الدوم تيسّر كل ضروب الفاجعة ومن بعدها الفاجعة وليس العام 2025 في هذا السياق سوى تثبيت لهذه الفاجعة المكبوتة تارة والمتفجرة تارة أخرى.

فضلاً عما راكم هذا العام من تجاذبات سياسية واقتصادية واجتماعية وفي البال بشكل خاص ذلك "النقار" على قانون الانتخابات ثم مصير أموال المودعين فإن الحرب تظلّ الحالة التي لا سبيل إلى ترويضها وكأني بروزنامة كل أيام سنة 2025 هي تحديداً روزنامة لبنان الأبدية... لبنان الحروب التي لا خلاص منها!

 

من النافل أن المستقبل قد يكون علامة استفهام ضخمة أو تراه في بعض تصوراته أقرب إلى الفرضية أو مدى ضبابي شاسع إنما في الحالة اللبنانية، كما رسّختْ الأمر سنة 2025، فإن المستقبل هو المرادف الأصيل للحذر بعامة، للفرار من الصواريخ ولحروب هي غبّ الطلب ولخطابات الطلاسم والانتصارات الإلهية على الرغم من وقع الهزيمة.

إن الدولة المعلقة في حضرة المليشيات تاريخياً في هذا البلد قد صير إلى تعليقها أكثر وأكثر في العام 2025، وذلك عبر خطابات الاستخفاف بهذه الدولة وناسها من قبل من تبّقى من سادة الصواريخ والأنفاق الممتدة من تحت الأرض إلى سراديب السماء السابعة.


إن العام 2025 هو في متنه الأعم والأكثر جلاءً أقرب إلى جرجرة البلد وخطاب القسم والبيان الوزاري وجلسات مجلس الوزراء وصيحات المجلس النيابي، جرجرة كل هؤلاء إلى الكلام عن حرب يرى البعض في لبنان أن عدم تبني خطابها هو خيانة وليس على كل اللبنانيين إلا الانضواء تحت شرطها الإلهي الشعشعاني المقدس... وروحو بلطو البحر...ولتطبق السماء على الأرض!

إن لبنان ال 2025 هو اللبنان الذي يجرجر أذيال الخيبة، ذلك اللبنان الذي، وقد ارتقى إلى مستوى الحلم عطفاً على خطاب القسم، تراه مع نهاية العام ما زال لبنان المحور، لبنان طاولة المفاوضات الأميركية الإيرانية، لبنان لعبة الأمم فوق الطاولة وبشكل خاص تحتها.   


إن العام 2025 تراه بالفعل قد رسّخ حقيقة مفادها أن هذا البلد المسكين لن يخرج من كونه إلى أبد الآبدين المادة الخام التي يرتّبها "الصوارخجيي" حسب مآرب تلك الدولة التي ترعاهم وليست الدولة اللبنانية بكل هيئاتها ومؤسساتها وأشخاصها وقوانينها والتزاماتها وصولاً إلى دستورها سوى عناصر طارئة على تلك المآرب المتحررة من كل التزام اتجاه لبنان والغالبية الساحقة من أهله.

فأن تطفح السنة، كل أيام السنة، بتمتمات الحكي عن الحرب وبصخب هذا الحكي أيضاً وبتلك المسافة بين الصخب والتمتمة، فإن الأيام عندئذ – وعلى الرغم من وفرة الموائد وسعة امتداداتها – لا تتجاوز أن تكون سوى تمرينات على ترويض الحياة بما يتناسب مع تلك الحرب المُنتظرة، مع ذلك الموت المؤجّل.

إن التلصص بعيون الهزيمة على الانتصارات المشتهاة من قبل جماعة الصواريخ يسوق كل ناس البلد شاءوا ذلك أم أبوا إلى التحديق بشكل يومي في وجه الحرب المقبلة، في ملامح تلك الحرب المُنتظرة، في جسد الدمار المترامي الأطراف والقسمات. إن خبث أغراض الحرب يبعثر الأيام ويسوق ناس هذه الأيام إلى الاستقرار بين يدي الترقّب الدائم والخوف المتمادي واليقظة الثقيلة الظل واللامبالاة الكاذبة وصولاً للاستقرار بين براثن الفاجعة وهو ما رسّخته بعمق سنة 2025 حيث مع أيامها الأخيرة يتساقط حلم بناء الدولة على الرغم من وفرة الوافدين إلى البلد والذين أتمنى لهم إقامة سعيدة وآمنة.

حسب الناقد الأدبي هارولد بلوم، إن الثرثرة حين تهرم تتحوّل إلى خرافة، أما الخرافة حين تهرم فتراها تتحوّل إلى يقين صادم. فإذا كانت خرافة انتصارات "صوارخجية" البلد قد رسمتْ في أذهانهم يقين الانتصار الآتي، فإن العام 2025 وعبر سلوك أهل السلطة إزاء جماعة الصواريخ أولئك، قد رسم في أذهان قسم كبير من اللبنانيين أن بناء الدولة فوق هذه البقعة التي تدعى لبنان لم يتجاوز حتى الآن عن أن يكون مجرد ثرثرة... 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث