نسب المسيح: المخلّص المولود من رحم الرذائل

أسعد قطّانالخميس 2025/12/25
Image-1766593655
لا تقل حكاية راحاب غرابةً عن حكاية ثامار
حجم الخط
مشاركة عبر

 

حين قرّر متّى، صاحب الإنجيل الأوّل من الأناجيل الأربعة المحفوظة في كتاب «العهد الجديد»، أن يستهلّ حكايته عن يسوع المسيح بقائمة النسب، كان يعرف أنّه يرتكب مخالفةً يندى لها جبين يهود ذلك الزمن. وتصبح المخالفة أكثر فداحةً إذا افترضنا، كما يفعل معظم الشرّاح، أنّ متّى نفسه كان يهوديّاً، ويلمّ بقواعد كتابة الأنساب. فبخلاف المتعارف عليه أنّ قوائم النسب تنحصر في أسماء الرجال، زجّ متّى بأربع نساء في نسب يسوع. نساء أقلّ ما يقال فيهنّ أنّهنّ «من خارج الصندوق».

 

«ويهوذا ولد فارص وزارح من ثامار». ثامار امرأة كنعانيّة صارت تباعاً زوجةً لولدين من أولاد يهوذا، لكنّهما ماتا بلا ذرّيّة. خاف يهوذا من لعنة الموت التي حسبها ملتصقةً بثامار، فرفض تزويجها ابنه الثالث. فما كان منها إلّا أن تنكّرت وتزيّنت منتظرةً مرور يهوذا بأحد الدروب. ظنّها زانية، فدخل عليها، مقدّماً لها خاتمه وعصاه رهناً ريثما يرسل لها جدياً من غنمه ثمن الليلة التي قضاها معها. وحين حبلت ثامار، افتضح أمر يهوذا بفعل ما كانت تمتلكه من متاعه. فأدرك أنّه ارتكب خطأً جسيماً حين أبى أن يزوّجها ابنه الثالث. فقرّر أن يتزوّجها هو، وصار ابنه فارص أحد أجداد المسيح..

 

«وسلمون ولد بوعز من راحاب». لا تقلّ حكاية راحاب غرابةً عن حكاية ثامار. فهي زانية كنعانيّة من أريحا أضافت جاسوسين من بني إسرائيل أرسلهما يشوع بن نون بهدف التجسّس على المدينة. وتقول الحكاية إنّ راحاب هذه تمكّنت، بفضل إيوائها الجاسوسين، من النجاة وتخليص أهل بيتها حين استولى يشوع على أريحا، حتّى إنّها تزوّجت رجلاً من بني إسرائيل اسمه سلمون وولدت له بوعز، الذي صار بدوره جدّاً لكلٍّ من داود والمسيح.

 

«وبوعز ولد عوبيد من راعوث». راعوث أجنبيّة أيضاً، وتنتسب إلى الموآبيّين. والأرجح أنّ مملكة موآب كانت تقع ضمن ما يعرف اليوم بدولة الأردنّ. يروي الكتاب المقدّس أنّ راعوث، بعد موت زوجها العبرانيّ في أرض موآب، التصقت بحماتها نعمي، وأبت أن تفارقها، مطلقةً قولها الشهير: «حيثما ذهبتِ أذهب، وحيثما بتِّ أبيت، شعبك شعبي، وإلهك إلهي». وحين عادت نعمي إلى بلدتها بيت لحم، رافقتها راعوث. هناك، عملت بنصيحة حماتها متقرّبةً من رجل اسمه بوعز في حكاية تحمل الكثير من الإيحاءات الجنسيّة، حتّى انتهى بها المطاف أنّ بوعز تزوّجها وولد منها عوبيد، أحد أجداد المسيح.

 

«وداود الملك ولد سليمان من التي لأوريّا». حكاية الملك داود مع بتشبع، زوجة أوريّا الحثّيّ، حكاية الشهوة والسلطة في آن واحد. بحسب الكتاب المقدّس، أُغرم داود بالمرأة حين رآها تستحمّ. فأخذها ودبّر مقتل زوجها، حتّى إنّ الله أنزل به عقاباً صارخاً. غير أنّ بتشبع أضحت، في آخر المطاف، زوجةً شرعيّةً لداود، واجتهدت في أن يبلغ ابنها سليمان سدّة السلطة خلفاً لأبيه. من اللافت أنّ متّى الإنجيليّ يمعن في تصعيد هذا الموقف الملتبس عبر تجنّبه ذكر اسم بتشبع مكتفياً بالإشارة إليها بوصفها «التي لأوريّا»، وكأنّه يشدّد على فعلة الزنى التي ارتكبها داود معها.

 

 في نسب المسيح، بحسب الإنجيليّ متّى، أربع نساء أجنبيّات لا ينتسبن إلى بني إسرائيل. ما يرمي إليه الكاتب، إذاً، أنّ الخلاص المتحقّق بالمسيح لا يختصّ ببني إسرائيل دون سواهم، حتّى إنّه لا يتسنّى من دون حضور الغرباء في الحكاية منذ أقدم الأزمنة. هكذا يفصح متّى عن انفتاح هذه الحكاية على الشعوب جميعها لا على نحو سطحيّ، بل عبر انخراط هؤلاء في نسب المسيح ذاته. يضاف إلى ذلك أنّ كلّ واحدة من تيك النساء الغريبات تحمل في جعبتها حكايةً هي أبعد ما يكون عن «الأخلاق»: زانيات، أو غانيات، أو ساعيات إلى النسل والسلطة بطرق ملتوية. الكتاب المقدّس كتاب إنسانيّ لا يستحي من رغبات البشر ونزواتهم، بكلّ ما تشتمل عليه هذه من غرابة وجموح وجنون. في حمأة هذا كلّه، يولد المسيح من مريم، مخلّصاً يتماهى بأقدار الناس على قدر ما تنطوي حكاية أجداده بالجسد على سقطات البشر ورذائلهم الصغيرة والكبيرة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث