صدر مؤخراً، عن "منشورات المتوسط – إيطاليا"، الديوان الجديد للشاعرة الفلسطينية داليا طه، وجاء بعنوان "والآن، تعالَ أيُّها العالَم"، وجاء معه صوتٌ شعريٌّ حادٌّ وحميمٌ في آن، يكتب العالم من حوافه: من الصمت، ومن ظلال الأشجار، ومن دفاتر الهامش، ومن الحروب بما تُخلّفه من خسارات مرئية وأخرى لا تُرى. الديوان مكتوب بروح تأملية نابضة، تُخاطب الأشياء والكائنات كأنها شخصيات حيّة. الشمس، والكتاب، والقصيدة، والأعماق، والريح، والبيوت المهدّمة، في سلسلة من "نداءات" تُعيد ترتيب علاقتنا باللغة والواقع.
هنا يَشتغل الشعر بوصفه وسيلةً للإنصات: للصمت بصفته لغةً كبرى للبشر، للكتابة بوصفها فعل نجاةٍ جماعي، وللأغنيات التي تبقى بعد أن تخمد الثورات كوثيقةٍ حقيقية لخبرة الحرية. تتجاور فيه مشاهد الحياة اليومية مع مشاهد الحصار والحواجز والطرقات الالتفافية، فنرى كيف يمرّ المعنى عبر الأجساد، والبيوت، والدفاتر القديمة؛ وكيف يصبح الهامش مكاناً للمعرفة، وتغدو القصيدة أداةً لالتقاط ما يفلت من السرديات الكبرى.
تَستدعي الشاعرة كائنات الطبيعة وأشيائها - التين، الأعشاب، ظلال الأشجار، والرياح - وتضعها في قلب أسئلتها عن العدالة والذاكرة والفقد. وبين النداءات المتتابعة ("والآن، تعالَ/تَعالي…") تتشكّل بنيةٌ إنشادية تُحرّك القراءة كتجربة حسّية: ضوءٌ يتكسّر على الوجوه، وماءٌ باردٌ في الأعماق، وغبارٌ يتصاعد من التلال. إنّه ديوانٌ عن هشاشتنا الجماعية وعن قدرتنا، رغم كل شيء، على إعادة تسمية العالم.
من الكتاب:
القصيدةُ الأخيرةُ التي قرأتِها على هاتِفِكِ المَحمولِ
-وضَوْؤُهُ يُنيرُ وجهَكِ-
في الباصِ القادمِ من القُدسِ
واقفةً، تستَنِدينَ على البابِ
حقيبتُكِ بينَ قَدَمَيْكِ،
وهاتِفُكِ في يَدِك
القصيدةُ التي تُفكّرينَ بِها الآنَ
وأنتِ تقطَعينَ دُوّارَ المَنارة
يداكِ في جَيبَتَيكِ
ولَفحتُكِ تُغطّي نِصفَ وَجهِكِ
القصيدةُ التي قرأتِها أولَ شَيءٍ في الصباحِ قبلَ أن تستَيقِظي تماماً
قبلَ أن يُهاجِمَكِ العالَم
عن الشاعرة:
داليا طه، شاعرة وكاتبة مسرح فلسطينية وُلدت في برلين عام 1986، ودرست الهندسة المعمارية في جامعة بيرزيت قبل أن تتفرّغ للكتابة. منذ إصدارها الأول «عرّافو السواد» (2007) ثم «شرفة ولا أحد» (2009)، ظهرت كصوت مختلف في المشهد الشعري الفلسطيني، يوازن بين هشاشة التجربة الفردية ووقع الأسئلة الجماعية. لم تكتف بالشعر، بل اتجهت إلى المسرح بجرأة، فكتبت نصوصاً عرضت على مسارح كبرى مثل المسرح الملكي البريطاني والفلمنكي، حيث برزت قدرتها على تحويل اللغة إلى فعل مسرحي حي. في دواوينها الأحدث، تكتب داليا طه الشعر بغيابه كما بحضوره، كأنها تستعيد تفاصيل العادي واليومي لتكشف هشاشة العالم وصلابته في آن.
تملك داليا حساسية خاصة تقوم على التقاط ما يفلت عادة من العين، وتحويله إلى صورة نابضة، تجعل منها واحدة من أهم الأصوات الفلسطينية الجديدة.
