"مانيفيستو القراءة": في مديح الكتب

محمد حجيريالأربعاء 2025/12/24
GettyImages-104324104.jpg
القراءةُ تعني أن تصل إلى مكان جديد
حجم الخط
مشاركة عبر

كتاب "مانيفيستو القراءة" للإسبانية إيريني باييخو (دار تكوين، ترجمة مارك جمال) هو بيان للقراء يصف حالتهم، إذ من خلال الكتب يسكنون أجساد الآخرين، ويلامسون بشرتهم، ومبادئهم ومن خلال القراءة يمدون "جسوراً معلقة من الكلمات". والكتاب دعوة لإعادة اكتشاف متعة القراءة وفضائلها في زمن تدفق الفيديوهات والمشتتات الرقمية والصور وما يسميه السوسيولوجي البولندي زيغمونت باومان "سوائل الحداثة".


تختار المؤلفة في مفتتح كتابها أو بيانها اقتباساً للروائية مارغريت يوسنار، يقول "أودّ أن أقرأ بمعجزة بسيطة، لا ينتبه المرء إليها حتى تقع. إنها اكتشاف القراءة. يوم لا تعود حروفُ الأبجدية الثمانية والعشرون مُجرّد خطوط عصية على الفهم تتراص فوق خلفية بيضاء". ثم تختار اقتباساً آخر من كتاب "مديح الهشاشة" لغوستابو مارتين غارتو يقول: "القراءةُ تعني أن تصل إلى مكان جديد على غير المتوقّع، مكان لم ندر بإمكانية وجوده، كالجزيرة الضائعة". في كلا الاقتباسين، الأول القراءة اكتشاف بحد ذاته، والثاني الوصول إلى مكان جديد غير متوقع. فالقراءة بزعم الكاتبة "تأخذنا إلى أمكنه وأزمنة لم نتخيلها يومًا". هي "النجاة في هذا العالم"، و"تهذبنا وتعلّمنا فنّ الكلام". لأننا "كائنات هشة"، تكمن "قوتنا الأصلية في الابداع".

Image-1766558939

يسرد الكتاب مسار القراءة التي كانت امتيازاً اختص به الكهنة والارستقراطيون والنبلاء دون غيرهم، وسرعان ما نزلت إلى الاغوار حيث لا يحظر الدخول على أحد. تحكي الكاتبة بشاعرية رقيقة عن المرأة التي "استطاعت أن تقيم حول نفسها سورا من هواء، يصد عنها الأذى، سورا خفياًـ أحجاره الكلمات"، و"كانت أساطيرها عند الجميع ملاذا آمنا يحميهم من الخطر المحدق". وفي شخص تلك المرأة، يسهل على المرء أن يميز "شهرزاد المقنعة" أم الحكايات، "بطلة الأسطورة التي ترجع إلى الموروث الفرنسي، حيث كانت امرأة في مقتبل العمر تتعلم فن السرد والانصات إلى همس الريح وسط الأشجار، تستطيع بسحر صوتها، أن "تسكت العصا التي تنهال عليها يوماً بعد يوم، أو هي أوديسيوس، المحارب، البطل الهوميري، الذي لقي الكثير من الصعاب، ولجأ إلى الحكايات الذكية للنجاة بحياته، فضلا عن أشعار أورفيوس وأناشيده السحرية التي أبهرت الحيوانات وانتصرت على الموت". عدا الأسطورة، نحن الكائنات الوحيدة، التي "تفسر العالم بالحكايات وترغب فيها، وتحنّ إليها وتلوذ بها طلباً للشفاء، وبفضل المخيلة، "استطعنا أن نبتكر اسطورة ايكاروس والطائرات، النوتيلوس والغوّاصات، رحلات لوقيانوس إلى الفضاء".


وتستنج المؤلفة بأننا نروي ونكتب ونقرأ لأننا قد صنعنا تلك "الأداة المذهلة: اللغة البشرية". عبر الكلمات، يمكننا أن نتقاسم "العوالم الداخلية والأفكار الخيالية". ليس من الضرورة أن تجعلنا القراءة "أشخاصاً أفضل"، لكنها تعلمنا النظر بـ"عين العقل إلى ضخامة العالم والتنوع الهائل في المواقف والكائنات التي تسكنه". بالقراءة، "تغدو أفكارنا أكثر خفة، ومخيلتنا أشد سطوعاً".

تكتب الكاتبة أبلغ الحجج في مديح الكتب وحبّ القراءة التي تعلمنا أن نتكلّم، و"تهذبنا في فنّ الحوار" ذلك لأن الكتب "ملاذٌ للذاكرة، ومرآةٌ ننظر فيها إلى صورتنا حتى نغدو أقرب شبهًا بمَن نريد أن نكون. الكتب قواربٌ نجاة على متنها كنزُ الكلمات. وأكوانٌ هشَّة تكمن فيها قوتنا". 
الكتب قوارب نجاة، طبعاً، لكن ماذا لو انغمست القراءة الأيديولوجيا والتدين و"الكتاب الأخضر" و"الأحمر" و"كفاحي"؟ وماذا لو كان التكفير بديلاً عن التفكير؟ هنا تكون لعنة القراءة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث