"خمسون سنة على حرب لبنان 1975: الآثار والمتغيرات"

خالد زيادةالأربعاء 2025/12/24
d8b4d988d8a7d8b1d8b9-d985d8aad981d8b1d8b9d8a9-d985d986-d8b3d8a7d8add8a9-d8a7d984d8b4d987d8afd8a7d8a1-d983d985d8a7-d8a8d8afd8aa-d8a8d8b9.jpg
دمار الحرب اللبنانية
حجم الخط
مشاركة عبر

هنا مقدمة الباحث والمؤرخ خالد زيادة لكتاب "خمسون سنة على حرب لبنان 1975/ الآثار والمتغيرات" الذي يصدر قريباً عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات"، وشارك فيه، الى جانب بطرس لبكي، حلا نوفل، ديمة دو كليرك، زهير هواري، صقر أبو فخر، عدنان الأمين، علي فاعور، فارس اشتي، محمد أبي سمرا، منذر جابر ونجيب عيسى.


أدّت الحرب اللبنانية التي امتدت بين عامَي 1975 و1990، إلى تغيرات عميقة في المجتمع اللبناني، وطاولت دوره واقتصاده وسكانه. ولم يشهد لبنان حربًا بين فريقين فحسب، بل شهد أيضًا حروبًا عدّة، لم تقتصر على حروب الآخرين على أرضه، بل تعدّتها إلى حروب بين الطوائف أيضًا. وما شهده جنوب لبنان من اعتداءات إسرائيلية وتهجير لسكانه، هو غير ما شهده الجبل من حروب طائفية تعيدنا إلى أواسط القرن التاسع عشر، وما شهده الشمال من حرب سورية-فلسطينية مباشرة أو بالوكالة. وتُضاف إلى ذلك الحروب داخل الطائفة الواحدة التي عادة ما نهمل أصولها ونتائجها.
درجنا على أن نؤرخ للحرب اللبنانية بين تاريخين، البداية في 13 نيسان/أبريل 1975 والنهاية بإعلان اتفاق الطائف في عام 1989. والحقيقة التي يعرفها الجميع هي أن الحرب قد بدأت قبل 13 نيسان/أبريل بسنوات عدّة، وأنّها لم تنته مع إعلان اتفاق الطائف، لا لأن الاتفاق لم يطبق، فحسب، بل لأن العقود اللاحقة كانت تشهد أيضًا تثبيت القوى التي أفرزتها الحرب لنفوذها في الدولة والمجتمع والاقتصاد، عدا عن حروب إسرائيل على لبنان.


إن خمسين سنة مدة طويلة حدثت خلالها تطورات هائلة، لا في الداخل اللبناني فحسب، بل في العالم العربي أيضًا؛ فقد عقدت مصر في كامب ديفيد اتفاق سلام مع إسرائيل، وفعل الفلسطينيون أمرًا مشابهًا في أوسلو، كما أن الأردن وقّع اتفاقية مماثلة في وادي عربة.
كل ذلك غيّر من طبيعة الصراع العربي-الإسرائيلي، وجعل الجبهة اللبنانية-الإسرائيلية الجبهة المفتوحة وحدها؛ ثم إن العالم العربي لم يكن ساكنًا أو راكدًا، وما شهدته بلدان الخليج من نمو على الصعيد الاقتصادي المتعدد الأوجه أخذ من لبنان دوره الذي كان له في خمسينيات القرن العشرين وستينياته.
وخلال نصف القرن الذي مضى تغيّر العالم، وأبرز علامة على ذلك هو تفكك المنظومة الاشتراكية وانهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991، مع ما عنى ذلك من نهاية الحرب الباردة وطي صفحة عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وصعود الصين والهند قوتين على مسرح السياسة الدولية. ولعل أبرز ما حدث من تطورات هو الذي شهدناه وما زلنا نشهده من ثورات في عالم الاتصالات والتكنولوجيا غيّرت المجتمعات كما غيّرت الحروب.
لكن التغيير لا يأتي في يوم محدد، أو على وقع حادثة فرضت تداعياتها؛ فكما تواصلت الحرب اللبنانية ولو بأشكال أخرى، بعد الإعلان الرسمي لانتهائها، فإن التغيرات التي حدثت في لبنان يمكن أن نتلمس تكوّنَ عناصرها الرئيسة في العقد ونصف العقد السابقين ليوم 13 نيسان/أبريل 1975.

Image-1766537649



تشكل المرحلة الشهابية التي تشمل عهدَي الرئيسين فؤاد شهاب (1958-1964) وشارل حلو (1964-1970) حقبة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث؛ فقد جاءت إثر اضطرابات في صيف 1958 في نهاية عهد الرئيس كميل شمعون. كما عرفت السنوات الأخيرة من عهد الرئيس شارل حلو حرب حزيران/يونيو 1967، ودخول حركة المقاومة الفلسطينية التي وقّعت مع الدولة اللبنانية اتفاقية القاهرة في عام 1969. وقد انطوت المرحلة الشهابية بانتخاب الرئيس سليمان فرنجية في خريف عام 1970 مدعومًا من الحلف الثلاثي (الجميّل-شمعون-إده) بفوزه على مرشح النهج الشهابي حاكم مصرف لبنان آنذاك الياس سركيس.
تتموضع المرحلة الشهابية بين أحداث شهدتها المنطقة العربية، من إعلان الوحدة السورية-المصرية في شباط/فبراير 1958، وهزيمة عسكرية مدوية (حزيران/يونيو 1967) طاولت مصر وسورية والأردن وفلسطين ولا تزال تداعياتها تتفاعل حتى يومنا هذا.


لثورة 1958 على الرئيس كميل شمعون أسبابها الداخلية التي يمكن اختصارها بشعور المسلمين بالغبن جرّاء هيمنة مارونية على مؤسسات الدولة وقراراتها. لكن الثورة رفعت شعارات تتجاوز الأوضاع الداخلية، أبرزها الاعتراض على إلحاق لبنان بحلف بغداد أو على "انحيازه" إلى ذلك الحلف الذي كان يضم العراق وتركيا وإيران وباكستان، إضافة إلى المملكة المتحدة (بريطانيا)، وبرعاية من الولايات المتحدة الأميركية. ولا شك في أن ثورة 1958 كانت مدعومة من الجمهورية العربية المتحدة الوليدة، خصوصًا من إقليمها الشمالي السوري. والتسوية التي جاءت بقائد الجيش اللواء فؤاد شهاب، حصلت إثر الانقلاب العسكري في العراق في تموز/يوليو 1958، الذي أطاح الملكية العراقية وأدّى إلى انفراط حلف بغداد.
وإذا كنا نأخذ هذه الوقائع السياسية في الاعتبار، لكي نقدّر الظروف المحيطة بلبنان، والتي كان لها الأثر المباشر في التسوية الأميركية-المصرية، فإن لبنان كان قد شهد في خمسينيات القرن العشرين، أي في العقد السابق للمرحلة الشهابية، ازدهارًا ملحوظًا يمكن إرجاعه إلى ظروف المنطقة العربية؛ فبعد إعلان دولة إسرائيل في عام 1948 تحول جزء من التجارة الدولية إلى مرفأ بيروت، واستفاد لبنان من تدفق المال الخليجي بعد الفورة النفطية.


إن أولويات الرئيس فؤاد شهاب كانت متجهة إلى المسائل الداخلية، خصوصًا بعدما حظي بضمانات من الرئيس المصري جمال عبد الناصر إثر لقائهما في 9 شباط/فبراير 1959، أي بعد أقل من خمسة أشهر على تسلمه منصبه في 23 أيلول/سبتمبر 1958.
كانت الجهود التي بذلها الرئيس شهاب في بداية عهده تشير إلى الاستفادة من دروس ثورة 1958، والسعي إلى اتخاذ الخطوات التي تؤدي إلى إزالة التفاوت بين المناطق اللبنانية، نظرًا إلى نمو بيروت وجبل لبنان، وافتقار مناطق الجنوب والشمال والبقاع إلى أبسط الخدمات، من شبكات المياه إلى الطرق والمدارس والكهرباء. ولم يكن الرئيس شهاب يصرّح أو يروّج لأيديولوجيا وطنية محددة بقدر ما كان يروّج للولاء للدولة، وقد توسل في سبيل ذلك بالتربية من طريق تعزيز الجامعة اللبنانية وافتتاح كلياتها الرئيسة، خصوصًا الحقوق والآداب والعلوم، التي أمنت لأبناء الفئات المتوسطة والدنيا الالتحاق بالتعليم العالي، الأمر الذي سيؤدي في غضون سنوات قليلة إلى تنويع النُخب الإدارية والسياسية طائفيًّا. يُضاف إلى ذلك الاهتمام بالتنشئة الوطنية عبر استحداث كشافة التربية الوطنية ومؤسسة الإنعاش الاجتماعي. ويبقى الإنجاز الكبير تحديث الدولة عبر الإدارة والرقابة، وإنشاء مؤسسات إنمائية ومدنية، إضافة إلى مصرف لبنان ومجلس الخدمة المدنية، وعشرات المؤسسات التي عززت تحديث الدولة واستقلالها عن وصاية الزعماء السياسيين.


لم يكن الرئيس شهاب بعيدًا عن الحسابات السياسية، وهو الذي اعتُبر انتخابه انتقاصًا من نفوذ الموارنة. وبعد الثورة المضادة التي قام بها الشارع المسيحي، والتي برز خلالها زعيم حزب الكتائب بيار الجميِّل، آثر الرئيس شهاب أن يتعامل مع زعماء الثورة والثورة المضادة على حدٍ سواء. وبعد انتخابات عام 1960، التي أفرزت مجلسًا نيابيًّا مواليًا، قرّب شهاب ثلاثة شخصيات سياسية: رشيد كرامي، الزعيم السنّي الذي يمثّل الحساسية العروبية، وكمال جنبلاط، الزعيم الدرزي الذي سيتحول إلى زعيم التحالف اليساري المطلبي، وبيار الجميّل، زعيم حزب الكتائب الذي سيصبح الوجه الماروني البارز على حساب الزعامة الشمعونية بشكل خاص.
هذه الخيارات لم تكن عشوائية؛ فرشيد كرامي الذي ترأس في عهد الرئيس شهاب حكومة هي أقرب ما تكون إلى حكومة تكنوقراط، وقد شغلت المدّة الأطول في تاريخ الحكومات اللبنانية، كان الرئيس شهاب يراعي من خلاله الحساسية السنيّة العروبية، الصاعدة بزعامة جمال عبد الناصر. أما كمال جنبلاط، الزعيم الدرزي ومؤسس الحزب التقدمي الاشتراكي، فسيصبح ممثلًا للحساسية المطلبية اليسارية، خصوصًا بعد تأسيس ما يشبه تحالف أحزاب ضم الحزب التقدمي الاشتراكي والحزب الشيوعي وحركة القوميين العرب، ما جعل المطالب النقابية والمعيشية تتقدم على الشعارات القومية والأيديولوجية؛ هذا التجمّع الذي أصبح بعد هزيمة 1967 الحركة الوطنية المتحالفة مع الفصائل الفلسطينية. أما بيار الجميّل، فسيصبح الوجه البارز في المارونية السياسية الصاعدة على حساب الشمعونية الآفلة، ونخبوية الكتلة الوطنية بزعامة ريمون إده.


إن التطورات الاجتماعية هي التي تميّز سنوات الستينيات، التي شغلها العهدان الشهابيان؛ فمن جهة، اتسعت المساحات المشتركة في الإدارة العامة، وفي انتقال أبناء الأرياف إلى المدن، وإلى العاصمة بيروت بشكل خاص. وشهدت كليات الجامعة اللبنانية نوعًا خاصًّا من اللقاء بين أبناء الطوائف من الطلاب الملتزمين بأحزاب مثل الشيوعي أو القومي السوري أو البعث وحركة القوميين العرب. وكان تأسيس حركة الوعي ذات الغالبية المارونية دليلًا بارزًا على التغيير الذي كان يحدث داخل الطوائف، خصوصًا الطائفة المارونية.
لقد ساهم الرئيس شهاب بإشراك حزب الكتائب في الحكم في رفع مستوى تمثيل هذا الحزب للطائفة المارونية. إلا أن العوامل المتعددة، من انتشار التعليم وارتفاع مستوى المعيشة... سمحت لأبناء الأرياف، خصوصًا داخل الطائفة المارونية، للتعبير عن طموح أبناء الفئات الوسطى ودون الوسطى إلى المشاركة في الاستحواذ على النفوذ السياسي أو الإداري وما إلى هنالك. فضلًا عن ذلك، فإن حزب الكتائب الذي تتوفر فيه شروط التنظيم الحزبي التراتبي، مقارنة بالأحزاب المارونية الأخرى التي كانت تقوم على الولاء للزعيم أو الولاء العائلي، استطاع أن يستوعب تطلعات الفئات المارونية الوسطى وأن يعبّر عنها. كما استطاع أن يكون الطرف الأبرز في الحلف الثلاثي الذي ضمّه إلى جانب حزب الأحرار والكتلة الوطنية (الجميّل-شمعون-إده). وأظهرت الانتخابات النيابية (1968-1972) لوائح مستقلة لكل طرف من الحلف الثلاثي، عكست تنافسًا صامتًا، ومع ذلك فإن الحلف استطاع الصمود، واستطاع مرشحه سليمان فرنجية الفوز بالرئاسة في عام 1970، وبذلك يكون قد طوى المرحلة الشهابية.


شهدت الطائفة الشيعية التحولات الأكثر وضوحًا من خلال التغييرات التي طرأت على بنية الطائفة، التي كان أبناؤها من الفلاحين يعانون حياة فقر في الجنوب وفي البقاع، نتيجة عوامل متعددة أبرزها التفاوت في التنمية، الأمر الذي أدّى إلى هجرة كثيفة باتجاه بيروت. وكانت الطائفة الشيعية تحتل مركزًا هامشيًّا على المستويات الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. وكان عدد ضئيل من العائلات في الجنوب والبقاع يحتكر التمثيل السياسي.
لقد أدّت سياسة الرئيس شهاب الاجتماعية، خصوصًا في مجال التعليم، إلى استفادة المناطق الشيعية بشكل يفوق المناطق الأخرى. "وهكذا زاد عدد تلامذة الابتدائي والثانوي في الجنوب والبقاع من 62 ألف تلميذ في عام 1959، إلى 225 ألف تلميذ في عام 1973، أي أن العدد تضاعف 3.7 مرات خلال خمس عشرة سنة". وبالنسبة إلى التعليم الجامعي، فإن "تطوير الجامعة اللبنانية أدّى إلى توفير فرص التعليم العالي أمام الشبان الشيعة ذوي الظروف المتواضعة... وتكوين مجموعة من المدرسين الذين استقروا في المناطق المحلية، وكان لهم تأثير كبير سياسي واجتماعي وثقافي على حساب رجال الدين التقليديين والأعيان المحليين". وقد عرفت الطائفة هجرات إلى غرب أفريقيا وإلى البلدان العربية. وأصبح عدد الشيعة في بيروت الكبرى في عام 1973 ما مجموعه 317 ألف نسمة.
وسط هذه التحولات التي شهدتها الطائفة الشيعية خلال عقد الستينيات من القرن العشرين، حضر الإمام موسى الصدر، الذي اعتمد خطابًا عبّر من خلاله عن مطالب الطائفة الشيعية، ثم أسّس "حركة المحرومين" التي مثّلت اجتماعيًّا فقراء الفلاحين والبرجوازية الصغيرة الصاعدة والمهاجرين إلى الضواحي. وقد حقق تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الذي صدر قانون إنشائه في عام 1967، وانتُخب رئيسًا له في 22 أيار/مايو 1969. وفي عام 1974، أي قبيل الحرب، كانت خطابات الصدر التي تعبّر عن مطالب الطائفة تعكس الصراع داخلها أيضًا: "يجب ألّا يشعر الشيعي بعد اليوم بأنه مواطن من الدرجة الثانية... يجب ألّا نسمح بعد الآن بأن يصعد الحكام على أكتاف الشيعة في بيروت وأن يصبحوا نوابًا عنهم في البقاع" (18/2/1974).
***


إن الاقتتال الطائفي بين الموارنة والدروز في عام 1840 ثم في عام 1860، لم تكن الطوائف الأخرى من سنّة وشيعة وأرثوذكس طرفًا فيه. وكان دور هذه الطوائف ثانويًّا في متصرفية جبل لبنان. وعند إعلان دولة لبنان الكبير، اعترضت غالبية بين السنّة والشيعة والأرثوذكس على سلخ لبنان عن سوريا، إلا أن هذا الاعتراض لم يكن طائفيًّا في الدرجة الأولى، ولم يؤدِ إلى اقتتال طائفي. والاحتجاج الإسلامي عمومًا كان ضد الانتداب الفرنسي رغم مشاعر الغبن الناتجة من استحواذ الموارنة على النفوذ الأكبر في مؤسسات الدولة وفي قراراتها.

GettyImages-95641787.jpg


ومع إقرار الدستور في عام 1926، انتخب اللبنانيون للبرلمان الوجهاء المحليين الذين كانوا يمثلون مناطقهم وأقضيتهم أكثر مما كانوا يمثلون طوائفهم. ولم تكن الطوائف أجسامًا سياسية، ومن هنا لم يكن هؤلاء الوجهاء، الذين أصبحوا زعماء محليين، ينافسون أندادهم خارج مناطق نفوذهم الضيقة، ولم يكن أبناء المناطق والأقضية ينتخبون هؤلاء النواب بصفتهم ممثلين للطائفة؛ فلم يكن ناخبو أحمد الأسعد في الجنوب يصوّتون له باعتباره قائدًا شيعيًّا، ولا كان فلاحو عكار ينتخبون عبود عبد الرزاق باعتباره زعيمًا سنيًّا. ولم يكن عبد الحميد كرامي في طرابلس ينافس صائب سلام في بيروت. وعلى الرغم من المشاعر الطائفية التي تترجم في مواقف، مثل مطلب الوحدة مع سورية عند المسلمين أو الولاء لدولة لبنان عند المسيحيين، فإن هؤلاء الذين أصبحوا زعماء مناطق وأقضية كان في إمكانهم أن يحلّوا المشاكل السياسية اليومية وفق الأسلوب التقليدي، أي التسويات التي يخرج على إثرها الجميع راضين. وإن فكرة الميثاق الوطني من حيث الشكل هي تسوية ذات طابع تقليدي تقوم على التنازلات المتقابلة وفق اتفاق شفهي.


والواقع أن الرئيس فؤاد شهاب كان قد اعتمد، مع إقرار القانون الانتخابي الذي عرف بقانون الستين، السياسة التقليدية باعتبار القضاء وحدة انتخابية، فكرّس بذلك العائلات التقليدية في مناطقها الضيقة، الأمر الذي أعاق التحالفات الواسعة الخارقة للأقضية، إن على المستوى الطائفي أو على المستوى الحزبي أو المستوى الوطني. من هنا، فإن الحياة السياسية اللبنانية كانت تسير وفق مسارين متناقضين، أحدهما يدور التنافس فيه بين الوجهاء المحليين التقليديين، والآخر تعبّر عنه الأحزاب والتيارات السياسية. وهذا بالضبط ما ميّز الحقبة الشهابية، حيث كان النواب المنتخبون الممثلون مناطقهم وأقضيتهم يديرون شؤون الدولة. أما حركة الشارع التي أصبحت أكثر حضورًا من خلال الإضرابات والتظاهرات، التي ترفع الشعارات الوطنية أو المطلبية، فكانت تديرها أحزاب ونقابات عمالية واتحادات طلابية.

***
 

على الرغم من الطابع الطائفي الذي اتخذته الحرب التي اندلعت في عام 1975، فإنها كانت في بدايتها، وبطريقة ما، امتدادًا للصراع على هوية لبنان، كما كان الأمر عند إعلان دولة لبنان الكبير، بين الذين يرون لبنان متماهيًا مع الداخل العربي، وأولئك الذين يدافعون عن سيادته. ولكن الحرب كانت أيضًا من أجل تثبيت التغيرات التي عرفتها الطائفة الشيعية والطائفة المارونية في عقد الستينيات الشهابي. وإذا كانت حرب السنتين قد كرّست كمال جنبلاط زعيمًا للحركة الوطنية التي هي خليط من قوى إسلامية وأحزاب يسارية متحالفة مع المقاومة الفلسطينية، فإن الإمام موسى الصدر أصبح، بعد تأسيس "حركة المحرومين" في عام 1974، القائد غير المنازع للطائفة الشيعية التي حاز تأييد غالبيتها الساحقة وتعاطفها. أما بشير الجميّل، قائد القوات اللبنانية، فقد كرّسته الحرب زعيمًا مارونيًّا.

GettyImages-543888104.jpg
كلود صالحاني(ارشيف)


وإذا كانت قمة الرياض في 16 تشرين الأول/أكتوبر 1976 قد شكّلت قوات الردع العربية لمراقبة وقف إطلاق النار، فإنها كرّست الوجود العسكري السوري الذي كان يسعى إلى فرض هيمنته على القرار اللبناني، واستتباعه الطوائف. من هنا، كانت إزاحة كمال جنبلاط باغتياله لفك ارتباط الطائفة الدرزية عن الحركة الوطنية والإمساك بقرارها. وقد أدّى تغييب الإمام موسى الصدر في 31 آب/أغسطس 1978 إلى استتباع قرار الطائفة الشيعية. وكان ينبغي انتظار انتخاب بشير الجميل رئيسًا للجمهورية وتفجير مكان وجوده في 14 أيلول/سبتمبر 1982، لكي يمسك النظام السوري بالطوائف من خلال ميليشياتها. والواقع أنه نجح، ولو فترة وجيزة، في رعاية اتفاق ثلاثي ضمّ قادة الميليشيات الشيعية والدرزية والمارونية، وذلك في 28 كانون الأول/ديسمبر 1985، الأمر الذي أدّى إلى اقتتال داخل القوات اللبنانية، كان امتدادًا للسيطرة ليس على قيادة القوات فحسب، بل على قرار الطائفة المارونية أيضًا.
إن الصراع داخل كل طائفة كان الوجه الآخر للحرب اللبنانية، بل يمكننا أن نعيد قراءة أحداث الحرب من خلال ما كان يحدث في كل طائفة. وفي جميع الأحوال، فإن الجهة المسلحة والمقاتلة التي تدّعي الدفاع عن شعارات ظهّرها الصراع وعن مصالح الطائفة كانت كفيلة بإحداث تغيير عميق داخل كل طائفة. وقد بدأته القوات اللبنانية تحت شعار "توحيد البندقية المسيحية"، الذي استُتبع بحرب الإلغاء في عام 1990. أما الطائفة الشيعية، فقد عرفت اقتتال الإخوة بين حركة أمل وحزب الله امتّد ثلاث سنوات، 1988-1990، قبل أن يُعقد اتفاق بين الطرفين برعاية سورية-إيرانية.


بمعنى آخر، إن الصراعات التي يمكن أن نرصدها داخل الطائفتين المارونية والشيعية في ستينيات القرن الماضي قد أصبحت أكثر صراحة، خصوصًا خلال سنوات الحرب المديدة، الأمر الذي أدى إلى تغيير بنية كل طائفة من الطائفتين المذكورتين وإزاحة العائلات التقليدية، وقد حلّت مكانها قيادات حزبية برزت أدوارها خلال سنوات الحرب.
على هذا النحو، يمكننا أن نضيف عاملًا أساسيًّا من العوامل المؤسسة للحرب، يتمثل في المخاضات العنيفة داخل الطائفة (المارونية والشيعية خصوصًا) التي وجدت في الحرب سبيلًا إلى الاستحواذ على قيادة الطائفة عبر التغيير الذي أصاب البنية الاجتماعية والبنية السياسية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث