"غابة" لسمير يوسف: يوم الحساب في الريف الفرنسي

طارق أبي سمراالثلاثاء 2025/12/23
Image-1766471768
بطلُ "غابة" كارهٌ للحداثة والتكنولوجيا ومولعٌ بالطبيعة والجمال.
حجم الخط
مشاركة عبر

لطالما استغربتُ كيف أنّ الروائيين العرب الذين غادروا بلدانهم واستقرّوا في الغرب ظلّوا يكتبون كما لو أنّهم لم يغادروها قطّ. فمعظم رواياتهم كان يمكن أن يؤلِّفها كاتب لم يبرح وطنه يوماً، إذ لا تنفكّ هذه الروايات تدور حول كبرى قضايا العالم العربي: الحروب، الدكتاتوريّة، القمع، تمزّق الهوية بفعل الحداثة... أمّا إذا أرادوا الابتعاد عن هذه القضايا، فيتناولون موضوع الهجرة والغُربة والمنفى، وبذلك تبقى صلتهم ببلدانهم صلةً رحميّة لا فكاك منها.

 

إلّا أنّ الكاتب اللبناني المقيم في فرنسا سمير يوسف يسلك طريقاً معاكساً تماماً في روايته الثانية "غابة" (نوفل/ هاشيت أنطوان، 2025). فشخصيات هذه الرواية جميعها فرنسيّة، فيما موضوعها بعيد كلّ البعد عن قضيانا العربيّة المُلِحّة والمُستهلَكة، إذ يتمحور حول الحداثة والتكنولوجيا اللّتان تنهشان الطبيعة وتستعبدان الفرد، فتقضيان شيئاً فشيئاً على ما تبقّى من سحرٍ وجمالٍ في هذا العالم.

بطلُ "غابة" كارهٌ للحداثة والتكنولوجيا ومولعٌ بالطبيعة والجمال. إنّه توماس، رئيس بلديّة قرية فرنسيّة صغيرة، وقد خاض الانتخابات لغاية واحدة: منع إنشاء بلدة تكنولوجيّة، على شاكلة "السيليكون فالي"، في الغابة المحاذية. فإنجاز هذا المشروع سيمحو ملامح القرية الجميلة ويمسخها: مطارٌ ينبثق من العدم، وسكّانٌ يتضاعفون بلا ضابط، وطبيعةٌ تُلتَهم بنهم، وبلدةٌ ريفيّة وادعة تُدفع قسراً، بين ليلة وضحاها، إلى عصر السرعة والرأسماليّة المسعورة.

لكن في المقابل، قد يمنح نجاح المشروع جرعةَ حياةٍ لقرية أنهكتها البطالة وتذوي ببطءٍ، شأن معظم الريف الفرنسي، فيخلق فرص عمل تحدّ من نزيف شبابها نحو المدن. لذا، ينقسم الأهالي بين داعمين للمشروع ومعارضين له، ويحتدم الصراع بينهم، مع الغلبة لداعميه، إذ يؤازرهم، بل ويُحرِّكهم، أصحاب الأموال الطائلة الساعون إلى إنشاء البلدة التكنولوجيّة.

 

بالرغم من أنّ فصل "غابة" الأوّل يُصوِّر لنا ما يصفه توماس، رئيس البلديّة، بـ"يوم الحساب"، أي إقدامه في منتصف الليل على إضرام النار في ورشة المشروع، وأنّ معظم الفصول التالية تُروى كــ"فلاش باك" أو استرجاع للأحداث السابقة، فإنّ حبكة الرواية مشوِّقة، تشدّ القارئ وتثير فضوله لمعرفة ما جرى قبل الحريق وما سيعقبه.

لكن إلى جانب التشويق، تحمل الرواية بعداً تأمليّاً يتجلّى في شخصيّة توماس وصراعه مع أصحاب الأموال الطائلة، المجهولي الأسماء والوجوه. فالصراع هذا يدور بين مَن يتمسّك بجمال الطبيعة وبطء الحياة وخصوصيّة الفرد وتفرّده، وبين مَن يريد إقحام الحداثة والتكنولوجيا في كلّ ركن من أركان الكوكب، محوِّلاً المدن والقرى إلى نماذج متطابقة، وسكّانَها إلى نسخ متكرّرة، وهذا كلّه بهدف مراكمة الأرباح. إنّه ما يرفض توماس القبول به كقدر محتوم. لن يخنع ويستسلم ويرضى بالعيش في عالم تتعاظم فيه البشاعة يوماً بعد يوم، ذاك أنّه مهجوس بالجمال. هو لا يناهض الرأسماليّة بقدر ما يعبد الجمالَ، جمالاً يرى أنّه بات ينتمي إلى الماضي فيندثر كلمّا تقدّم الزمن، ليعمّ القبح محلّه. في علاقته بالجمال شيءٌ دينيّ بل حتّى صوفيّ.

 

إلّا أنّ ما ينقذ "غابة" من أن تكون رواية أحاديّة، حيث الخير والشر واضحان لا لبس فيهما ولا تداخل بينهما، هو أنّ توماس شخصيّة روائيّة فعليّة، أيّ أنّها مفعمة بالتناقضات وتنبض بالحياة، ويمكن تاليّاً النظر إليها من زوايا متعدّدة ومتضاربة، كما لو كانت شخصاً حقيقيّاً. باختصار: قد يكون توماس هو شرّير الحكاية. فمثاليّته المسعورة وهوسه شبه المرضي بالجمال يجعلانه متعنّتاً، واثقاً من أنّ الحقّ والحقيقة في جيبه، عاجزاً عن رؤية الأمور إلّا من منظاره شديد الضيق. لا يرى، مثلاً، أنّ الانقسام العميق الذي شهدته القرية – وما خلّفه من نتائج مأساوية، كمقتل شابّة طعناً بالسكين – إنمّا هو، إلى حدّ كبير، من صنع يديه. يمضي بمعركته إلى خواتيمها مهما تكن النتائج، وهو بذلك قد يكون مَحَق مستقبل قريته، إذ أعدم أيّ فرصة لانتعاشها اقتصاديّاً.

ثمّة شيء منعش في قراءة "غابة"، وهو ما سبقت الإشارة إليه: أنّها رواية عربيّة ولكنّها لا تمتّ بصلة إلى عالمنا العربي الموبوء، ولا إلى قضايانا الأبديّة التي لا نكفّ عن اجترارها ولوكها. كأنّها تقول إنّ الفرد العربي يستطيع الانعتاق من هويّته والتحرّر من عبء وطنه. وكأنّ مؤلِّفها، سمير يوسف، يتساءل: ألّا يحقّ لنا الاهتمام بقضايا كونيّة؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث