كتب عبد القادر الجنابي في سيرته الذاتية المعنونة "تربية عبد القادر الجنابي" الصادرة عن دار الجديد 1995 في ص121 وما بعدها:
عندما صدر العدد الأول من مجلة النقطة كتب أحدهم تعليقاً مبتسراً في جريدة السفير مفاده أن مصير عبد القادر الجنابي سيكون مثل مصير لطف الله راتب، الكاتب المصري الذي انتحر مؤخراً في نيويورك، إذا بقي منعزلاً. إن الصحافي الذي كتب هذا ليس في مقدوره الدخول على كنه اللعبة، ولا تجاوز عقليّة الفتوى.
ذلك أن لطف الله راتب الذي نشرنا في العدد الأول من مجلة النقطة، (15 أيلول/ سبتمبر 1982) تقريراً - لفّقته مع علي بن عاشور - عن انتحاره مع مختارات من كتاباته، شخصيَّةٌ غير موجودة على الإطلاق. شخصية اختُلِقَت لأسباب لعبويَّة، كالتي جعلتنا ننسب إلى رفاعة الطهطاوي على الصفحة الأولى من العدد نفسه، هذه الجملة التي لم يقُلْها قط: "الفرق بين الحضارة الغربية والحضارة العربية نقطة، ويا لها من نقطة". فأخذ بعض النقاد يستشهدون بها على أنها فعلاً للطهطاوي.
أن عدداً من الصحافيين وجدوا في لطف الله راتب، الشخصية المُخْتَلَقة هذه التعبير الأعمق عن تجربة المنفى، "مشعرن الفكر يتأكله الجوع، مسافراً في ليل المعنى الصوفي الصامت"، وإلى آخر العبارات الرنّانة فراغاً والتي لا تُطلَقُ إلا جزافاً على ميت لأنه لم يَعُدْ يُشكّل خطراً، أو على أردأ كاتب على قيد العيش لأسباب وصولية. ليس ثمة كائن اسمه لطف الله راتب كما أن بعض الكتابات التي نسبت إليه، أخذت حرفياً من كتاب غير معروفين ولن يعرفوا، أما البعض الآخر، وهو معظم تلك الكتابات، فقد سحبتها من سلة أوراقي المهملة.
إن القارئ نتيجة بؤسه الحياتي وضآلة ذهنه الخنوع لهالات الثقافة الراحلة، يُفَضِّلُ كلّ ما يَمتُ بصلة إلى ميت. من ثم تفضيل نتاج هذه الشخصية المختلقة على نصوص الذين ساهموا في العدد نفسه. وبسبب هذه النزعة المَوْتَويَّة لدى الناس تفقد تلك النصوص قيمتها فور اكتشاف أنّ صاحبها لا يزال على قيد الحياة. كل نص لا يداعب الشعور بالذنب، يُستهان به .
كم من مخطوطة تنضُجُ فتتعفن في الحُجر الكريهة. ففي هذه الأمكنة بالذات ثمّة أفراد يعيشون في السر، ليس لهم صلة بالوسخ الأدبي، أفراد يكتبون ويُتلفون، في آن، نصوصاً أفضل بكثير من كلّ ما يصدر عن دور النشر العربية مجتمعة.
لعل السبب الحقيقي وراء اهتمامي باختلاق هذه الشخصية، هو أنه في لحظة نفور شديد من المكتوب المعاصر وبعد تنبيش غير مثمر في حقول الماضي فمثلاً، أتاني ذات يوم لقمان سليم بقصيدة، كتبها للضحك، على منوال جبران خليل جبران تحت عنوان: "قطيع الكلاب" :
الويل لقافلة تسير وكلابها تعوي،
الويل لجثة لا يقربها الدود،
الويل لأفعى لا تموت من سمها،
الويل لساحر يثق بما تقدّم يمينه،
الويل للابس الثوب جاهلاً ما يستره،
الويل لقاتل لم يهم بضحيته،
الويل لجسد لم يَشْتَه نفسه،
الويل لعبد لم يُشارك السوط لذته،
الويل لعصفور لم يعرف الشجرة من ظلها،
الويل لنهر لم يذق طعم مائه،
الويل لمدينة لم تغادر شعراءها.
بعد أن تناقشنا في أمر نشرها وجدنا أنّها حَريَّة بأن تُنشر تحت اسم جبران نفسه، وكقصيدة ضائعة لم تضمّها "أعمال جبران الكاملة"، عثرنا عليها منشورة في العدد 15 من مجلة القلم الحديدي التي كان - يصدرها الجناح السوري من جماعة الفكر الحر"، في سان پاولو البرازيل سنة 1914 - ومن حسن الصدف أنا كنا نتابع آنذاك تنقيباتنا في أهم المكتبات بحثاً عما خفي عن العرب من فكر راديكالي، معارض، مختلف عما يُنشر في أيامنا، مثل كتابات هذه المجموعة التي اكتشفنا فيما بعد أنها تيار ماسوني.
وكتابات شبلي شميل وإسماعيل أحمد أدهم ومنصور فهمي الذي قمنا لقمان وأنا، بمحاولة لإخراج النسخة الوحيدة من كتابه الممنوع إلى اليوم المرأة في الإسلام، التي كانت مطمورة في مكتبة جامعة السوربون، لتصويرها في أحد محلات الفوتوكوتي المجاورة للجامعة ومن ثمّ إعادتها إلى المكتبة التي لم تسمح لنا بتصويرها؛ محاولة كان من الممكن أن تفضي بنا إلى السجن.
لا أعرف كم من مؤرّخ أو دارس لأدب جبران، أخذ يُحلل القصيدة المنسوبة هذه. فمجلة المستقبل نشرت خبراً تُهنَّتُنا فيه على هذه اللقية الثمينة، وتدعو فيه المسؤولين عن جمع أعمال جبران إلى ضم هذه الخريدة في الطبعة المقبلة. والشاعر محمد بنيس، عندما التقيته في باريس سنة 1988، أخبرني بأنه كتب ملاحظات تحليلية بصددها في أطروحته لنيل درجة الدكتوراه عن الشعر العربي الحديث، غير أنّي (وهذا خطأ منّي) بادرته قائلاً: ولكن هذه القصيدة لم يكتبها جبران، وإنما لقمان. فصعق وأجابني عابس الوجه" وكيف يمكن لأحد أن يثق بعد بما تنشرونه".
قلت له كان عليك أنت أن تعرف إذا كانت هذه لجبران أو لا. وإلا كيف يمكن لأحد أن يثق بكل مقاربتك النقدية للغة جبران أولاً، وللّغة الشعرية نفسها ثانياً. وأعلمته أنه في 1949 ، صدر عن دار ميركور دو فرانس نص رامبو الذي أشار إليه فيرلين بأنه من أعظم أعمال رامبو "المطاردة الروحيّة". لكن ما إن وقع النص المنسوب لرامبو بين يدي أندريه بروتون، حتى فنّد الأمر كله دون أي تردّد، وبمقالة نشرتها الفيغارو الأدبية، تتبين فيها قدرته على فهم الفرنسية عبر شعرائها فهماً ليس له نظير وبالفعل بعد شهر واحد، وبعد أخذ وردّ، أماط اللذان أدعيا العثور على نص رامبو - وهما طالبان اسمهما أكاكيا فيالا ونيكولا باتاييه - اللثام عن الحقيقة، بأنّ كلّ الأمر خدعة، وأنهما كتباه فقط لكي يُبرهنا لأنفسهما بأنهما قادران على كتابة نص بنفس النبرة الرامبويّة التي من الصعب تقليدها".
فتأمل يا رعاك الله كيف سيكون حالنا بعد تغول الذكاء الصطناعي؟
(*) مدونة نشرها الكاتب العراقي صادق الطائي في فايسبوكه
