يأتي اليوم العالمي للّغة العربيّة هذه السنة من العاصمة القطريّة. حاملاً معه مناسبة إطلاق "معجم الدوحة التاريخي للغة العربيّة". مناسبة تفتح العين على التفكير في أزمة اللغة العربيّة التي تشهدها منذ عقود، إن لناحية ضعف حضورها أو لتراجع نسب استخدامها حتى من قبل الناطقين بها. وأمام هذه المناسبة تتبادر إلى الذهن أسئلة وإشكاليات تلتقي في الصميم مع ما يقدّمه المعجم من طروحات وتساؤلات حول مكانة العربيّة وأصولها وأسئلتها.
تحضر اللغة العربيّة اليوم في سياقات حياتيّة متعدّدة. الكلمات مطروحة في الطرقات على ما يقول السّلف. نجدُها في السياسة والإعلام والتعليم والنقل والحياة العاديّة والمقاهي، لكنّ هذه المعرفة والتعاطي مع اللغة تتمّ من دون وعي بالشروط التي تتشكّل فيها المعاني، ولا بالتحوّلات والسياقات التي أصابتها وأوصلتها إلى ما هي عليه. من هذا الحيّز يمكن النظر إلى أهميّة "معجم الدوحة التاريخي" بوصفه محاولة جادّة ومكثّفة للتدخّل في قراءة المفاهيم التي يعانيها الفكر العربي المعاصر. بتعبير آخر، من المجحف التعاطي مع فكرة المعجم ومخرجاته كإنجاز لغوي بحثي تقني، إذ يتخطى الأمر هذا النطاق ليتعداهُ إلى ما هو أوسع وأشمل، هو محاولة لقراءة التاريخ كمدخل لفهم اللغة.
يمكننا أن نستعين بمثال حيّ لمقاربة الأهميّة. كلمة "رحلة" المعجم لا يسأل فقط ماذا تعني هذه الكلمة. ولكنه يتخطّى ذلك ليقدّم توصيفاً حول متى وكيف وفي أي سياق تاريخي بدأت تعني ما تعنيه. إذاً نحن أمام طرحٍ للمعجم يكفلُ لنا الانتقال من التعريف إلى التاريخ، كلّ ذلك يحصلُ في محاولة لتفكيك فكرة المعنى الثابت للكلمة وربط اللغة مع الزمن. من هنا تغدو أيّ كلمة في "معجم الدوحة التاريخي" حاملةً لسلسلة من الاستعمالات الاجتماعيّة والسياسيّة والمعرفيّة المتراكمة.
استكمال لمشروع بشارة
من ناحية مغايرة، يقدّم المعجم البنية المعرفية التاريخيّة للكلمات العربيّة التي كان الاشتغال المفاهيمي مفتقراً إليها. وهو بهذه الحالة يبتعد عن إنتاج نظرية سياسية، وفي الوقت نفسه يقدّم الشروط اللازمة لفهم اللغة تاريخياً، بعيداً من الأيديولوجيات. وهنا يكمنُ الفرق الذي يستند إليه المراقب بحيث يجد أمامه محاولات سابقة سعت إلى تثبيت المعنى، بينما المعنى التاريخي يسعى لكشف هشاشة الكلمة تاريخياً وتحولها.
هذه المحاولات وغيرها، تقعُ في صلب المشروع الفكري للمفكر العربي د. عزمي بشارة. فالمتأمّل بأعمال بشارة يكتشف أنّه يبتعد عن التعامل مع المفاهيم السياسيّة بوصفها معطيات جاهزة، إنّما يقوم بتحويلها إلى نتاجات تاريخيّة. لو أخذنا أمثلة على مفاهيم الدولة، الشعب، الأمة، الطائفية، الثورة، نجد أنّها ليست عنده مجرّد تعريفات وقوالب أكثر مما هي مسارات تتشكّل. من هذه المنطلق يمكن للباحث فهم الإصرار الدائم لدى د. بشارة على أنّ الخلافات السياسية في العالم العربي هي في أصلها بعيدة عن المصالح وتكاد تكون خلافات مفاهيم.
إعادة صياغة المعطيات
في لحظات الانفجار السياسي تتجلّى أهمية طرح د. بشارة بوضوح، إذ تتحوّل اللغة إلى أداة تعبئة أو تبرير. وينتقل الصّراع من الوقائع إلى الكلمات التي تصفها. إذا أخذنا غزة مثالاً، نجدُها مسرحاً للقتل الجماعي ولكنها في الوقت ذاته ساحة واسعة لصراع دلالي مكثّف ولطرح أسئلة مفصليّة من قبيل: ما الذي يُسمّى حرباً؟ من هو المدني؟ متى يصبح القتل دفاعاً عن النفس؟ هذه الأسئلة ليست لغوية بالمعنى التقني، لكنها لغوية بالمعنى السياسي العميق.
ربطاً بهذا السياق، لا يقدّم المعجم موقفاً سياسياً مباشراً من غزة كمثال، لكنه يسعى بأدوات بحثيّة رصينة لتوفير أداة نقدية لفهم كيف يُصاغ الخطاب الذي يجعل ما يجري قابلاً للتبرير ببساطة وسهولة. بجملة أخرى، كلمة "الاحتلال" أو “الإبادة" حين تُفرَغُ من تاريخيّتها تغدو قابلة للاستبدال، ويغدو بدوره الخطاب المناوئ قادراً على تسوية الجريمة لغوياً تمهيداً لتبريرها سياسياً.
في ظل هذا الكم من العنف الرّمزي والمادي من غزّة إلى جنوب لبنان، ينطلق المعجم في رحلته التي لا يمكنُ فصلها عن المشروع الأوسع لتحديث الفكر العربي من داخل اللّغة، الذي يميّز فكر عزمي بشارة. الفكر الذي يقف على طرف النقيض من المقاربات التي تدعو إلى القطيعة مع العربية أو إلى تقديسها، هكذا تصبحُ اللغة لدى بشارة وعاءً تاريخياً لا يشكّل عائقاً أمام الحداثة.
أسئلة وطروحات
أمام هذه الانطلاقة نسأل لو كان "معجم الدوحة التاريخي للغة العربيّة" يعدُنا باستعادة العدالة، أو إيقاف الحروب. ربما لا، لكنه يشتغل على مستوى أعمق وأخطر هو مستوى تقديم الشروط التي تجعل الظلم مفهوماً وواضحاً أمام الملأ. ففي عالم تُدار فيه السياسة من خلال المفاهيم والإعلام، لا يمكن لأي فعل تحرري، أن يستغني عن اللغة التي ترتبط بتاريخها وتعرفه، وتدرك كيف ولماذا تغيّر معناها وكيف تطوّر.
"معجم الدوحة التاريخي للغة العربية" يولد في يوم اللغة العربيّة، في زمن الانكسارات العربيّة المتلاحقة. أمامه نقف لنكتشف أنّه فعل مقاومة ثقافية هادئة، فعلٌ يقول إنّ هذه اللغة ما زالت قادرة على إنتاج المعنى. وكأنّ المشروع، في أحد وجوهه الكثيرة، يشكِّل إجابة على أسئلة د. بشارة الدائمة: كيف تكونُ الحداثة دون الوقوع في فخ التقوقع؟ وكيف نقرأ تراثنا دون أدنى تقديس أو إلغاء؟
