دمشق مدينة ذات ثراء خاص، للتجول في شوارعها وحواريها متعة معرفية وجمالية، لكن السير على الأقدام، بات عملا شاقا، في القسم الذي يشكل قلب العاصمة، ويتطلب انتباها دائما لشروط سلامة المشاة، التي باتت مهددة بفوضى زاحفة بسرعة شديدة، نحو الأحياء التي تضم أغلب الوزارات، ومركز الحركة التجارية والسياحية، التي باتت تقترب من عالم عشوائي، لا يحكمه قانون.
يبدو وسط المدينة مستباحا، لعدد من الأسباب. أولها، كثرة عدة السيارات. وهناك من يقول إن عدد الآليات التي تسير في شوارع المدينة، تضاعف عدة مرات بعد سقوط النظام، بسبب الغاء رسوم جمارك السيارات، وانتقال أعداد كبيرة من المحافظات الأخرى للعاصمة. وصار بوسع أي مواطن سوري، يمتلك الإمكانات المادية، أن يقتني سيارة بالثمن الذي يناسبه. ويغتنم المتمولون قرار الغاء الرسوم الجمركية، ليتملكوا سيارات جديدة، أو مستعملة لفترة قصيرة، يشحنوها من دبي أو تركيا. ولن يتكلف ذلك، سوى تسديد رسم التسجيل عند المنفذ الحدودي، الذي لا يتجاوز ثلاثة آلاف دولار.
كان اقتناء السيارة أحد الأحلام الكبيرة في سوريا، لأن رسم الجمارك وصل في بعض الأحيان الى أربعة أضعاف ثمنها، وفي فترة ما صار تحديد طبقات الناس، يتم على أساس أنواع وعدد السيارات، التي يمتلكونها. وراجت حكايات في سبعينيات القرن الماضي عن ملكية حصرية لبعض ماركات السيارات، ليس مسموح استيرادها إلا لفئة من شخصيات الحكم.
اليوم تعج شوارع دمشق بماركات السيارات الفاخرة، مرسيدس، بي إم، ليكزس، وغيرها. وباتت أنواع من "رانج روفر" متداولة بوفرة، وسعر المستعمل منها لا يتجاوز 25 ألف دولار، بعد أن كان يصل إلى مائة ألف، وبعضها يعمل كتكسي أجرة على الطرقات، التي تربط دمشق بالمدن السورية الأخرى، ومع بيروت وعمان، وصار يزاحم سيارات الأجرة الصفراء، التي يبدو القسم الأكبر منها في حالة مزرية، ويفتقر لمقومات السلامة المطلوبة.
من الملاحظ أنه لم يتم بعد توحيد نظام ترقيم السيارات على مستوى الدولة. هناك ثلاثة أنظمة مختلفة تعمل معا. ذلك الذي يتبع النظام السابق، والثاني الذي يعود الى ادلب، والثالث لشرق سوريا، الصادر عن الإدارة الذاتية الكردية. ويقول سكان في دمشق إن الوضع قبل سقوط النظام كان مختلفا كليا، ولا يمكن رؤية سيارة تسير في العاصمة، وهي تحمل نمرة صادرة من ادلب أو القامشلي، بينما يكثر عددها اليوم.
والسبب الثاني للفوضى هو، عدم تفعيل الإشارات الضوئية، التي تنظم عبور المشاة والسيارات عند التقاطعات الرئيسة، حيث تسود حالة، يستخدم فيها السائق وعابر الشارع شطارته وحنكته. وهنا تحصل حوادث كثيرة، يذهب ضحيتها المشاة. ويبدو أن عدم وجود عدد كاف من شرطة السير، يفاقم المشكلة.
يتمثل السبب الثالث في احتلال السيارات للأرصفة. ويعود ذلك لعدم وجود عدد كافي من المواقف الخاصة، وغياب قانون يمنع أصحاب السيارات من رميها فوق الأرصفة. وهناك من يرى أن حل هذه المشكلة يكمن في وضع نظام خاص للعملية، يتضمن فرض غرامات على المخالفين.
هناك سبب آخر يدفع المشاء إلى الهرب من الشوارع الرئيسية نحو الحارات القديمة هو، أصوات زمامير السيارات، التي تصدر من الجهات كافة. وهي وسيلة السائق لتنبيه بقية السائقين والمشاة. وهذه المشكلة قابلة للحل من خلال تنظيم السير، وتوعية السائق بضرر التلوث السمعي.
هناك مسألة تتفاقم بسرعة، وهي العدد الكبير من الدراجات النارية. تسير بلا قانون، أو نظام وحساب. تمشي وسط الشارع، بين السيارات، على الأرصفة، وعكس السير. لا تراعي أحدا في طريقها، ويحدث أن تصدم العابرين، وتكمل طريقها. ومن الواضح أن مهمة التحكم بهذه الظاهرة صعب للغاية، نظرا لعدد الدراجات الكبير، وقيادتها من قبل شبان، يفتقر بعضهم للإحساس بالمسؤولية.
ظاهرة المتسولين من الأطفال وصرافي العملة، أحد أشكال العشوائية، التي تحتاج إلى حلول جذرية، خاصة وأن هناك من يجزم بأن هؤلاء قادمون من خارج سوريا، يعملون برعاية هيئات تتاجر بهم، تنشر في الشوارع صباحا، وتجمعهم عند هبوط الظلام.
عبور الشارع مغامرة، لا يمكن الانتقال من رصيف لآخر ببساطة مثلما يحصل في كل مدن العالم. إنه يحتاج إلى شجاعة، واختيار المكان المناسب والزاوية الضيقة، وعلى العابر أن يحترس وينظر في الاتجاهات كافة، فقد يركز نظره على السيارات القادمة من جهة اليمين، من دون أن يحسب حساب الدراجة النارية المسرعة، من اليسار.
السير على الرصيف مشقة، لأنه محتل من قبل السيارات الخاصة، التي لا تجد أماكن كافية في الشوارع الفرعية، فيقوم أصحابها برميها كيفما اتفق، بسبب عدم وجود نظام رقابة ومخالفات. وعلى هذا يجد الناس أنفسهم وسط الشوارع عرضة لزمامير السيارات ورعونة الدراجات النارية.
لا عزاء للمشائين في شوارع دمشق، وكي يتم تلافى المصاعب السابقة، لا بد من رسم خارطة طريق، تعتمد على تقليل السير في الشوارع الرئيسية، والتسلل بخفة وسرعة نحو الحارات، التي لا تدخلها السيارات والدرجات النارية، وفي ذلك نعمة اكتشاف أسرار مدينة موازية، الشام القديمة، وسحرها الذي لا ينفد.
