يوم كتب شفيق جبري، عضو مجمع اللغة العربية في دمشق، عن لغة العلامة أحمد فارس الشدياق في مجلة "المورد"، قال إن اللغة في نظره هي عبارة عن حركات الإنسان وأفعاله وأفكاره، ورأيه في هذا المعنى نظير رأي أناتول فرانس (الروائي الفرنسي) في لغته الفرنسية. يرى أناتول أن لغته فيها عواطف قومه وأفكارهم وأقواله وأفعالهم، هي روح الوطن ولحمه ودمه.
آمن الشدياق بسعة لغة العرب وكثرة مفرداتها واشتقاقاتها ومعانيها، ولقد أشار إلى هذه السعة في ذكره هوى من أهواء النفس وأريد به العشق، فقد طالع "مبارق الازهار في شرح مشارق الانوار " لابن مالك في مراتب الحب والعشق فرأى أن اللغة العربية شرك للهوى، إذ لا يوجد فيها من العبارات الشائقة، المتصبية ما لا يوجد في غيرها، بخلاف لغات العجم فأنها لا يوجد فيها إلا لغة واحد بمعنى المحبة يطلقونها على الخالق والمخلوق. والشدياق هو رائد استحداث ألفاظ عربية غدت شائعة جداً في عصرنا، حيث دخلت حياتنا الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومن هذه المفردات: الاشتراكية، الباخرة، الجامعة، الطابع البريدي، جواز السفر، ممثل، الشورى، النواب، انتخاب، الصيدلي، الصيدلية، نزل أو فندق، مصنع، مستشفى، ملاكمة، جريدة، المتحف، الملهى، الحافلة، المعرض. ولم يصل إلى اصطفاء هذه المصطلحات بدلالاتها إلا بعد ثمرة تدرج من المعاناة والتبديل، وصولاً إلى أدقها في التعبير دلالةً (عماد الصلح، أحمد فارس الشدياق، آثاره وعصره، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر). وأفرط الشدياق في ميله إلى روح العربية، تبحر في دقائقها وجلائلها، وأحاط بمفرداتها، و"بعث" مئات بل آلاف الألفاظ التي لم تستعمل قبله في اللغة المعاصرة.
أما النهضوي الآخر العلامة بطرس البستاني، إلى جانب اهتماماته الثقافية وموسوعته الكبرى، أصدر قاموس "محيط المحيط" من أجل تسهيل دراسة اللغة العربية وتبسيطها، وإعطائها دوراً أساساً في النهضة والتمدن لأن لا تمدن، في رأيه، من دون لغة تسايره وتواكبه. كان هناك مثالٌ واحد يستحوذ على عقل بطرس البستاني هو العلم والمعرفة، وكان هناك حبٌّ واحد يملأ قلبه وروحه، هو اللغة العربية. وحبه للغة العربية هو الذي قاده إلى شغفه بالعلم والمعرفة. يقول الباحث بسام بركة "لقد بذل المعلم حياته كلها في سبيل هدف واحد أراد الوصول إليه، هو تعزيز هذه اللغة التي رضعها العرب مع اللبن، كما يقول، والتي كان يعتبرها "شامةً في وجه اللغات"، والتي كان يعدها "في المقام الأول" بين لغات العالم، "وإذا قيس بها غيرها كانت هي كالبحر وهو كالجدول". ما عبّر عنه في مقدمة "محيط المحيط" بقوله إن جلّ اهتمامه "أن يرى أبناء وطنه يتقدمون في المعارف والآداب والتمدن تحت لغتهم الشريفة، وأن تكون وسائط ذلك متيسرة لخاصتهم وعامتهم على أتم ما يرام". ولعل هذا بالذات ما دفعه إلى اتباع هذا القاموس بآخر "قطر المحيط" هيّن المراس، سهل المأخذ "ليكون للطلبة مصباحاً، يكشف لهم عما أشكل من مفردات اللغة التي معرفتها نصف العلم".
لا ضير في القول إن معجم الدوحة التاريخي للغة العربية من سلالة النهضة العربية ومشاريع النهضويين، وهو "ديوان حضارة الأمة"، و"يمثّل مرجعيّة شاملة للّغة العربيّة ومؤسّسات المجتمع العربيّ، لضبط وتوحيد لغة القانون والتّعليم والإعلام والاقتصاد والسّياسة، وأن يكون منصّة عالمية للانتفاع من المعجم ومن مدوّنته المهيكلة المرقمنة المربوطة بالتاريخ والمصادر، وللإفادة منه في إعادة توصيف برامج اللغة العربيّة خصوصًا، والعلوم الإنسانيّة الأخرى عمومًا، وتحديثها في جميع مستوياتها"، ويتضمن 300 ألف مدخل معجمي، 1مليار كلمة في المدونة، 10 آلاف جذر، 10 آلاف مصدر في البيبليوغرافيا، ويأتي في سياق العلاقة العضوية الجوهرية بين اللغة والنهضة برغم الواقع المتأزم والحروب المستمرة. وقد عبر عن هذا الموضوع مراراً الدكتور عزمي بشارة، ففي محاضرة عام 2017 اعتبر "أن النهضة في أي سياق ثقافي تتجلى في اللغة إن لم تبدأ بها، فالشعوب تنهض بلغتها، وهذا ما أثبته التاريخ". وعام 2015 قال لـ"المدن" لدى سؤاله عن الهدف من معجم الدوحة، في زمن بات هناك دكتاتورية لغوية تفرضها العولمة ونسقها: "أي لغة عريقة وحية في آن معا تحتاج إلى معجم تاريخي. والسبب بسيط، ويعود إلى أن معاني الكلمات ودلالاتها تتغير عبر التاريخ. والناس تقرأ التاريخ والنصوص بدلالات الكلمات اليوم، وليس بدلالات الكلمات في مرحلتها. كما أن معرفة تاريخ اللفظ ودلالاته وتطوره واستمراره (أو انقراضه) يفيد كثيرا في معرفة تطور الأمم، ويمكّن من اشتقاقات لفظية تساهم في مجاراة الحياة العصرية والعلوم واكتشاف تعابير واستخدامات في زمن نهضة العلوم والترجمات". كلام عزمي بشارة من روحية كلام الشدياق والبستاني، بل من روحية النهضات اللغوية في العالم. فبحسب مقدمة معجم الدوحة اللغوي لم تظهر فكرة صناعة معجم تاريخيّ قبل القرن التّاسع عشر الميلاديّ، الرّابع عشر الهجري؛ لأنّ متطلّبات هذا المعجم، وأدواته لم تكن متوافرة قبل ذلك التّاريخ، ومن أهمّ تلك المتطلّبات والمتغيّرات: قبول فكرة التّطوُّر اللّغويّ، وتوافر الدّراسات في علم اللّغة التّاريخيّ، وفي علم اللّغة المقارن، وفي تأثيل الألفاظ وتغيُّرها عبر الزمان والمكان. وقد تكاثر هذا النّوع من الدّراسات إبّان النّهضة الأوروبيّة، خاصّة في القرنين الميلاديّين الثّامن عشر والتّاسع عشر.
لم يُنجِز العربُ معجمًا تاريخيًّا في القديم، ولم يهتمّوا بالتأريخ للُّغة على الرغم من عنايتهم البالغة بلغتهم وكثرة ما ألّفوا فيها. وكان التفكير الشائع لدى العرب" أنّ كلّ تغيير في اللغة فساد، لأن لغتهم توقيف وإلهامٌ، وليست مواضعةً واصطلاحًا، وأن التطور اللغوي فسادٌ ناشئ عن اختلاط العرب بغيرهم، فلم تسجّل المعاجم العربية تغييرات تُذكر بعد عصور الفصاحة والاحتجاج". كان هناك مشاريع لتقديم معاجم عربية ولكنها لم تنفذ أو نفذت أجزاء منها، واكتمال معجم الدوحة يعتبر انجاز مهما في هذه المرحلة، وهو معجم تاريخي متجدد، "يَجْرُد ذاكرة كل ألفاظ اللغة العربية ويوثّقها توثيقًا تاريخيًّا".
