جولي بو فرح في معرضها: الطيور وكأنها صدى لرحلة الذاكرة

محمد شرفالأحد 2025/12/21
Image-1766302262
عصفور وصبار
حجم الخط
مشاركة عبر


تقول جولي بو فرح عن معرضها المقام لدى "غاليري جانين ربيز" (بيروت، الروشة) أن مشروع iCloud ، وهي التسمية المعطاة للمعرض، ينبثق من شظايا ذاكرتها، والغيوم أشبه بأوعية، وثمة أجسادٌ تحمل ما لا تستطيع الذاكرة حفظه. إنها ليست استعارات، بل عناصر يمكن للمشاهد لمسها: ناقصة، حية، تحمل في طياتها الحضور والغياب. 


وللمناسبة، لا بد من القول إن الفن التشكيلي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالذكريات. فالرسم يحوّل اللحظات التي عاشها المرء إلى أعمال فنية دائمة، ويقدم تفسيراً عاطفياً وشخصياً للذاكرة، متجاوزاً مجرد إعادة إنتاج الصور الفوتوغرافية، لاستكشاف الحنين إلى الماضي والطفولة ومرور الزمن. وبالرغم من تعدد المقاربات في هذا المجال، فهي غالباً ما تتم من خلال تقنيات مثل التمويه أو طبقات الألوان الشفافة، أو الرموز الشعرية، مما يخلق آثاراً حسية وحالمة للماضي.

Image-1766302158


وبما أن الذكريات تصبح أشبه بأطياف نتشارك فيها جميعاً من حيث طبيعتها ككائنات تسكنها حوادث الماضي، لكنها قد تكون غريبة أو غامضة بالنسبة لنا أحيانًا، أو حتى غير معقولة. من خلال التأمل في ذاكرتنا، واتباع خطوط فكر فلسفة هنري برغسون وفكر سيغموند فرويد حول هذا الأمر، يهدف هذا البحث إلى إقامة صلة بين شكل ذكرياتنا والزمن الذي يعيد الفنانون تركيبه في الصور كما في الفن التشكيلي، وفن الفيديو والسينما. الناظر إلى أعمال جولي بو فرح لن يعثر على نمط تشكيلي مماثل للنمط الذي نعرفه، لناحية التمثيل الواقعي للكائنات والأشياء. لذا، تفيد الفنانة أن صورها "تزعزع التوقعات، من خلال إزالة مكوّن من هنا، وإضافة مكوّن من هناك"، وهذه المقاربة لا تنسجم مع رؤية واضحة، أو قد لا تؤدي إليها، لا لجهة تحديد الهدف التصويري التي يضمره الفنان، بل لما يمكن أن يخطر في ذهن المشاهد، الذي سيُترك أمام خياله، كي ينسج، هو أيضاً، رؤيته الخاصة وتصوّراته الذاتية. 

Image-1766302346
غيوم


في شكل عام، إن فرط الذاكرة، والقدرة على الإبداع، إستناداً إلى هذا المعطى، تنم عن معرفة الفن ومكانته، والابتكار الفريد لأسلوب تمثيلي. هذه السمات الثلاث تميّز "الفنانين" وتضعهم في خانة الغرائب، بل والظواهر. فهم يبرزون في أغلب الأحيان في مجتمع "مكركب" كمجتمنا الحائر بين الحرب والسلم، وبين الإستمتاع بلذائذ الحياة أو نفيها، كما هي حال بو فرح. هو مجتمع وجد الفنانون أنفسهم فيه رغماً عنهم، متحررين من القيود التي تُصيب أولئك الذين تعلموا رؤية الرسم من وجهة نظر تقليدية. وهم، بذلك، يجتذبون انتباه علماء النفس، فضلاً عن وسطاء عالم الفن الباحثين عن أغرب الاستثناءات والانحرافات، والإنخراط في تفسيرها. وقد ألهم بعضهم دراسات قيّمة، لكنها نادراً ما تتجاوز دراسة الفنان نفسه، حيث يتشابك العمل والحياة. ومع ذلك، فإن مصائر رسامي الذاكرة هذه، المرتبطة دائماً بفترتين زمنيتين مترابطتين: زمن التاريخ الذي ابتلعته الكارثة المطبقة على بلدنا، وزمن الحياة الذي مزقته خسارة جوهرية، تتشابه وتتردد أصداؤها من خلال اختلاف الظروف. 

Image-1766302474
مدينة


تقدّم بو فرح صورها من دون الوجه الذي تنتمي إليه. فالصبار، على سبيل المثال، يظهر كـمفارقة - صامد ولكنه هش، أرشيف عضوي للصمود، أشواكه تحمي وتجرح في الوقت نفسه، تمامًا مثل الذاكرة نفسها. أما سماؤها فشخصية بامتياز. كوكبة من ألف سحابة متخيلة، لكل منها تكوينها الخاص وقصصها الخاصة، يشكلها الحدس والعفوية، وتتم  إعادة بنائها، وتكثيرها، وأحيانًا مهاجمتها. من خلال استبدال قزحية عين الطيور، تفتح الفنانة المجال لنا لنتساءل عما نراه، وما نظن أننا نعرفه. هل تُردد الطيور صدى رحلة الذاكرة، أم هي انعكاس لما تراه العين؟ وهل ترى العين ما هو موجود في الحقيقة، أم تفتح نافذة على واقع آخر. تقع الرؤية الداخلية في صلب أعمال الفنانة. وتبدو الطيور وكأنها صدى لرحلة الذاكرة. 

Image-1766302568
هروب


وبما أننا نتطرّق إلى موضوع الذاكرة، من الضروري أولًا تعريفه، وتوضيح مفهوم الذاكرة المرتبط به ارتباطًا وثيقًا، وارتباط معرض بو فرح نفسه بهذه الميزة الإنسانية، وحتى الحيوانية، مع الإختلاف الطبيعي بين الإثنين. فإستناداً إلى كتاب هنري برغسون "المادة والذاكرة"، يحاول الفيلسوف الفرنسي الإجابة عن سؤال الثنائية (العلاقة بين الجسد والعقل) من خلال معارضة أي اختزال للعقل إلى المادة. إن إحدى القضايا الرئيسة في مسألة الثنائية هي تحديد موقع العقل (وبالتالي، الذاكرة) لدى الإنسان. وخلافًا للفيلسوف الفرنسي تيودول ريبو (الذي يرى أن الذاكرة تقع في الجهاز العصبي)، يقترح هنري برغسون التمييز بين نوعين من الذاكرة: "ذاكرة العادة" و"الذاكرة الخالصة"، كما ورد في فرضيته الأولى: "يبقى الماضي في شكلين متميزين: في الآليات الحركية وفي الذكريات المستقلة.
هذه الذاكرة هي بقاء إحساس أو انطباع أو فكرة أو حدث مُعاش في الذهن. في تراكم هذه الذكريات يجد الإنسان المادة الأساسية لماضيه، وتجد بو فرح ما يحفّزها على الرسم. ماضٍ يُشكّل نسيج الحاضر والمستقبل، ووسيلة جوهرية لتحقيق الاستمرارية. وبما أن هذا الماضي، وهذه الذاكرة، هما أساسٌ للبناء، وحتى التشكيلي منه كما في حالة الفنانة، فهو أيضاً ينتمي إلى عالم الخيال، لكونه غير ملموس. وكما يغرق نرجس في تأمل صورته المنعكسة دون أن يتمكن من إدراكها، لا يستطيع الإنسان فهم ماضيه بتفاصيله؛ فمن خلال عدسة الذاكرة، تبقى الصور المنبثقة من هذه الذكريات غامضة وعصية على الفهم.


وبعيداً عن مجرد سرد أحداث الحياة والحكايات، فإن صوغ الذكريات - أي إضفاء شكل عليها - هي بمثابة إجابة على السؤال الميتافيزيقي حول الذاكرة وآليتها. يتعلق الأمر أيضاً بتعزيز الإحساس بالتذكر الذي يرى فيه الجميع، من خلال تجاوز الصور، إمكانية نوع من القيامة. إن تكوين الذاكرة - أي إضفاء شكل عليها - هو، بمعنى تأملنا، خلق كيان معقد، كيان تركيبي يحتوي على صور متعددة، كطبقات الصخرة الواحدة. بل إن الأمر يتجاوز مجرد اختلاف الصور، إذ تتداخل الأزمنة المختلفة لهذه الصور داخل الكيان نفسه، كما في عمل المصوّر وصانع الفيديو البلجيكي ديفيد كليربوت "وداع طويل"، Long goodbye (2007)  حيث يندمج امتداد يوم كامل مع لحظة وداع عابرة على شرفة منزل.  
وقد نتساءل، نهاية، هل لا بدّ للمرء أن يعرف كيف ينسى ذكرياته حين تكثر، وأن يتحلّى بصبرٍ عظيمٍ لينتظر عودتها. فالذكريات ليست كذلك بعد. فقط حين تصبح جزءًا منّا، كالدم والنظرة والإيماءة، حين تفقد اسمها وتتلاشى هويتها، حينها فقط قد تنبثق، في لحظةٍ نادرةٍ جدًا، من بين ثناياها، أول كلمةٍ من بيتٍ شعري.
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث