كريسماس في سراييفو

شادي لويسالسبت 2025/12/20
Image-1766216120
حجم الخط
مشاركة عبر

كادت الطائرة أن تحط في موعدها، بعدما أعلن طاقمها أنها على وشك الهبوط بعد عشر دقائق. لكنها، بعدما حامت مرتين حول محيط مطار سراييفو، أعلمنا قائد الطائرة بتعذر الهبوط نتيجة الضباب الكثيف وأننا في طريقنا لنحط في مطار مدينة دوبروفنيك الكرواتية. أثار الأمر بضع صيحات استهجان، لكن لم يكن هناك ما يمكن فعله. وصلنا دوبروفنيك بعد عشرين دقيقة من الطيران، تبدو المسافات هنا قصيرة جداً. ووضع طاقم الطائرة أمامنا خيارين، أما العودة بالطائرة إلى لندن أو النزول في كرواتيا طوعاً، وهو ما سيحرمنا حقنا في مطالبة شركة الطيران بأي تعويض أو مصروفات. ونزلنا.

 

Image-1766216446
تتدفق المياه من عين علي باشا على مدار أيام العام

 

غادرنا المطار قبل منتصف الليل بقليل، ولم نكن قد قررنا ما علينا فعله بعد. وأمام المطار، سيارة تاكسي واحدة. سألتنا سائقتها عن وجهتنا فأخبرناها ساخرين: "إلى سراييفو". وبجدية أجابت: "حسناً، سنصل هناك عند الرابعة صباحاً"، وطلبت أجرة مبالغاً في قيمتها. حاولنا مساومتها، لكن بلا فائدة. بعد نصف ساعة من القيادة، وعند الحدود الأوكرانية البوسنية سلمتنا إلى زميلها البوسني في الجهة الأخرى، اسمه ياسمين. لم يفهم ياسمين سوى بضع كلمات بالإنكليزية، وطلب منا تشغيل خرائط غوغل في هواتفنا لتوجيهه نحو هدفنا النهائي. كان الطريق مظلماً وشبه خال، وبالكاد رأينا ظلال الجبال الهائلة حولنا تغوص في ستائر ثقيلة من الضباب، وكلما تقدمنا في طريقنا، ازدادت كثافته. في منتصف المسافة تقريباً، وعند عبورنا في مدينة موستار، حاولت أن أتبين في الظلام جسرها العثماني الشهير، المعلم الأكثر زيارة في البلاد، لكني لم أنجح. أثناء الحرب اليوغوسلافية، شهدت المدينة مرحلتين من القتال، الأولى بين البوسنة والكروات من ناحية والصرب من ناحية أخرى، ثم لاحقاً بين البوسنيين والكروات، وظلت المدينة حتى نهاية الحرب، مقسمة على خطوط دينية، نصف للبوسنيين ونصف آخر للكروات. 


حين وصلنا إلى سراييفو، كان آذان الفجر يصدح من مآذن سراييفو بعربية فصيحة ونقية وصوت خافت. أما الشوارع الخالية في هذا الوقت المبكر فكانت مزينة على آخرها بأضواء عيد الميلاد، حتى نصب الجندي المجهول من العهد الشيوعي كان مزيناً أيضاً بأضواء الكريسماس. في الصباح، ومن أعلى، أمكننا تبيّن المدينة بوضوح، الجبال تحيطها من الجهات كافة، ولا عجب أنها صمدت طوال الحرب أمام الحصار الطويل. عدد قباب الكنائس يساوى عدد المآذن، وحتى نافورة "السبيل" العثماني المصنوع من الخشب في قلب المدينة القديمة، والتي تعد رمزاً لسراييفو، هي أيضاً مزينة بالأضواء الملونة لعيد الميلاد.

 

Image-1766215430
قرية أوزيميكا في منطقة زيبتشي، البوسنة والهرسك، خلال موسم العطلات الشتوية الثلجية. 

 

في مساء ليلتنا الثانية، تمشينا بجوار نهر ميلياتسكا، عمق المياه لم يتجاوز شبراً واحداً، وبدا النهر على وشك الجفاف. عبرنا الجسر اللاتيني وتأملناه، ولم نجد ما يلفت الانتباه في معماره، لكن حادثة اغتيال الأرشيدوق النمسوي، فرانز فيرناند، هناك، منحت الجسر شهرته. بعدها، مررنا بالسفارة الإيرانية المطلة على النهر مباشرة، وعلى سورها رأينا شاهداً رخامياً منقوشاً عليه عدد من أسماء الإيرانيين الذين "ضحوا بحياتهم من أجل السلام في البوسنة والهرسك". كان الشاهد تذكيراً بأن إيران من أوائل الدول التي قدمت دعماً عسكرياً للبوسنيين أثناء الحرب، وسقط عدد من عسكرييها في القتال. مررنا بعدها بمبنى وزارة الثقافة وكانت هناك حفلة للموسيقى الفولكلورية البوسنية من تنظيم الوزارة على مدخلها، والموظفون يوزعون الطعام وكؤوس النبيذ على المارة. وحين سألنا عن مناسبة الحفلة، أخبرونا أنها بمناسبة الكريسماس. لاحقاً انضم إلى الحفلة قس بزيّه الكهنوتي، شرب الرجل كثيراً ورقص كثيراً أيضاً، وعلت ضحكاته وهو يشاكس الحضور. ولولا أننا نعرف بعض الشيء عن تاريخ البلاد، لظننا أن عاصمتها هي نموذج فريد للتعايش. حتى قبل الحرب العالمية الثانية، كان يطلق على سراييفوا "قدس أوروبا" بسبب تنوعها الديني. ولاحقاً، أخبرتنا واحدة من بنات المدينة أن تعايشها حقيقي جداً، وانقسامها أيضاً.

 

Image-1766216321


في المتحف الوطني، حاولنا إلقاء نظرة على المخطوطة اليهودية الشهيرة العائدة إلى منتصف القرن الرابع عشر، "هاجادا سراييفو"، لكن المخطوطة تعرض فقط في أوقات معينة، من بينها الفصح، وتحت حراسة مشددة. يعود الفضل في إنقاذ المخطوطة من أيدي النازيين، إلى أمين المتحف البوسني، درويش كركوت، وهو المنتمي إلى عائلة مشايخ من أصول ألبانية، ويعود إليه الفضل أيضاً في إنقاذ طفلة يهودية اسمها ميرا بابو، من الترحيل إلى معسكرات الإبادة. وبعد أكثر من نصف قرن من تلك الأحداث، في العام 1999، ومع اندلاع الحرب البوسنية، ستقوم بابو، المرأة المسنة ساعتها والمقيمة في إسرائيل، بالعمل على إخراج ابنه كركوت من مدينة بريشتينا المشتعلة. وفي مطار بن غوريون، سيكون نتنياهو، رئيس الوزراء حينها، في استقبالها مع عائلتها: "اليوم نحن نغلق الدائرة، بتقديمنا ملجأ لإبن مَن أنقذ اليهود".

 

تزامنت زيارتنا مع الذكرى الثلاثين لمذبحة سربرنيتسا. لم يكن من الممكن بأي حال عدم الانتباه إلى أن هوية البلد بأكمله مؤسسة على ذكرى الإبادة القريبة. ثمة شبكة من المتاحف تغطي العاصمة كلها، تلح على تلك الذكريات، ومن بينها "متحف الحرب" و"متحف حصار سراييفو" و"متحف تاريخ البوسنة والهرسك" وهو المخصص في معظمه لتاريخ الحرب، ومتحف "الإبادة والجرائم ضد الإنسانية" و"متحف نفق الأمل" و"متحف غاليري 11/07/1995" المخصص لمجزرة سربرنيتسا. معروضات تلك المتاحف تحيلنا بشكل تلقائي إلى الإبادة في غزة. هناك أيضاً إشارات مباشرة، في "متحف أطفال الحرب" ثمة 40 قطعة معروضة من أطفال بوسنيين، وثلاث من أوكرانيا وثلاث من غزة. في الغاليري الوطني، معرض بعنوان "بينالي غزة". رأينا أعلاماً قليلة لفلسطين في أنحاء المدينة. لكن النساء المحجبات- وهن قليلات- غالبيتهم ترتدي الكوفية الفلسطينية على أكتافهن. 


في طريق المغادرة، وقبل وصولنا إلى المطار مباشرة، رأينا إعلاناً على يافطة كبيرة: "البوسنة بعيون خليجية" وبعده مباشرة إعلان آخر بالعربية يدعو إلى الاستثمار العقاري في البلاد.

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث