ما عشته من تحولات سواء ككاتب أو كإنسان لا يختلف كثيرا عن تحولات شعب، هو الشعب العراقي، ربما يختلف الموضوع في قراءة تلك التجربة، والبحث لها عن معنى، واستخدامها في عمل ابداعي أو فني. تجربتي هي تجربة غالبية العراقيين، ومن هذا الجانب استخدمت الكثير من تجاربي في كتابة رواياتي وقصصي ومقالاتي، لقد عشت تبدلات المكان فهاجرت أكثر من مرة وعشت الهجر والحنين حين تعرفت على أصدقاء في أكثر من بلد ثم تركتهم وخلّف فراقهم الأسى. ربيت أطفالا في بيئة أوروبية وغادرتهم، وتركت زوجة وبيتا ومكتبة وبقي السفر الطويل هو ذاته، ويبدو أن جيلنا هذا، لن يرى حياة مستقرة بعد اليوم. علينا أن ندفع ثمنا كان ينبغي دفعه نتيجة لتخلفنا الحضاري، ندفعه مرة واحدة، وهذا قدر شعب وحضارة وبلد.
الأمكنة تترك بصماتها على السمات، وعلى الحديث والصوت، وعشت أنا كل تلك التبدلات والتغيرات، وهذا أمر طبيعي فالهواء له تأثير وكذلك الطعام واللغة والشمس والتضاريس والتواجد في بقعة معينة من الكرة الأرضية، ومعاشرة بشر بذاتهم، هذا كله يترك بصماته على الوجه وعلى العين والنظرة والحساسية تجاه الحياة. وأنا رغم كل هذه المسيرة المؤلمة، مسيرة التبدلات التي لم تنقطع منذ عشرات السنين، أعتبر نفسي محظوظا. جدّ محظوظ. لأنني رأيت برلين ولندن وكوبنهاغن ودمشق وبيروت وساوباولو وطهران وغيرها من المدن. واعتبرت نفسي محظوظا لأنني رأيت خرائب الفلوجة، وآثار السيارة المفخخة التي ضربت ساحة التحرير، والطائرة التي قصفت والجندي الذي قضى والصباحات النائية في قرية مهملة أو بلدة تغرق في الظلام. أعتبر نفسي محظوظا لأنني أعرف أكثر من لغة وتزوجت أكثر من امرأة من أكثر من بلد وحضارة، وأعتبر نفسي محظوظا لأنني رأيت انهيار ديكتاتورية والسقوط في فوضى وعبور ألفية قديمة إلى واحدة جديدة.
سافرت وعشقت وتزوجت وطلقت، خلّفت أطفالا وهجرت أصدقاء وتعرفت على ناس جدد. قرأت كتبا وشربت في صالات وحانات وتذوقت آلاف الوجبات من مختلف أصقاع الأرض. هذا منفى حولني إلى إنسان حقيقي. حولني إلى خلية حساسة تشارك البشرية آلامها وأحلامها رغم الاختلافات في الأديان واللغات والبلدان. لم أعد أمتلك أي وهم حول أدوار المثقف، فلكل شخص دور في الحياة وعليه أن يعيشه بعمق وشرف وقوة وحماس. إنني أصبّح على الحياة كل يوم بابتسامة وضحكة وأحس وكأنني أعيش أول يوم في حياتي. اؤمن أن الحياة ليست معضلة ولا مشكلة إنما هي تجربة تستحق أن تعاش بنبل وكرامة وفضول وتفاؤل. لذلك لم أحقد على بلدي ولن أحقد إذا لم يوفر لي الحياة التي أريد، وسأغادره برحابة صدر، وسأختلق له الأعذار كي لا أكون له عدوا. لأنني لا أستطيع أن أنفصل عن قتلته وأصولييه ومتنوريه وشرفائه، لصوصه وخرابه ونخيله وأشجاره وحرارته الجهنمية، تخلفه وحدّته وقسوته. هو مادة خيالي وأفكاري وابداعاتي القادمة. هو المصهر الذي سأخرج منه رغيفا جديدا أسدّ فيه جوعي إلى وطن غائب.
(*) مدونة نشرها الروائي شاكر الانباري في فايسبوكه
