"ليالي بيروت": بدايات الكباريه في ساحة البرج والزيتونة

محمد حجيريالجمعة 2025/12/19
Image-1766089982
ساحة البرج ملهى الباريزيانا في العشرينات
حجم الخط
مشاركة عبر

كتاب "ليالي بيروت/ جغرافية الاحتفال في مدينة ما بعد النزاع" لماري بونت، هو ثمرة بحثٍ لنيل درجة الدكتوراه، استند إلى دراسة ميدانية أُجريت بين العامين 2013 و2017 في أماكن السهر واللهو في بيروت. تبدأ بفحص مادي لبنية أماكن الاحتفالات في العاصمة اللبنانية، متتبعةً تطورها على مدار القرن العشرين  وحتى العام 2017، من ساحة البرج إلى الزيتونة، من الزيتونة إلى رأس بيروت، مع التركيز بشكل خاص على التحولات التي طرأت عليها في فترة ما بعد الحرب الأهلية(1975 -1990). وتُحلل الدراسة الظهور والاختفاء المتتاليين لأماكن الاحتفالات، وإعادة تشكيل خريطة الحياة الليلية الذي استفادت منه جزئيًا الأحياء الشمالية ذات الغالبية المسيحية خلال ثمانينيات القرن الماضي، ثم التركيز المتجدّد على عدد قليل من الشوارع والأحياء المركزية (مثل الجميزة، مار مخايل، مونو وبداور).

 

تبين ماري بونت أنه عشية الحرب الأهلية، كانت العاصمة اللبنانية تزخر بمئات الحانات والنوادي والملاهي الليلية، التي ما زال بعض أسمائها راسخاً في الذاكرة الجماعية. وأحقاد جماعات الحرب على الكباريهات راسخة في الذاكرة أيضاً، ففي عددها الصادر في 29/11/ 1976 قدمت جريدة "السفير"، نموذجاً على أحقاد وضغائن الحرب الثورية على كباريهات الزيتونة. من خلال تحقيق مصور يتضمن صور الكباريهات المحطمة، تكتب "السفير": 

"لبنان الكباريه والفندق و"الفيلا" والشيش كباب رحل بعيدا، وبقيت في أركان مهدمة من شارع الزيتونة، بقايا لافتات من لبنان الأمس. شارع الزيتونة، الذي شهد أعنف المعارك أيام حرب الفنادق، هو الآن حطام، تحطمت الكباريهات والفنادق، وصمد المقاتل الذي حمل السلاح خارج الكباريه خارج الفندق، أما الذين كانوا "يقاتلون" داخل الكباريه والفندق فقد هربوا إلى الخارج يبحثون عن لبنانهم داخل كباريهات أخرى. ويقال إنهم هربوا من شبح لبنان الغد المفترض أن يأتي من رحم القتال والمتاريس". 

مقطع مثل هذا يمكن أن يكون مختصراً لتاريخ الحرب اللبنانية وتاريخ لغة الكراهية... 

 

Image-1766132316

 

لكن حياة الليل في لبنان كانت مثل طائر الفينيق، تولد من رمادها. تبين ماري بونت أنه منذ عشرينيات القرن الماضي وحتى منتصف سبعينياته، شهد تطور الملاهي والكباريهات تحولاً مزدوجاً. تمثل التحول الأول في أنواع أماكن السهر الليلية والممارسات المرتبطة بها. فبعدما كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالسعي إلى العلاقات الجنسية المدفوعة، أصبحت السهرات الليلية تدريجيًا شكلًا من أشكال الترفيه يعتمد بشكل متزايد على الرقص وتناول الكحول. أما التحول الثاني فكان مكانيًا: فقد ظهرت أنشطة الحياة الليلية أولًا حول ساحة الشهداء، ثم انتقلت تدريجيًا إلى منطقة خليج زيتونة، على طول شارع فينيسيا، ثم غربًا إلى منطقتي رأس بيروت والحمرا.

 

وتتناول دراسة بونت البُعد التاريخي للحياة الليلية في بيروت من أوائل عشرينيات القرن العشرين إلى أواخر تسعينياته. وتوضح كيف أصبحت الحياة الليلية قطاعًا اقتصاديًا يرتبط بمصائر البلد وتحولاته وحروبه وسياساته ونوازعه، فالحياة الليلية التي شهدت فترات ازدهار وانكماش، متطورةً بالتوازي مع مختلف الاضطرابات التي شهدتها البلاد. والتجمع المحدود للمتاجر والمطاعم والمقاهي والفنادق التي تلبي احتياجات المسافرين وسكان بيروت حول ساحة البرج أو الشهداء، منذ أواخر القرن التاسع عشر فصاعدًا، أدى إلى خلق جو نابض بالحياة. 

 

كانت الحياة الليلية، منذ البداية، أشبه باستعراض: إذ كان الناس يرتادونها جزئيًا للظهور، وجزئيًا للمشاهدة. في عشرينيات القرن الماضي، انتشرت الملاهي الليلية الصغيرة، التي كانت تُقدّم عروضًا غنائية واستعراضية وغيرها من الفقرات. وإلى جانب هذا التجمع الأولي حول ساحة الشهداء، افتتح ملهى تباريس أبوابه. يقع الملهى في حي مار نقولا السكني، وكان يستقطب شريحة أكثر ثراءً، اعتادت سابقًا على حفلات الاستقبال الخاصة الكبيرة. في الواقع، تحوّلت أماكن التجمع الاجتماعي للطبقة البرجوازية تدريجيًا من المجال المنزلي إلى المطاعم والنوادي والفنادق، ولا سيما استضافة حفلات خيرية. خلال فترة الانتداب، ظلّ تنوّع روّاد الملهى خارج دور السينما والمطاعم محدودًا.

 

Image-1766087634
كوكب الشرق

 

ثم اتجهت الحياة الليلية تدريجيًا نحو خليج الزيتونة والشوارع المجاورة. وبينما ارتبط ازدهار الخليج بافتتاح فندق سان جورج وحانته العام 1933، إلا أنه خلال أربعينيات القرن العشرين، وضعت الملاهي الليلية الجديدة الترفيه في صميم عروضها. ومع أنه كان لا يزال في الإمكان الاستمتاع بخدمات الفنانين أو المضيفات، إلا أن هذه الأماكن أصبحت ترتادها شريحة أوسع من الزبائن: إذ كان بإمكان الأزواج الذهاب إلى الملاهي، والرقص، ومشاهدة العروض. وسرعان ما ظهر أول النوادي الليلية، المخصصة بالكامل لتشجيع الزبائن على الرقص، إلى جانب هذا الجيل الثاني من الملاهي الليلية. 


وفي العام 1961 نشرت مجلة "الأسبوع العربي" رصداً بانورامياً لأسماء ملاهي الليل في بيروت، وتبين أنه قبل أن يُعرف حي الزيتونة كمكان رئيس للملاهي الليلية، كانت ساحة البرج تتزعم حياة الليل من سنين ما قبل الحرب العالمية الأولى حتى 1933. وقد كان فيها، قبل الحرب وخلالها، ثلاثة كباريهات كبيرة، وهي "كوكب الشرق" (ومركزها فوق قهوة أبي عفيف) و"المرصد" (ومركزها مسرح فاروق الذي أصبح مسرح التحرير) و"كريستال" (مكان سينما كريستال)، وقد بدأت بديعة مصابني عملها في كباريه كوكب الشرق العام 1919. في الصور تظهر بناية كوكب الشرق جنوبي ساحة البرج في العشرينيات، وتبدو عليها يافطة إعلان عمل فني لبديعة مصابني، وإلى اليمين سينما ومسرح رويال تعرض فيلماً فرنسياً. 


وتقول بديعة مصابني في مذكراتها التي نشرتها بالتعاون مع الصحافية نازك باسيلا إنها بعد تعاونها مع كباريه مدام جانيت، وقد اختارت أغنيات منها لمنيرة المهدية، "عصفوري يامه عصفوري"، و"يا منعنشة يا بتاعة اللوز"، "يا شمعة العز"، "أسمر ملك روحي" وغيرها... وإذا بشخص يأتي إلى بديعة يعرض عليها العمل في مقهى "كوكب الشرق". كانت بديعة قد حققت من الشهرة ما يجعلها محل رغبة كل العاملين في هذا المجال، فعرض أصحاب "كوكب الشرق" مبلغ 30 ليرة ذهبية، وهو أكبر مبلغ يُعرض عليها آنذاك. راحت الإغراءات تحوطها من كل جانب، والعرض يتبعه عرض آخر، وهو أن تكون "النقطة" لها وحدها حتى غادرت إلى مصر وافتتحت صالتها الشهيرة وأحدثت ثورة في عالم العروض الاستعراضية. أما نادي "كوكب الشرق" فكان فوق أحد المحلات في "ساحة الشهداء" في بيروت، وكان فيه مسرح صغير، تعمل فيه فرقة أوركسترا مكوّنة من عازفات نمسويات. (أسفل مبنى كوكب الشرق كان مطعم فول أبو عفيف الذي تسببت توسعته بكارثة انهيار المبنى بكامله بعد ظهر يوم الأربعاء في 14 آذار (مارس) سنة 1934 وراح ضحيته 40 قتيلاً وأكثر من 20 جريحاً).

 

Image-1766090036


واستناداً إلى "الأسبوع العربي"، بعد الحرب العالمية الأولى افتتحت مدام تورييه (امرأة فرنسية) كباريها مكان محلات "فريجيدير"، في الزيتونة يحمل اسمها.
كانت قهوة الحمرا – آنذاك – كباريهاً ومطعماً تديرهما مدام جانيت. لكن هذا الكباريه وكباريه مدام تورييه لم يعمرا أكثر من سنة.
سنة 1919 افتتح كباريه "سن جيمس" مكان النادي العسكري اليوم في الزيتونة.
1920 كباريه ومطعم وسينما "الفونس" وكانت تحتل مكان كباريه الكيت كات والليدو.
1921 كافيه دي كومبرس محل كاراج مارديني في ساحة البرج.
وكان محل "بيروت بالاس أوتيل" كباريه "تريانون" الذي ابدل اسمه بـ "الهمبرا" وقد استبدل كباريه "المرصد" بكباريه "كاريون".
1922 كباريه "الكوسال محل قهوة شامات في الزيتونة. وكباريه تافرن باريزيان محل مدام تورييه.
1923 كباريه التباريس محل مقر الأمن العام الفرنسي، ولا يزال الحي يحمل اسم التباريس.
1929 كباريه الباريزيانا في ساحة البرج فوق محلي ادريس وطانيوس .
1931كباريه الكيت كات و"الليدو"
1940 كباريه أرجنتينا الذي تحول في ما بعد إلى كباريه المولان روج.
1941 بار "واك أوت" الذي تحول سنة 1948، إلى كباريه بالاسم نفسه.
1942 مطعم وكباريه "الكوبول" في فندق ريجنتن في ساحة البرج. وأصبح لاحقا مطعما. ثم "شابونيه" محل فندق الاكولسيوو. وكباريه منصور.
1943 كباريه مجرم.
1945 الكولولورادو محل كباريه ايف اليوم.
1954 كباريه الأوبرج
1955 ملهى الايف الكابيتول
1957 كباريه الكاسبا
1958 كباريه الموروكو
1960 كباريه بامبو في الصنائع

  • يتبع- 
     
Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث