في هذه الأوقات من كل سنة، تتبارى الصحف والمجلات العالمية في تقديم لوائحها لأفضل الكتب. وتصنع حالة احتفالية قوامها الترويج لما جرى اختياره، بينما يتساءل أصحاب مؤلفات أخرى عن آلية الاختيار التي تدفع بنتاجات الآخرين إلى الواجهة وتترك إبداعهم في الصفوف الخلفية.
يصدُر هذا الأمر كل سنة، في أغلب العواصم الكبرى حيث أسواق النشر الفاعلة. لكن الإجابة عن السؤال، وفق محرري الصحف التي تنشر اللوائح مثل نيويورك تايمز والغارديان ولوموند، تُحدّد عبر لجان قراءة من محررين ونقاد داخل المؤسسات. يتلقون عدداً كبيراً من الكتب الجديدة على مدار العام، وغالبًا قبل صدورها، لمنحها تقييماً أوليًا. ثم تحصر العناوين في اجتماعات للوصول إلى رأي توافقي.
كما تؤدي الترشيحات الخارجية من الكتّاب المعروفين أو نوادي القراءة والمكتبات العامة دورها، في تقديم الرأي وإلى جانب ذلك، يبرز تأثير الجوائز الكبرى مثل "بوكر" و"غونكور" في فرض الكتب الفائزة على مختارات الصحافة.
المتابع للعملية يسأل عن المعايير المعتمدة في عملية الاختيار؛ وهي مسألة بالغة الأهمية لا يجوز تركها للنزعات الخاصة لدى المشاركين. لذلك يُفترض أن يُوضع لها دليل عمل يرسّخ المعايير المتداولة دائمًا مثل القيمة الأدبية أو الفكرية، والأصالة في الموضوع أو الأسلوب، وصدى الكتاب وتأثيره العام، إضافة إلى جودة التحرير والإنتاج.
غير أن هذه البنود تظل خاضعة لقدر من الاستنسابية، ما يجعل النظر في نسب المبيعات والحضور الإعلامي أمراً أساسياً قبل التصويت، حيث يُحسم الأمر باعتماد رأي الغالبية.
وقد أظهرت دراسة أجراها الباحث آلان سورنسن عن تأثير لوائح الكتب الأكثر مبيعاً في التسويق، أن دخول اللائحة قد يزيد مبيعات كتاب مؤلف غير معروف بنسبة حوالي 57٪ في السنة الأولى، بينما الكتب لمؤلفين مشهورين لا تتأثر كثيرًا.
كما أظهرت بيانات تتابع تأثير اللوائح أن الكتب الأكثر مبيعًا تبيع بين 10,000 و100,000 نسخة في السنة الأولى، وبعض الكتب الاستثنائية تصل إلى ملايين النسخ، مثل رواية "الرمز المفقود" لدان براون التي بيع منها حوالي 3 ملايين نسخة في سنة واحدة.
يرى مراقبون أن مشكلة فكرة اللوائح تكمن في السؤال عن عدالتها إزاء عشرات وربما مئات المؤلفات التي لا تجد مكانًا فيها. ومع الاعتراف بأن العدالة نسبية وأن الاختيارات ليست اعتباطية، يمكن تفهّم حيثيات العملية، لكن لا يمكن تجاهل أن الإصدارات في نيويورك ولندن وباريس وبرلين وغيرها من العواصم الراسخة في صناعة الكتب تمتلك حظوظًا أكبر بكثير من تلك التي تنشرها دور صغيرة في البلدان نفسها. وبناء على هذا، فإن الكتب الصادرة من الجنوب العالمي غالبًا ما تعاني ضعف التمثيل، إن لم نقل الإهمال والتجاهل.
وفي مقال بعنوان "لوائح الكتب الأكثر مبيعًا مُخِلّة بالعدالة" كتبت الكاتبة/الناشرة كاثلين شميدت: "هذا الظرف غير عادل للمؤلفين المهمشين تاريخياً" في إشارة إلى أن اللوائح تُفضّل من لديهم موارد وعلاقات ودعم تسويقي.
واتهم تحليل نُشر في مجلة الإيكونوميست العام 2024 لائحة كتب نيويورك تايمز بتجاهل كتب من دور نشر محافظة أو من تيارات فكرية معينة، حتى لو حققت مبيعات مشابهة لكتب ظهرت في اللائحة . وبناء على هذا قرر محرر دار ريجنري للنشر "قطع كل علاقة" مع قائمة الجريدة احتجاجاً على ما وصفه بالانحياز.
وتبرز هنا أيضًا سيطرة "الاسم التسويقي" لدار النشر تبعًا لقوتها المالية وتاريخها وقدرة أقسام العلاقات العامة فيها على جذب المعنيين إلى إنتاجها. فالدار التي تمتلك قسم تسويق قويًا تخلق هوىً معينًا عند النقاد؛ فهم بشر وقد يتأثرون بالصداقة أو العداء أو "الموضة" السائدة. وقد يلجأ المسوقون إلى أساليب غير لائقة أحيانًا مثل إرسال نسخ فاخرة للنقاد، أو دعوات السفر، أو حفلات خاصة مع المؤلفين، أو تقديم "دعم حصري" لمجلات مهمة، أو هدايا قد لا تُعد "رشاوى" بالمعنى القانوني لكنها تخلق شعورًا بالامتنان، وهو الاسم اللطيف لما قد يُسمّى "مديونية رمزية".
وإلى جانب كل ذلك، فإن محدودية الوقت تؤدي إلى تجاهل عدد غير قليل من الكتب، إذ يقال دائمًا إن "ما لا يصل إلى الطاولة يخرج من السباق". وتشير دراسة بعنوان "النجاح في الكتب: منهج البيانات الضخمة نحو الكتب الأكثر مبيعًا" نُشرت عام 2018، إلى أن أقل من 0.5٪ من الكتب المنشورة سنويًا تظهر في قوائم نيويورك تايمز، وأن نحو 26٪ من الكتب الروائية تظهر أسبوعًا واحدًا فقط قبل أن تختفي من القائمة، ما يؤكد محدودية الفرص.
يخسر الكتاب الذي لا يظهر في اللوائح مكاسب عديدة، أولها التراجع عن المراكز التسويقية المتقدمة؛ فبعد الظهور ضمن الاختيارات يتوجه القراء إلى الأسماء المدرجة، ويغدو حضورها على مواقع بيع الكتب الإلكترونية معززًا لفرصها، وقد يقود ذلك إلى مكاسب إضافية مثل ترجمتها إلى لغات أخرى.
ورغم كل ذلك، فإن الغياب عن اللوائح المعتبرة لا يعني حكماً بالإعدام على الكتاب؛ إذ إن الاكتشاف المتأخر من قبل القراء قد ينقله من حيز التجاهل إلى قمة الانتشار. والأمثلة على ذلك عديدة، وقد تلعب المؤسسات الأكاديمية دورًا في تكريس كتاب معين حين تتخذه مثالاً لفرضية ثقافية ما، وقد ينتبه الوسط الثقافي إلى كتاب يطرح قضية مثيرة فيشدّه إلى مركز الدائرة حيث تنصبّ الأنظار، بينما يتجاهل المؤلفون المكرسون مسألة القوائم بعدما غدوا أبطالًا للمشهد، بعدما مروا بكثير مما سبق.
