ما علّمتني "السينما الإباحية" عن مستقبل الكتابة

أحمد شوقي عليالخميس 2025/12/18
Image-1766047743
عمل فني رقمي لرفيق أناضول: تركيب وسائط الذكاء الاصطناعي في متحف الفن الحديث، نيويورك 2023
حجم الخط
مشاركة عبر

اقترفتُ ذنبًا كبيرًا. أعترف. استخدمت الذكاء الاصطناعي، عامًا، أو بعض عام، وصادقته مثل فلاح أثمر الأرض بالآلة، ومصور (رسام) أخفق في استخدام العدسة، وأتقن غياب الشمس في جوف البحر.

 

ربما ينزه الإيقاع نصي من دنس الـAI، ولكنني اضطررت إلى تعريف «المصور» بين قوسين، لأن الآلة صاغت فنًا جديدًا واشتقت من المعرفة القديمة له اسمًا، فصار التصوير إشارة إلى عملية إبداعية مختلفة لم ينتقص احتراف الماكينة من قيمتها، رغم ذلك يوشك العالم على الانهيار، لأن الذكاء الاصطناعي يخرب الفن لصالح الروبوت!

 

في «Boogie Nights»، يكاد عالم السينما الإباحية ينهار، تهدده صناعة الفيديو الطارئة، التي تعد بتدمير المهنة القديمة وتشريد أساطينها، بيد أن الفيديو نفسه اندثر، ومن بعده الـكليب، وعاش السكس، يتعاظم رأسماله، وتبتلع فيه الشركات الكبرى الأصغر منها، بينما، للغرابة، اقترح الحل التقني منصات الفرجة المباشرة، التي ربما تقدم أمانًا أكبر للمؤدين والمؤديات!

 

في مقال بمدونة «جاكوبين» يحذر الكاتبان هاجن بليكس وإنغبورغ غليمر من أدوات الذكاء الاصطناعي التي تعد بالرخاء في حين تمنحنا «أداة للقوة الطبقية تُستخدم للمراقبة وتبخيس المهارات»، وهو الخطاب نفسه تقريبًا، الذي يتبناه كل من يراقب/يمارس الفن بأي من أشكاله في المحيط العربي الافتراضي، لكنهم لا يتبنونه من مطلق ماركسي مثل كاتبَيْ جاكوبين، وإنما من منطق قيمي يفترض تميزهم، ويصنع هوة متوهمة بينهم كأصليين وبين آخر مُلفق يلجأ إلى الذكاء الاصطناعي لإنجاز وظيفته. وأرى العكس بالعكس صحيح.

 

ما نملكه حاليًا من أدوات مجانية ومدفوعة لصياغة النصوص، مثلًا، يندرج تحت بند الذكاء التوليدي، الذي يعتمد في المقام الأول على معرفة المستخدم ليعيد إنتاجها في شكل أكثر تهذيبًا، بتعبير أدق، يعيد الذكاء التوليدي تدوير القيمة، ولا يستطيع إنتاجها من تلقاء نفسه.

 

مرة شاركت فيها أصدقائي على فيسبوك، موقفًا واجهته كمحرر، حين استقبلت نصًا كتبه صاحبه بـ«شات جي بي تي»، ونسي أن يحذف من ذيله هذه الفقرة «الآن يمكنك نسخ النص مباشرة من هنا ولصقه في Word، سيبقى التنسيق مضبوطًا (عناوين، فقرات، وهوامش مرقمة). هل تحب أن أجهّز لك **صفحة غلاف مقترحة** أيضًا بنفس الأسلوب لتكون جاهزة للطباعة؟»، فاتصل بي عزيز، يظن في شخصي قدرة، أو معرفة بـ«أداة» تستطيع كشف المكتوب بالذكاء التوليدي من الأصلي. ضحكت طبعًا! أن تطلب أداة لكشف زيف أخرى، في حين ترفض في الأساس منطق عمل الاثنين!

 

Image-1766047930

 

وعلى الرغم من جهلي بما يقصد، اجتهدت بنظرية؛ أن النص الفقير، أو الذي يتضمن معلومات غير حقيقية، بالتأكيد من صناعة الذكاء الاصطناعي، بينما الغني هو الأصلي وإن لجأ صاحبه إلى «جيمني»، ذلك أننا لو افترضنا صحفيًا محدود الأدوات، فإنه يعمد إلى أداة غوغل لصياغة قصة بسيطة، من دون أن يحدد لها مثلًا، الفكرة المركزية أو المفارقة الجوهرية للنص، ولن يطلب منها بالتالي أن تصنع دافعًا سرديًا واضحًا من خلال هذه الفكرة أو المفارقة، ثم تبني النص عضويًا عبر سرد وتحليل متدرج يدمج المشاهد والحجج والأمثلة دون تقريرية جافة، أو أن تمزج سرديًا بين خطين أو أكثر من الخطوط، وتتقدّم بها بالتوازي عبر مقاطع متعاقبة، فتعيد كل خط تدريجيًا حتى تلتقي جميعها في نهاية موحّدة، كذلك لن يسألها أن تصنع انتقالات سردية ناعمة بين المفردات والجمل والفقرات. أما إن كان صحافيًا متمكنًا من أدواته -لا أقول لن يحتاج إلى جيمني لأنه يستعمله بالفعل- فسيمده بما يمكنه من إنجاز ذلك كله بكفاءة!

 

هل أغفل جهد العقل البشري، طالما امتلك صاحبه وعيًا معرفيًا؟ من الجهل حصر أدوات الذكاء الاصطناعي في قدرته على توليد النصوص وترجمتها، ومن انعدام الحس، أيضًا، تثمين الكتابة الميكانيكية، ولكن في الوقت نفسه، تنشط ورش الكتابة على تدريب الكتاب آليًا على إنتاج الأدب من مقدمة وعقدة ونقطة نور، والصحافيين على صياغة الضفيرة، حتى صارت قصصهم الصحفية عُقدًا كلها تفتقد أيَّ مشط يهذبها أو يعيد تشكيلها في نسق جديد.

 

 يقول يوهان كاوتسكي "حينما شرب البشر الماء فقط، كان كافيًا أن تقودهم الغريزة للبحث عن نبع ماء جيد وتفادي المستنقعات. ولكن هذه الغريزة تقف عاجزة أمام مشروباتنا المصنعة؛ هنا يصبح الفهم العلمي ضرورة مطلقة»، وليس المجال نصحٍ لضرورة استخدام الذكاء الاصطناعي وفهمه قبل الحكم عليه، إنما في الأصل أفترض شيئًا آخر، أن هذه الأداة، مثل الكاميرا، ستقترح مع الوقت لغة وجمالًا يخصها، أو يفندها الإنسان طالما فشلت في إدراك ذلك. يقول باختين "في كل فترة تاريخية من الحياة الإيديولوجية واللفظية، يمتلك كل جيل، داخل كل واحدة من فئات المجتمع، لغته (...) توجد حتى لغة للأيام: بالفعل، فإن "أمس" و"اليوم" ليس لهما بمعنى ما، نفس اللغة على الصعيد الاجتماعي – الإيديولوجي والسياسي».

 

لذلك كله تبدو أسئلة الخوف من الذكاء الاصطناعي أسئلة خوف من المحدودية، أسئلة غير ذات قيمة، لأن ثمة أسئلة أكثر إلحاحًا؛ هل عاش أي نص جامد؟ هل ينتقص الشكل من اللغة أم تمنح اللغة الشكل قيمته؟ هل جُبل البشر على الضعف؟ متى تنتهي خشية الإنسان مما خلق؟

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث