ديران هارماندايان...إرث نهر أبو علي في طرابلس

المدن - ثقافةالأربعاء 2025/12/17
Image-1765957580
نهر ابو علي
حجم الخط
مشاركة عبر

تنشر "المدن" محاضرة للمعمار والمخطط المدني، ديران هارماندايان، بمناسبة مرور سبعين سنة على مأساة طوفان نهر أبي علي(17-12-1955) وكارثة مشروع توسيع مجراه:

 

نشأت وترعرعت معظم المدن على ضفاف الأنهر بوصفها مصدرًا للمياه، أحد أهم مستلزمات الحياة، فشكل التفاعل بين المدينة ونهرها إحدى ركائز تراثها الحضري. ومع ديناميكيات التوسع الحضري والإهمال المضطرد للمقومات البيئية، تحوّل النهر من بيئة حاضنة للمدينة إلى إشكالية مزمنة. وهذا ما حصل في مدينة طرابلس التي نشأت ونمت عند تقاطع نهر أبو علي والطريق التاريخي الممتد أسفل هضاب أبي سمرا–التبانة. وقد ظلّ النهر محورًا عضويًا في المدينة التراثية حتى منتصف القرن الماضي، حين أدى الإهمال البشري إلى فيضانه. فتمّ اختراق نسيج المدينة التاريخية بأزقتها الضيقة بفسحة ناهز عرضها نحو 65 مترًا، احتُوي ضمنها مجرى النهر في قناة خرسانية تشاطئ ضفّتيها طرقات واسعة. وهكذا انفصل النهر كليًا عن نسيجه الحضري، كما أنّ جميع التدخلات اللاحقة هدفت إلى إقصائه وإنكاره وتدمير النظم البيئية–الثقافية للموقع، فتحوّل إلى بؤرة موبوءة بالنفايات والمياه الملوّثة. وبينما كان النهر سببًا في نشوء وتطوّر التجمع الحضري حول ضفافه، أصبح اليوم ضحية للتحضّر.

 

إن مقاربة موضوع نهر أبو علي لا بد أن تكون عملية شاملة ذات أبعاد حضارية–ثقافية، وعمل تنظيمي جماعي–تعاضدي، تهدف إلى تحويله من فاصل حدّي إلى مكوّن حيوي في النسيج العمراني للمدينة، وترقيته من بؤرة موبوءة إلى بوتقة بيئية مميزة وحاضنة اجتماعية–ثقافية. ويتطلّب ذلك العمل المنسق ضمن ثلاثة محاور:

 

1- البعد الثقافي–الاجتماعي
اعتماد استراتيجية عمل اجتماعي–ثقافي تعاضدي متعدد الاتجاهات، تُشارك فيها مختلف فئات المواطنين في جميع مراحل التخطيط والتنفيذ، بما يساهم في تعزيز تفاعلهم تجاه الموقع. إن تبنّي أهل المدينة للأهداف المنشودة ومشاركتهم في وضعها وتحقيقها يشكّل أنجع وسيلة لضمان نجاحها واستدامتها.

 

2- خصوصيات النهر الطبيعية
التعمّق في دراسة خصوصيات وقدرات النهر، من منبعه وعلى امتداد مجراه حتى مصبّه في البحر، مع البحث في الوسائل الناجعة لاحتواء تدفّق المياه في فصول الذروة، وتأمين الحد الأدنى من الجريان في فترات الشح، والحفاظ على البيئة، والاستفادة من الفسحات المحيطة بالنهر في مختلف المواسم.

 

3- إعادة احتواء النهر ضمن حياة المدينة
إعادة دمج نهر أبو علي في سياق مدينة طرابلس من خلال مقاربة شاملة لمجراه على امتداد المنطقة الحضرية، من جنوب منطقة الزيتون مرورًا بالمدينة القديمة وصولًا إلى المصبّ، وذلك في مقاطعه الثلاثة المتمايزة وفق خصوصيات كل منها. ويأتي ذلك ضمن استراتيجية خلاقة تُحقق نقلة نوعية تُحوّل وضع النهر الحالي من فاصل حدّي موبوء إلى شريط تواصل بيئي مميز، جامع لأواصر المدينة، يستقطب سكان طرابلس والجوار عبر متنزه شريطي وحدائق متواصلة على ضفّتيه، تحتضن مجرى النهر وتتكيف مع حجم التدفّق في الفصول المختلفة، وتستوعب سوق الخضار الشريطي في المدينة القديمة، مع إزالة السيارات من الموقع وتأمين مواقف بديلة، وإزالة مكبّ النفايات من منطقة المصبّ.

 

ويأتي كل ذلك ضمن رؤية علمية شاملة، مغايرة للأنماط الهندسية محدودة الأفق السائدة، تستلهم تجارب عالمية ناجحة تعيد الأنهار إلى قلب المدن بطريقة بيئية مبتكرة، فتولد حياة وأنشطة وتفاعلات جديدة، وتحول النهر إلى قلب نابض للمدينة بدلًا من أن يكون عبئًا عليها كما هو الحال اليوم.

 

Image-1765957752


لا بد من مراجعة مسهبة لتحولات التفاعل بين النهر والمدينة عبر الأجيال، التي تتفاوت بين إرث التكامل والنفور المستجد، كخلفية أساسية للبحث في سبل إعادة إحياء هذا التفاعل وفق المقتضيات المستحدثة والمتغيرات السريعة للمستقرات البشرية، وبالتحديد مدينة طرابلس. فبناء استراتيجيات تنمية مجدية ومستدامة لا بد أن يعي سياق الأوضاع المستجدة، أسبابها ونتائجها لبناء الرئة وتقويم المسارات السلبية.

 

منذ القدم اعتُبر النار والماء، بمعنى الحرارة والرطوبة، من مقومات الحياة الأساسية وركيزتا استدامتها. فاستوطنت البشرية حول أو إلى جانب مصادر المياه الطبيعية وبشكل خاص الأنهر، حيث نشأت معظم المدن على ضفاف الأنهر التي شكلت شريان إحدى مستلزمات الحياة الأساسية للمدينة. فالمدن الكبرى ما زالت حتى يومنا تُعرف بالنهر الذي يجتاحها.


استمرت المستقرات البشرية متفاعلة مع بيئتها الطبيعية، والنهر من أهم مكوناتها، حتى العصور الحديثة، حيث التوسع الحضري السريع، وديناميكيات السكان المترافقة مع تطور التقنيات المستحدثة في تأمين مستلزمات استدامة الحياة، ترافقت مع إهمال مضطرد للمقومات البيئية. فتحول النهر إجمالا من بيئة حاضنة للمدينة إلى إشكالية، ما أدى إلى نفوره التدريجي وانفصاله عن النسيج الحضري.

 

هذا ما حصل في معظم المدن بين منتصف القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين، حيث تم حصر مجرى النهر في معظم المدن ضمن قناة، محولا مجراه إلى حاجز فاصل بين أجزاء المدينة. إلى أن ترقى لاحقا الوعي البيئي وأهميته لاستدامة الحياة، وعلى أساسه تم إبداع الوسائل المتنوعة المبدعة، وفق مقومات كل حالة، لإعادة إدماج النهر ضمن حياة المدينة، وبشكل خاص تحويل ضفافه إلى فسحات حضرية مميزة وترفيهية تستضيف سكانها.

 

استدام نهر أبو علي محورا عضويا ضمن مدينة طرابلس التراثية، والتي كانت قد نمت وترعرعت على ضفافه حتى منتصف القرن الماضي، حيث كان الفيضان بسبب الإهمال البشري والتطاول على مجرى النهر في تخوم تماس النهر مع منطقة طرابلس. فكانت الزريعة، بالإضافة إلى اعتبارات سياسية أمنية، لاختراق نسيج المدينة التاريخية بأزقتها الضيقة بفسحة تناهز عرضها حولي 65 مترا على مدى المدينة، حيث تم احتواء مجرى النهر في قناة خرسانية ُشاطئ ضفتيها طرقات واسعة النطاق. فانفصل النهر كليا عن نسيجه الحضري، ودُمر النظم البيئية-الثقافية للموقع، والتي كانت تسمح في السابق بتفاعل الناس الحضري الإيجابي مع الموائل القائمة. فبينما كان النهر سببا لنشوء وتطور التجمع الحضري حول ضفافه، أصبح ضحية للتحضر.

 

تهاوى تدريجيا تواصل سكان المتشاطئة مع نهرهم، الذي تحول إلى بؤرة موبوءة بالنفايات والمياه الملوثة، خاصة في فصل الصيف مع شح مياه النهر الجارية، فأصبح مجال النهر حاجزا فاصلا منبوذا بيئيا، حيث لا يكون النهر موجودا ولا غائبا في نفس الوقت ضمن سياق المدينة. بينما جميع الإعمال التي أقيمت لاحقا هدفت إلى إنكار النهر وتخطيه بهدف تحقيق التواصل بين ضفتيه.

 

Image-1765957895
Image-1765958124

 

إن تأهيل مجرى النهر يجب أن يتبع مبدئيا منهجية تهدف إلى تحويله من الفاصل الحدي إلى المكمل الحيوي للنسيج العمراني للمدينة، وترقيته من بؤرة موبوءة ومنبوذة إلى بوتقة بيئية حضرية مميزة، وحاضنة اجتماعية ثقافية للمدينة. وهذا يتحقق من خلال مقاربة شاملة (comprehensive(، ذات أبعاد حضارية-ثقافية، وبنهج مكاني-اجتماعي وعمل تنظيمي- تعاضدي، يعيد استيعاب المدينة لنهرها، واحتضان النهر من قبل سكانها، وبشكل خاص المتشاطئة على ضفافه، وليس مجرد عمل هندسي. وقد برهنت التجارب السابقة عدم جدوى مقاربة إشكالية النهر بحلول ِ موضعية ُمحدّدة. كما أن استعادة مسار النهر كبوتقة حضرية لا يمكن أن تقتصر ضمن نطاقه المديني فحسب، بل عليها أن تشمل مجراه الشامل على امتداد منطقة طرابلس، ما يتطلب العمل المنسق من خلال ثلاث محاور أساسية متكاملة ومترابطة عضويًا.


المحور الأول: البعد الثقافي الحضاري.
من أهم مستلزمات نجاح استراتيجية إنمائية، تبنيها من أصحاب العلاقة، وفي هذا الحال المتشاطئين لمجرى النهر في المكان الأول، كما أهل طرابلس بالمطلق. ما يتطلب عمل اجتماعي ثقافي تعاضدي متعدّد الاتجاهات، يتجسد في إشراك الأهالي الفعلي في جميع مراحل العملية؛ من مرحلة بناء التصور الأولي، وضع الاستراتيجيات لتحقيقه، إلى تنفيذ الأعمال، ومن ثم التعاطي الحضاري والمتابعة لتأمين الاستدامة الغائبة كليا في الثقافة المحلية.

 

اعتماد هكذا منهجية أساسية كي يتبنى أهل طرابلس للإستراتيجيات المعتمدة ومن ثم تحقيقها بمشاركتهم، إن من ناحية الإدارة أو الأعمال، ما يخلق بالتوازي فرص عمل بمستويات مختلفة والتي المدينة بحاجة ماسة لها، وأخيرا وضع بمشاركتهم سبل تأمين استدامة المقومات البيئية المنشودة. تساهم هذه المنهجية في احتضان أهل المدينة لجميع مراحل الأعمال، تحفيز تفاعلهم الإيجابي تجاه الموقع، وبشكل خاص التوعية البيئية وترقية سلوكهم للحفاظ على الأوضاع الحضرية والبيئة المضيافة لمجرى النهر، المستحدثة لخدمتهم من قبلهم واستدامتها.


هذا يتطلب العمل بمؤازرة الجمعيات والمؤسسات التقنية والثقافية المحلية المختارة إلى جانب السلطات المعنية، والتفاعل مع الأهالي في جميع المستويات، من خلال العروض ومناقشة التوجهات والخطط، في سياق حوار ديموقراطي وليس الشكلي كالمعتاد، والتوعية للمصالح المشتركة باعتماد العمل التعاضدي الإيجابي البناء.

 

طبعا هكذا منهجية ليس بديهية أو ميّسرة المنال، وتتطلب إلى كثير من الدراية وبعد النظر والحكمة والتواضع في التنظيم والحوار، نظرا لتشرذم المجتمع اللبناني إجمالا، والفردية السائدة في سلوكهم، وفوقية تعاطي الأخصائيين المفترضين. ولكن الحكمة تكمن في تخطي هذه السلبيات بالتركيز على المصالح المشتركة الحاضنة للمصالح الخاصة، وبالتحديد بناء الثقة.


فلا بد من أخذ العبر من الأعمال الفوقية المعتمدة بادعاءات تقنية سطحية قصيرة الرئة، الخالية من وسائل التحقق والمساءلة، كما المجردة من سبل الاستدامة، والسارية في البلد للأسف، والتي تحضن بذاتها دواعي فشلها أو سلبياتها إجمالا، وتهاوي ثقة المواطنين بالمطلق.

 

المحور ثاني: خصوصيات ومقومات النهر بحد ذاته.
قبل البدء بالتفكير في أي خطط أو إجراءات، لا بد من التعرف المستفيض لمقومات نهر أبو علي، لكي تبنى التوجهات المعتمدة وفق مقتضاه. وذلك من خلال دراسة هيدرولوجية دقيقة لتقييم حجم سيلان مياه النهر المتفاوتة في الفصول المختلفة، تشخيص نوعيتها، وتحديد العوامل المؤثرة، من منبعه وعلى إمتداد مجراه في وادي قاديشا وقنوبين حتى تخوم منطقة زيتون طرابلس، وتحديد مواقع وأسباب العوائق والتلوث، كي يتم دفع الجهات المسؤولة الرسمية للعمل على معالجة المؤثرات السلبية، كما التحديد بشكل خاص حجم المياه الجارية في فصول الذروة، وكذلك في فصول شح سيلان مياه النهر ضمن نطاق منطقة طرابلس.

 

سوف تقود هذه الخلفية إلى إمكانية اعتماد طروحات مرنة ومبدعة تتأقلم مع أوضاع النهر المتباينة خلال فصول السنة، كما إمكانية احتواء الفيضانات الطارئة؛ وتفسح مجال البحث في والسائل الخلاقة لاحتواء سيلان المياه في فصول ذروته، وبالمقابل وسائل تأمين الحد الأدنى من المياه الجارية في فصول شح المياه والحفاظ على نقائها، والاستفادة من الفسحات المحيطة الناتجة لمجرى النهر في الحالتين لخلق حديقة ومنتزه شريطي تحضن النهر وتتأقلم مع أحوال الفصول المختلفة.


المحور ثالث: إن إعادة احتواء نهر أبو علي ضمن سياق طرابلس لا يمكن تحقيقها بمداخلات جزئية منفصلة، تُختصر بمواقع ُمحددة، بل تتطلب عملية شاملة لمجرى النهر على إمتداد منطقة طرابلس، من أطراف زيتون طرابلس في جنوبه إلى نطاق المدينة التاريخية وامتداده حتى مصبه في البحر شمالا، ما تبرز ثلاث مقاطع متفاوتة ِ موضعيا، تخضع إلى ثلاث أنظمة بيئية متمايزة، يُفترض أن تتكامل مع بعضها البعض من خلال مقاربات متناسقة وفق مقومات البيئية والحضرية لكل منها.
 

Image-1765958293


ا- امتداد النهر ضمن المدينة التاريخية من تخوم جسر المولوي جنوبا إلى جسر الملولة شمالا.
 

Image-1765958434

 

هذا الشطر من مجرى النهر هو الأكثر حساسية وتحوطا بالاهتمام. طبعا لكونه ضمن النطاق الحضري للمدينة. وبالتالي تَعّرض لأعمال ومداخلات هندسية دورية محدودة الأفق ومجردة من أي بعد حضري، منذ إنشاء القناة الحاضنة للنهر وفصله عن بوتقته المدينية. والمفارقة أن جميع هذه الأعمال هدفت إلى إنكار وجود النهر، لا بل تخطيه وإلغائه، من خلال مقاربة كل عنصر من مكونات المكان - مجال سيلان النهر، الطرقات الموازية، سوق الخضار، ركن السيارات - كل واحد منها على حدا بمعزل عن إمكانية التكامل المنسق في ما بينها.

 

Image-1765958563


الإشكالية الأساسية تكمن بوضع المجال الواسع الخارق لنسيج المدينة التراثية والحواجز الإسمنتية المقامة على جانبي القناة لاحتواء مجرى النهر. ما يستوجب إبداع التصاميم المبتكرة المرنة للتواصل بين مجرى النهر في الفصول المختلفة من السنة وأطراف الطرق الممتدة على جانبيه، من خلال إنشاء منتزهات متدرجة ومتواصلة ضمن شريط حدائقي خضراء تحتضن مجرى النهر، تتأقلم مع مستوى سيلان المياه خلال الفصول المختلفة من السنة، وتتكامل مع الفسحات الخضراء حول جامع البرطاسي والقلعة والتكية المولوية حيث تتحول إلى حدائق واسعة في المنحدرات بينها وبين مجرى النهر.
 

Image-1765958694

 

لقد نشأ تلقائياً، على مدى الطريقين المستحدثين بمحاذاة قناة النهر، سوق خضار شعبي نشط للبائعين الجوالين، يستقطب سكان المدينة والعابرة، ما يشكل اليوم المجال الحيوي الوحيد على جانبي النهر، والذي بطبيعته يحتضن إمكانيات تشكيل العنصر العضوي لتواصل المكان مع نسيج أسواق المدينة التراثية. إن مقاربة هذا الموضوع بشكل منفصل أدى إلى حلول كارثية للمكان والوظيفة في الآن، بتخطي وجود النهر ومحاولة عزل وظيفة السوق، والتي سوف تشكل موقع العائق المستعصي لإعادة التلاحم والتواصل بين النهر وبيئته المحيطة. حيث تحول السقف المقام فوق النهر بطول 300 متر لاحتواء سوق الخضار، إلى موقف للسيارات، بسبب عدم استيعاب ديناميكية هذا السوق الذي يعتمد على المارة.
 

Image-1765958940

 

إن المدينة التراثية بما فيها منطقة النهر بالأساس بوطقة للمشاة متناسقة مع نسيجها الحضري. فلا بد من الطرقات المحدودة التي تخترقها لتامين إمكانية الوصول أو العبور من خلالها، ولكن لا مجال لمواقف السيارات والتي تخلق فسحات منافية لتكوين نسيج المدينة التراثية، مثل المواقف على جانبي الطرق المحاذية لمجرى النهر، موقف السيارات بين القلعة التاريخية ومجرى النهر، والسقف فوق مجرى النهر، وغيرها من المواقع. ما يستوجب خلق مواقف للسيارات على أطراف المنطقة، ربما متعددة الأدوار بالتناسق مع النسيج العمراني المجاور، بالإضافة إلى إمكانية إقامة مواقف تحت الطرق الموازية لمجرى النهر مع تواصلها بشريط المنتزهات على جانبيه، ومنع ركن السيارات في المنطقة، ما يساهم أيضا في تحجيم نطاق الطرقات للسيارات وتطوير المنتزه الشريطي وممرات المشاة المشجرة، وبشكل أساسي إعادة البعد الحضاري للمنطقة، حيث يشكل مجال النهر المضياف حلقة تكامل نسيج المدينة التراثية على ضفتيه، يتواصل معها من خلال سوق الخضار الشريطي المنظم على امتداد المنطقة. 

Image-1765959223


ب- امتداد مجرى النهر من جسر الملولة إلى مصبه في البحر شمالا.
 

Image-1765959369


وضع هذا الشطر من مجرى النهر مشابه للشطر السابق بما يخص الحواجز الإسمنتية المقامة على جانبي القناة لاحتواء مجرى النهر، ولكن معالجته أسهل لتكملة توجهات الشطر السابق كونه خالي من الأعمال المستجدة، ومحيطه يتكون من بعض المنشئات المتناثرة ضمن بساتين خضراء.


الإشكالية الأساسية المستعصية هنا تكمن في مجرى النهر، حيث أنشأت محطة معالجة للمياه الآسنة ومكب للنفايات، والتي هي هرطقة تنظيمية فادحة تجري اعتمادها في لبنان. بينما في العالم تعتبر منطقة مصب النهر في البحر من أكثر المواقع جاذبية بيئيا، ويتم التعامل مع الموقع على أساسها. إن إدماج هدا الموقع مع شريط المنتزه الحدائقي على جانبي مجرى النهر سوف يتطلب مجهودا إبداعيا خلاقا مميزا، وبشكل خاص مقاربة محطة معالجة المياه الآسنة المنشأة بمواصفات المحطات البعيدة عن الأماكن الحضارية، ما يستوجب إحاطتها بأشجار كثيفة الأوراق. والمفارقة المذهلة أنها، وبعد عقود من إنشائها، تعمل حاليا من خلال المياه الأسنة التي تُنقل إليها بالصهاريج من المناطق المختلفة في غياب الشبكات الموصلة إلى المحطة. بينما مكب النفايات يجب نقله من هذا الموقع حتما، إلى معمل لفرز ُ ومعالجة النفايات ضمن منطقة مصنفة صناعية.

 

Image-1765959502


ج- امتداد مجرى النهر ضمن منطقة زيتون طرابلس على مدى أطرافها الشرقية جنوبا، حتى تواصلها مع التمدد الحضري بين أبي سمرا وضهر المغر بمحاذاة جسر المولوي.
 

Image-1765959631


هذا الشطر يشكل وادي نهر أبو علي الخضراء، ضمن منطقة زراعية خصبة مغطاة بأشجار الحمضيات في امتداده الجنوبي، حيث في أطرافه ُكون الحدود الفاصلة عن مناطق مجدليا، عردات، كفرحورا وبكفتين ضمن قضاء زغرتا. بينما القسم الشمالي في تخوم المدينة، يُكون الوادي سهلا خصبا محاطا بالمنحدرات على جانبيه حتى جسر المولوي وما بعده، فيصوغ فسحة الانفتاح نحو امتداد الوادي جنوبا وتمدد المناظر البانورامية شمالا نحو المدينة القديمة في ضفتي النهر، خاصة القلعة وباتجاه هضاب أبو سمرا من جهة وضهر المغر من الجهة الأخرى. يتم تنظيمه كحديقة عامة بالتكامل مع الحدائق والفسحات حول القلعة والتكية المولوية من الجهة المقابلة لجسر المولوي، مع ربط ضفتي النهر للمتنزهين بجسور للمشاة، وإقامة برك تُجمع فيها مياه النهر، والتي ربما تساهم في تغذية مجرى النهر في فصول شح المياه، كما تساهم لاحتواء الفيضانات الطارئة غير المتوقعة؛ فيشكل هكذا تتويج لحديقة المنتزه الشريطي الحاضن لمجرى النهر والمتواصل حتى منطقة مصبه. فلا بد من التنسيق مع الجوار لتوفير وسائل الحفاظ على البيئة ونقاوة المياه الجارية على امتداد هذه المنطقة.
 

Image-1765959736


بالمحصلة، إن أي إستراتيجيات مستقبلية مستدامة يجب أن تكون مقاربة شاملة، تهدف إلى استرجاع موقع نهر أبو علي كمكون عضوي وحيوي لمنطقة طرابلس، وبشكل خاص بتماس مناطقه الحضرية، وبيئة مميزة مضيافة ترتقي من خلالها الصورة الحضارية للمدينة، والنقل النوعي من وضع النهر المستجد كفاصل حدي وموبوء إلى شريط تواصل جذاب مميز بيئيا، جامع لأوصار المدينة، يستقطب سكان طرابلس والجوار للترفيه ضمن منتزه شريطي
وحدائق متواصلة تحضن مجرى النهر على امتداد ضفتيه، بنطاق وتنظيم متفاوت وفق خصائص ِ الموضع، وضمن حلول مرنة ومبدعة تتيح التأقلم بديناميكيات سيلان مياه النهر في الفصول المختلفة، مع تأمين ممرات للمشاة المتأقلمة بيئيا للتواصل بين ضفتي النهر، وإزالة جميع الأعمال الخرسانية المقامة إلى جانبي وفوق مجرى النهر المعادية للبيئة والمنافية لروح المكان التراثي الحضاري.


لا بد من البحث في أمثلة من التجارب في العالم لتبيان نمازج طرق التفكير لإبداع الحلول الخلاقة وفق خصوصيات المناطق والمواقع. فالنموذج التالي يهدف فقط لإظهار الإمكانيات المتاحة المبدعة، مع أنه لا يقارن مع مقياس نطاق نهر طرابلس.

نهر ترنيتي يخترق مدينة دالاس بمساحات شاسعة، التي تمتلئ بالمياه خاصة عند فصول الفيضانات الموسمية. فتم تصميم حديقة على مجال ضفاف النهر لتمتلئ بالمياه عند حدوث الفيضانات، حيث تخلق حديقة نهر ترينيتي التي تبلغ مساحتها حوالي 4000 هكتار، من خلال تصميمها القابل للتكيف، طريقة لتنسيق السيطرة على الفيضانات مع التنزه والترفيه والحفاظ على البيئة. فتعيد الحديقة صياغة علاقة دالاس بنهرها، وتَخلق بالتوازي مكان مملوكا للجميع.
 

Image-1765959872

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث