أسوأ ما يمكن أن يشعر به أي مبدع أن يجد منجزه الإبداعي لا يلبي طموحات متلقيه، والأسوأ بل وإيلاماً أن يشعر هو بعدم الرضا عن صنيع يده، ربما لن يخبرك صناع فيلم "الست" عن شعورهم الخاص تجاه هذا الذي ألقوا به إلى صالات العرض قبل أيام، لكنهم بكل تأكيد أيقنوا أن فيلمهم قد أصاب المتلهفين لمشاهدته بحالة من الإحباط، ليس فقط لأنه لم يلب طموحاتهم في فيلم عن معشوقتهم الخالدة، وإنما كذلك لأنه - في الوقت ذاته - لم يكن عملاً جيداً، حتى بعيداً من سردية حياة امرأة تخطت حدود دورها كمطربة ذائعة الصيت إلى كونها لاعبة أساسية في محيطها العام، في زمن اللاعبين الكُثر والأحداث جسام، ورغم أن فيلم المؤلف أحمد مراد والمخرج مروان حامد لم يمض على إطلاقه سوى أيام، فإن ما تعرض له من كتابات أو مراجعات فيديوية خلال هذه الفترة الوجيزة يرشحه ليكون اكثر الأفلام العربية إثارة للجدل والاختلاف.
ولئن كان الفيلم الذي أريد له أن يكرم تلك السيدة الاستثنائية قد وفق في أن ينزع عنها قدسيتها التي لازمتها في كل الأعمال الدرامية التي تناولتها سابقا سينمائيا وتلفزيونيا ومسرحيا فإنه – على ما يبدو – ومن فرط الحرص على هذا الغرض قد ذهب إلى ما هو أبعد، وقام بتعريتها وتجريدها من إنسانيتها تاركا لها مجرد ورقة توت في قليل من المواقف تستر عورة وتذر الرماد في العين، فقام بإظهارها امرأة مادية خسرت تباعا أفراد أسرتها بسبب المال رغم أنها هي التي تبرعت على مدى ست سنوات بين عامي 1967 و 1973 بكل مدخلاتها وأرباحها لصالح المجهود الحربي في مصر، ليس هذا فقط بل هي أيضا تتلاعب بمشاعر أقرب رفقائها وصانعي مجدها الشاعر أحمد رامي والموسيقار محمد القصبجي من أجل مصلحتها الشخصية، وهي حادة الطباع تجاه أفراد فرقتها وزملائها الموسيقيين الذين كسبت أصواتهم في انتخابات نقابتهم بالتهديد والوعيد وليس بالحب والتقدير.
امرأة كانت تقرب الرجال وتبعدهم بميزان من ذهب وفق احتياجاتها النفسية والفيسيولوجية، وتجربتاها في الزواج من الموسيقار محمود الشريف والطبيب حسن الحفناوي أكبر دليل على ذلك، امرأة أرادت إلا تكون بـ"وشين" بحسب تعبير "الست" منى زكي تجاه حركة الضباط الأحرار في يوليو 1952 لكنها كانت بالنهاية كذلك. نعم كانت أم كلثوم قوية وحادة الذكاء وذات قدرة فائقة على حماية دولتها الغنائية ومنجزها الذي أفنت فيه عمرها، غير أن الفارق كبير بين القوة والغلظة، بين الحزم وانفلات الأعصاب، بين الغاية والوسيلة، لكن يبدو أن صناع الفيلم قد تغاضوا عن ذلك كله في مسعاهم للاختلاف عن كل ما سبق.
ورغم رنين الأسماء التي صنعت فيلم "الست" فقد بدا عملاً مفككاً أقرب إلى مواقف منفصلة ليس بينها رابط سوى أم كلثوم نفسها من دون بناء درامي محكم يشبع الحدث ويعمق شخصياته، وبدا أيضا فيلما مرتبكاً في كل شيء: في اعتماد لعبة تداخل الزمن بين اللحظة وتداعياتها، بين الفني والشخصي، بين استخدام المشاهد الملونة ومشاهد الأبيض والاسود بلا هدف محدد أو واضح، بين إيقاع لاهث سريع وآخر بطيء ممل صنع خللاً بارزاً في توليف الفيلم والحفاظ على "ريتم" متناسق، كذلك بين تناغم موسيقى هشام نزيه وأصل موسيقى أغنيات كوكب الشرق، بين صوتها وصوت المطربة نسمة محجوب التي أتوا بها من أجل غناء أغنيات هي متوفرة بالأساس بصوت صاحبتها الأولى، بين أداء جيد لمنى زكي في بعض المشاهد وغياب التوفيق عنها في أخرى. وفي ظني أن ذلك كله عائد إلى ضعف السيناريو للمؤلف أحمد مراد الذي لم يدرك أن الفارق كبير بين أن تكون كاتباً روائياً نابها أو حتى كاتب سيناريو جيداً وبين أن تتصدى لكتابة عمل قائم على السيرة الذاتية، وعن امرأة ليست ككل النساء في حياة أمتها، ويكفي أن الفيلم قد غص بكثير من الأخطاء التاريخية والمعلوماتية التي كان يجب ألا يقع فيها صناع فيلم توفر لهم كل شيء.
والسؤال هنا: هل يكفي تصدير عبارة أن الفيلم مستوحى من قصة حياة أم كلثوم كي ينجو من أية مآخذ على انتقاء المواقف التي حشرت فيه، أو على المراجعات التي تتعلق بالجانب المعلوماتي أو التاريخي؟ لا أظن، لأن الاستلهام لا يعني تزييف وقائع مثبتة أو تمييعها أو حتى اختلاقها من العدم، وقد أفهم أو أتفهم أن تنسج حوارا بين الشخصيات في إطار مضمون الوقائع لا أن تنزع عنها مصداقيتها متناسيا أن الأعمال الدرامية قد باتت واحدة من مصادر استقاء المعلومات لدى جيل لا يجد حماساً كافيا للقراءة واستجلاء المعلومة، وإذا أردتم أمثلة على هذه الأخطاء، فإليكم بعضا منها:
أولاً: بنى الفيلم افتتاحيته على حادثة غير دقيقة تتعلق بوقوع أم كلثوم على مسرح الأوليمبيا في باريس في حفلتها الأولى هناك يوم 13 تشرين الثاني وهي تبتدئ غناء أغنية "انت عمري" على أثر محاولة معجب جزائري تقبيل قدمها، مع العلم بأن ما حدث كان أثناء غناء جزء متقدم من قصيدة "الأطلال " في حفلها الثاني بعد يومين من الحفل الأول، وهذا الخطأ ناتج عن اعتماد صناع الفيلم على رواية الكاتب محمد سلماوي لهم باعتباره كان حاضراً للحفلين في باريس رغم أن الثابت بحسب الصحافة المصرية والفرنسية واللبنانية أن الواقعة المقصودة كانت فى الحفل الثاني، وأثناء غناء قصيدة "الأطلال" وليس "انت عمري" ولكن يبدو أن الحالة الدرامية المغرية الناتجة عن سقوط كوكب الشرق على المسرح قد دفع صناع الفيلم إلى عدم التفكير في اي شيء آخر.
ثانياً: وانطلاقاً من هذا التمييع فإن قيام أم كلثوم بلقاء الشاب الجزائري بعد الحفلة الأولى والصفح عنه وإهدائه دعوة حضور حفلتها الثانية لم تكن صحيحة، لأن ما حدث كان في الحفلة الثانية بالفعل، فكيف تدعوه إليه وقد تم؟! وكل ما فعلته في الحقيقة أنها أوعزت إلى السفير المصري في باريس عبد المنعم النجار بالتدخل من أجل إفراج السلطات الفرنسية عن الشاب المقتحم، وهو ما حدث بالفعل.
ثالثاً: نسج الفيلم موقفا دراميا عظيما مبنيا على زيارة أم كلثوم الأولى إلى القاهرة سنة 1924 مع العلم بأنها كانت قد زارت القاهرة أكثر من مرة وغنت فيها من قبل، وإن كان المقصود هو الاستقرار في العاصمة فإن ذلك كان العام 1923 وليس بعده.
رابعاً: هل من الكياسة أن يعرض الفيلم أن متعهد حفلات اسمه صديق أحمد، وهو مجرد تاجر، أعطى أم كلثوم قوة الدفع الأولى وأقنع أسرتها بالسفر إلى القاهرة وتجاهل الدور الحقيقي للشيخ أبو العلا محمد مكتشف أم كلثوم الفعلي ومن أتى بها إلى القاهرة؟ بل أن الفيلم لم يأت مطلقاً على ذكر أبو العلا محمد أو رياض السنباطي ومحمد عبد الوهاب وزكريا أحمد وبليغ حمدي وغيرهم ممن صنعوا مسيرة أم كلثوم في الوقت الذي ذكر فيه أشخاصا هامشيين دخلوا وخرجوا حياة الست من دون أي تأثير او أثر وكأن إنجاز كوكب الشرق كان صنيعها بمفردها.
خامساً: هل لم يعرف أحمد مراد أو لم يقل له أحد المراجعين – إن وجد فعليا – أن مجلة الكواكب التي واكبت نجاح أم كلثوم في بواكير وجودها في القاهرة لم تكن قد صدرت حتى نهاية العشرينيات لأن عددها الأول صدر في الثامن والعشرين من مارس 1932 أو أن مجلة "آخر ساعة" لصاحبها محمد التابعي كانت تصدر منذ الرابع عشر من يوليو 1934 قبل عشر سنوات كاملة من حوار "الست" مع التابعي الذي أفضت له بأنها تريد أن تكون شريكة له في مجلة جديدة يصدرها كي تكتب فيها مقالات بنفسها مع العلم بأنها لم تكن بحاجة إلى دفع أموال للكتابة لأن كل صحف عصرها كانت تتمنى أن تستكتب أم كلثوم، وهو ما كان يحدث بالفعل حتى ولو على نطاق ضيق ناهيك عن الحوار الركيك في هذا المشهد بين أم كلثوم والتابعي؟
سادساً: في واقعة قيام الموسيقار محمد القصبجي بإطلاق الرصاص على أم كلثوم ومحمود الشريف على أثر عقد قرانهما وتصريح أم كلثوم بأنها تنوى اعتزال الغناء كل ما هو معروف بشأنها أن الرجل قد هدد فقط بإطلاق الرصاص لكنه لم يفعل، فلو كان فعل لما فوتتها له الست التي احتفظت به في فرقتها حتى رحيله في منتصف الستينيات، فهل هناك مصدر لا نعرفه اعتمد عليه أحمد مراد؟ ربما.
سابعاً: هل كانت مجلة المصور بحاجة لتكليف أحد مندوبيها بالتحري من أم كلثوم عن صحة قراراها بالاعتزال بعد زواجها من محمود الشريف وبين قادتها الصحافيان الكبيران فكري باشا أباظة وصالح جودت وثيقا الصلة بكوكب الشرق؟
ثامناً: عندما قامت الثورة في مصر العام 1952 لم تكن أم كلثوم بالإذاعة المصرية تجري بروفة على إحدى أغنياتها، وإنما كانت تستجم من حرارة الصيف قي مدينة الإسكندرية، ومن ثم فإن اختلاق موقف درامي بأن أحدا قطع عليها بروفتها وأبلغها بأن مندوب الضباط الأحرار الذي من المفترض أنه أنور السادات يريدها أن تلقي بيان حركة الجيش إلى الشعب، وأنها رفضت ذلك حتى لا تبدو بـ"وشين" ومنافقة بحكم ولائها السابق للملك كان افتئاتا متعمدا على الحقائق التاريخية المعروفة، خاصة وأن أم كلثوم سريعا قد سارت في ركاب الحركة المباركة من دون مبالاة بولائها المعروف للعهد السابق.
تاسعاً: كفانا ترداداً لكلام لا يستند إلى حقيقة من أن قادة الثورة قد حاربوا كوكب الشرق في البدايات باعتبارها من العهد البائد على حد الرواية التي يتم تداولها ونقلها نقلا ببغائياً.
عاشراً: بأي منطق أراد الفيلم أن يقنعنا بأن أغنية "مصر التي في خاطري وفي فمي" التي غنتها أم كلثوم بالأمر أمام نائب الرئيس جمال عبد الناصر سنة 1952 قد تم تأليفها وتلحينها وعزفها وتحفيظ المجاميع في ليلة واحدة على غير رغبة الست التي كانت تعانى من اعتلال غدتها الدرقية في هذا الوقت، لكن عبد الناصر أجبرها على ذلك، وواقع الأمر أن أم كلثوم قد غنتها للمرة الأولى في حفل اعتيادي كان الأول بعد قيام الثورة أقيم في الثاني من تشرين الأول 1952 بصالة سينما ريفولي بالقاهرة مع أغنيتين أخريين هما "مصر تتحدث عن نفسها" و"سهران لوحدي" كانت ثلاثتها قد أخذت وقتها الكافي في التجهيز والبروفات.
وبعد: فإن بعض هذه الأخطاء تصل إلى حد الخطايا في حق أم كلثوم وحق تاريخها وحق الناس في التعامل مع الحقيقة، ولا أدري ما دور المراجعين التاريخيين في عمل ضخم مثل هذا من المفترض أن يكون أكثر دقة من ذلك حتى لو أراد الاحتماء بعبارة انه مستوحى من قصة حياة أم كلثوم.
