عُثر، الأحد الماضي، على جثتي المخرج السينمائي الشهير روب راينر وزوجته ميشيل راينر في منزلهما بمدينة لوس أنجليس في ولاية كاليفورنيا الأميركية. وفي الساعات القليلة الماضية، ألقت شرطة لوس أنجلوس القبض على نجل الزوجين، نيك راينر، باعتباره المشتبه به الرئيسي في الجريمة. الابن، الذي عانى إدمان المخدرات والتشرّد، أودع في سجن المقاطعة، حيث حُددت كفالته بمبلغ 4 ملايين دولار.
كان راينر شخصية بارزة في صناعة السينما، كمخرج وممثل ومنتج، وحقق نجاحات عديدة خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، من بينها اثنان من أكثر الاقتباسات السينمائية شهرةً لأعمال ستيفن كينغ الأدبية، والفيلم الكوميدي الرومانسي الخالد "عندما التقى هاري بسالي". لم يكن راينر ممن يترددون في قول الحق، فقد دعم مرشحي الحزب الديمقراطي للرئاسة في مناسبات عديدة، ودافع عن التعليم المجاني لمرحلة ما قبل المدرسة، ولعب دورًا محوريًا في إلغاء حظر زواج المثليين في كاليفورنيا.
هزّ نبأ وفاة روب راينر أوساط هوليوود، لأنه لم يكن مجرد شخصية معروفة، بل محبوباً أيضاً في الوسط الفني. كان راينر شخصية بارزة في صناعة السينما، وشملت مسيرته المهنية كمخرج وممثل ومنتج العديد من الأفلام الناجحة خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، مثل فيلمه الأول "ذيس إز سبينال تاب" (1984)، واثنين من أكثر الاقتباسات السينمائية شهرةً لأعمال ستيفن كينغ الأدبية - "ابق بجانبي" (1986) و"بؤس" (1990) – و"الأميرة العروس" (1987) و"بضع رجال طيّبين" (1992)، والفيلم الكوميدي الرومانسي الأيقوني "عندما التقى هاري بسالي" (1989)، من بطولة ميغ رايان وبيلي كريستال.
يُعدّ فيلم "ابق بجانبي" من أبرز أفلام النضج، بقصّته الآسرة التي تدور حول مجموعة من الأطفال يخوضون مغامرةً عظيمةً تدفعهم نحو النضج بسرعةٍ فائقة. كان ريفر فينيكس نجم هذا الفيلم، الذي شارك فيه أيضاً جيري أوكونيل وكوري فيلدمان، وهو مقتبس من رواية لستيفن كينغ. بينما في فيلم "بؤس"، قدّمت كاثي بيتس أداءً مذهلاً، حيث تساعد شخصية الكاتب الشهير (جيمس كان) الذي تعرّض لحادث سيارة، لكنها سرعان ما تصبح مهووسة بإحدى شخصياته الروائية وتضايقه بلا هوادة. وقد فازت بيتس بجائزة الأوسكار عن أدائها.
أما روب، نجل الممثل الكوميدي العظيم كارل راينر، فقد عانى ما يعانيه الكثير من أبناء المشاهير: في مرحلة ما، شعر بالحاجة إلى الخروج من عباءة والده. في العام 2017 صرّح لمجلة "ذا أتلانتيك": "لم أشعر بضغط من والدي، بل بضغطٍ داخلي، لأنه وصل إلى مستوى عالٍ جداً لدرجة أنني فكرت: "حسناً، لا أعرف إن كنت سأتمكّن يوماً من التميّز مثله'".
مسيرة فنية وميول تقدّمية
بدأ روب مسيرته الفنية العام 1960، وبلغ ذروة شهرته كممثل في مسلسل "آل إن ذا فاميلي". جسّد فيه شخصية مايك "ميت هيد" ستيفيك، صهر آرتشي وإديث بانكر، الذي كان كثيراً ما يتجادل مع حماه المحافظ في هذا المسلسل الذي تناول قضايا سياسية واجتماعية بأسلوب كوميدي.
كان المسلسل نسخة أميركية من المسلسل الكوميدي البريطاني "تيل ديث أس دو بارت"، وحصد عنه جائزتي إيمي. ثمّ ازدادت شهرته مع أولى تجربه الإخرجية، فيلم "ذيس إز سبينال تاب" (1984) وهو وثائقي مزيّف mockumentary لعب فيه أيضاً دور مخرج سينمائي يتابع جولة فرقة روك أميركية، والذي أصبح فيما بعد فيلماً كلاسيكياً. وقد اجتمع مؤخراً مع فريق العمل لإخراج الجزء الثاني، "سبينال تاب ٢: ذا إند كونتينوز"، الذي صدر في سبتمبر/أيلول الماضي. كانت تلك نقطة البداية التي شكّلت، بطريقة ما، كل ما تلاها.
لعلّ من أبرز محطات مسيرته الإخراجية فيلم "بضع رجال طيّبين" (1992)، من بطولة توم كروز، وجاك نيكلسون، وديمي مور، وكيفر ساذرلاند، وكيفن بيكون في الأدوار الرئيسية. الفيلم مقتبس من مسرحية تحمل الاسم نفسه للكاتب آرون سوركين، الذي كتب السيناريو أيضاَ. رُشِّح الفيلم لأربع جوائز أوسكار: أفضل فيلم، وأفضل ممثل مساعد (جاك نيكلسون)، وأفضل صوت، وأفضل مونتاج.
لكن الفيلم الذي رسخ في ذاكرة أجيال عديدة، بلا شك، هو "عندما التقى هاري بسالي". وقد صرّحت كاتبة السيناريو الشهيرة نورا إيفرون عن العمل مع راينر قائلةً: "السيناريو يحمل اسمي، لكنه كان عملاً تعاونياً بامتياز. أراد راينر أن يصنع فيلماً عن رجل وامرأة يصبحان صديقين، لا عاشقين؛ يقرّران عمداً عدم ممارسة الجنس لأن الجنس يُفسد كل شيء".
وصفت إيفرون راينر بأنه "شخص غريب الأطوار للغاية"، وأضافت: "إنه مرح للغاية، ولكنه كان مكتئباً للغاية أيضاً، أو على الأقل كان كذلك في ذلك الوقت". لقد جمع بين النور والظلام، وبطريقة ما، كان روب بمثابة هاري، ونورا بمثابة سالي. خلال ذلك التعاون، أخبرت إيفرون، راينر أن النساء يتظاهرن بالنشوة الجنسية، وهي قصّة أثارت فضوله وألهمته لكتابة أحد أشهر المشاهد في تاريخ السينما حول هذا الموضوع. ومن الحقائق الأخرى اللافتة أن راينر وقع في حبّ ميشيل في موقع التصوير (كانت تعمل مصوّرة)، مما دفعه إلى تغيير النهاية إلى نهاية أكثر تفاؤلاً مما خُطّط له في الأصل.
لم يكن راينر ممن يتردّدون في الإعلان عن قناعاتهم. طوال مسيرته المهنية، دعم العديد من المرشحين الديمقراطيين للرئاسة، ودافع عن التعليم المجاني لمرحلة ما قبل المدرسة، ولعب دوراً محورياً في إلغاء حظر زواج المثليين في كاليفورنيا. "أنا فخور للغاية بمشاركتي في هذا. لم أتخيّل يوماً أنني سأشارك في حدث تاريخي بهذا القدر من الأهمية في حياتي"، هكذا علّق حينها على نشاطه. وكان قد صرّح مؤخراً في مقابلة مع شبكة CNN بأن الولايات المتحدة تقف على "مفترق طرق بين الديمقراطية والاستبداد".
في العام 2024، أنتج فيلماً وثائقياً بعنوان "الله والوطن" تناول فيه صعود القومية المسيحية. وقال المخرج: "لدينا قادة مسيحيون محافظون بارزون ينتقدون القوميين المسيحيين لأنهم يعتقدون أنهم يقوّضون تعاليم السيد المسيح".
تداعيات
وبينما تعيش هوليوود حالة من الصدمة إزاء نبأ مقتل راينر وسينغر، نشر الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسالة على وسائل التواصل الاجتماعي زعم فيها أن الوفاة كانت نتيجة "هوس" المخرج السينمائي بالرئيس. وقال ترامب ساخراً عبر حسابه على منصّة "تروث سوشيال": "حدث أمرٌ محزن للغاية الليلة الماضية في هوليوود. رحل روب راينر، المخرج السينمائي والممثل الكوميدي الذي عانى من صعوبات جمّة، والذي كان يتمتّع بموهبة فذة، مع زوجته ميشيل، ويُزعم أن ذلك كان بسبب الغضب الذي أثاره في نفوس الآخرين نتيجة معاناته الشديدة والمستعصية من مرض مُنهك يُعرف باسم متلازمة اضطراب ترامب، أو اختصاراً TDS".
"متلازمة كراهية ترامب" (TDS) مصطلحٌ شاع استخدامه بين مؤيّدي الحزب الجمهوري لوصف ما يعتبرونه عداءً غير منطقي تجاه الرئيس البرتقالي.
وتابع ترامب في منشوره: "كان راينر معروفاً بإثارة جنون الناس بهوسه الشديد بالرئيس دونالد جيه. ترامب، وبلغت شكوكه الواضحة ذروتها مع تجاوز إدارة ترامب كل التوقعات والأهداف، ومع اقتراب العصر الذهبي لأمريكا، ربما كما لم يحدث من قبل". واختتم رسالته العدائية قائلاً: "رحم الله روب وميشيل!".
وكان المخرج السينمائي، المعروف بدفاعه عن القضايا الليبرالية والذي نال تعزية علنية على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل قادة ديمقراطيين مثل الرئيس السابق باراك أوباما، قد انتقد جهود ترامب للتأثير على شركات الترفيه والإعلام في مقابلة حديثة. وفي هذا السياق، قارن سياسات الإدارة الأميركية الحالية بالحقبة المكارثية في خمسينيات القرن الماضي، قائلاً: "يبدو هذا ساذجاً مقارنةً بما يحدث في الولايات المتحدة الآن". ووصف المخرج ترامب، في مقابلة صحفية العام 2017، بأنه "غير مؤهل عقليا" لتولّي منصب الرئيس، وأنه "أكثر شخص غير مؤهل على الإطلاق لتولي رئاسة الولايات المتحدة".
في الجانب الآخر، قدّم الرئيس السابق باراك أوباما تعازيه علناً في منشور عبر حسابه على موقع "إكس": "لقد منحتنا إنجازات روب في السينما والتلفزيون بعضاً من أروع القصص التي شاهدناها على الشاشة. ولكن وراء كلّ تلك القصص التي أنجزها، كان هناك إيمان راسخ بجوهر الخير في الناس والتزام دائم بتطبيق هذا الإيمان على أرض الواقع".
وقال حاكم ولاية كاليفورنيا، ديفيد نيوسوم: "كان روب عبقرياً ذا قلبٍ كبير، وراء القصص الكلاسيكية التي نحبّها كثيراً، بأعمالٍ متنوعة مثل "الأميرة العروس" و"بضع رجال طيّبين". لقد جعل تعاطفه اللامحدود قصصه خالدة، مُعلِّماً أجيالاً عديدة رؤية الخير والصلاح في الآخرين، ومُشجعاً إياهم على الحلم الكبير".
أصدرت جيمي لي كورتيس، التي مثّلت مع راينر في مسلسل "فتاة جديدة" وفي فيلم "الدبّ"، والمتزوجة من كريستوفر غيست (نجم فيلم المخرج الأول)، بياناً نشرته مجلة "فارايتي": "في الوقت الراهن، ينصبّ تركيزنا بالكامل على أبنائه وعائلته، وسنقدّم لهم كل الدعم الذي نستطيع. سيكون هناك متسع من الوقت للحديث عن الحياة الإبداعية التي عشناها معاً، والأثر السياسي والاجتماعي الكبير الذي تركه على صناعة الترفيه، وتنمية الطفولة المبكرة، والنضال من أجل المساواة في الزواج، ودعمه العالمي لعالمٍ يمرّ بأزمة".
"أشعر بالرعب"، هكذا قالت الممثلة كاثي بيتس، التي لعبت دور البطولة في فيلم "بؤس". وأعربت عن حبّها للمخرج، واصفةً إياه بأنه "رجل لامع ولطيف، صنع أفلاماً من جميع الأنواع ليتحدّى نفسه كفنّان"، وأنه "ناضل بشجاعة من أجل قناعاته السياسية". وأضافت بيتس: "لقد غيّر مسار حياتي"، ووصفت زوجته ميشيل بأنها "مصوّرة موهوبة".
