الرباط لـ"المدن":هكذا أسس مجتمع الزيتون ديمقراطية عمرانية

عثمان أمكورالثلاثاء 2025/12/16
Image-1765871160
يفكك الكتابات "الاستشراقية" عن "معجزة أوروبية"، وفي الوقت ذاته ينتقد السرديات "القومية والإسلامية"
حجم الخط
مشاركة عبر

في الشمال السوري، وعلى امتداد الكتلة الكلسية، تنتصب مئات المواقع الأثرية التي عُرفت طويلاً بلقب "المدن الميتة"، وهو وصف أطلقه الرحالة الغربيون، يغوص كتاب ضيف "المدن" المعنون "عمارة المدن الميتة نحو قراءة جديدة للتاريخ السوري" الصادر عن جامعة خليفة بقطر، في عمق هذه المواقع التي يتجاوز عددها الثمانمئة، ليقرأ فيها وثيقة حجرية تروي سيرة مجتمع زراعي "شبه اشتراكي" فريد، بنى فلاحوه منازلهم ومعابدهم بمهارة فائقة مستغنين عن الإقطاع الإمبراطوري. 

 

هذا الكتاب لا يكتفي بنفض الغبار عن الحجر، بل يعيد الاعتبار لتسمية هذه الحواضر بوصفها "مدن/قرى" شكلت نموذجاً معمارياً واقتصادياً متكاملاً، قام على زراعة الزيتون وتصدير الزيت، وشهد تعايشاً دينياً فريداً بين الكنائس والمساجد في حقب لاحقة.

 

خاض البروفيسور ناصر الرباط سجالاً فكرياً وتاريخياً عميقاً لتفكيك السرديات "الاستشراقية" التي حاولت احتكار هذا التراث ونسبته إلى "معجزة أوروبية" دخيلة، وفي الوقت ذاته ينتقد السرديات "القومية والإسلامية" التي تعاملت مع هذا الإرث بجفاء بوصفه حقبة غربية أو جاهلية. وبدلاً من قطيعة التاريخ، يطرح الكتاب مفهوم "الهجنة الخلاقة"، موضحاً كيف أن الفتح الإسلامي لم يقطع هذا التسلسل الحضاري، بل إن الأمويين ومن بعدهم الزنكيين والأيوبيين، ورثوا هذه التقاليد المعمارية الكلاسيكية ودمجوها ببراعة في عمارتهم، مما يجعل من هذا الإرث "المكلسك" جذراً وطنياً سورياً أصيلاً لا يقل أهمية عن الجذور العربية والإسلامية.

 

يتجاوز البحث حدود السرد التاريخي ليلامس الجرح الراهن، حيث يرصد الكتاب كيف تحولت هذه "القرى المنسية" من شواهد حضارية صمدت لقرون، إلى ضحايا جدد للحرب السورية، متعرضة لتدمير منهجي أو تحول اضطراري إلى ملاجئ للنازحين. يرفض المؤلف نظرية الانهيار المفاجئ للحضارة القديمة، مستبدلاً إياها بنظرية "أحجار الدومينو" التي تفسر التراجع الاقتصادي والاجتماعي التدريجي، ويسقط هذا الفهم على الواقع الحالي محذراً من أن خسارة هذا التراث هو خسارة لجزء حيوي من الذاكرة الجمعية السورية.

 

لا يقف بروفسور الرباط عند حدود الرثاء، بل يقدم رؤية استشرافية ومخططاً تنموياً لإنقاذ ما تبقى. يطرح المؤلف تصوراً يرفض تحويل هذه المواقع إلى مجرد متاحف جامدة أو سلع سياحية مفصولة عن محيطها، داعياً لتبني نموذج تنموي مستدام يربط السكان المحليين بآثارهم عبر إحياء الزراعات التقليدية والسياحة الثقافية المسؤولة. 

في هذا الحوار، نناقش مع المؤرخ ناصر الرباط، أستاذ كرسي العمارة الإسلامية ومدير برنامج "الآغا خان" للعمارة الإسلامية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، كيف يمكن لهذه الحجارة الصامتة أن تكون مفتاحاً لفهم الهوية السورية المتصلة، وكيف يمكن حمايتها من نسيان التاريخ وقسوة الحاضر. فإلى حوار جريدة المدن مع البروفسور ناصر الرباط:

 

Image-1765870358

 

  • ما المقصود بـ 'المدن الميتة' أو 'القرى الميتة'؟ وهل هي حقاً كذلك؟

 

يُشير هذا المصطلح في جوهره، إلى ترجمةٍ للعبارة الفرنسية (Villes Mortes)؛ وهو وصفٌ اجترحه البارون الفرنسي —ذو الأصول الهولندية—  شارل-جان-ملكيور دي فوغيه (Charles-Jean-Melchior de Vogüé) لدى وفوده إلى المشرق في خواتيم القرن الثامن عشر. وحين وقف على تلك المواقع، وجدها خاويةً مقفرة، وقد استحال جلّها إلى أطلالٍ متداعية أو أوابد شاخصة (آثار). وخلال تطوافه في أرجائها، استوقفته كثرة الكنائس فيها فاستأثرت باهتمامه، ليتكشّف له لاحقاً أنها لم تكن حواضر كبرى، بل قرىً ودساكرَ ومدنٍ صغيرة، شُيِّدت برمتها في العهد المسيحي، أو في العهد الروماني السابق له ثم صُبغت بالصبغة المسيحية.

وقد طاول الهجران جلَّ هذه المواقع في الحقبة الإسلامية الوسيطة؛ إذ استمر العمران فيها نابضاً خلال صدر الإسلام (العهد الأموي ومستهل العهد العباسي)، ثم ما لبث أن دبَّ فيها الهجر حتى خوت على عروشها، ولم تعد الحياة لتدبَّ في أوصالها إلا بحلول القرن التاسع عشر في ظل الدولة العثمانية. وما بينهما،  فقد تحول نزرٌ يسير من تلك المواقع إلى حصونٍ دفاعية، سواء إبان الحروب الصليبية أو خلال الصراعات المحتدمة بين الدولة البيزنطية والدويلات الإسلامية في سوريا أواخر القرن العاشر. وقد توسعت تلك الحواضر المحصنة لتغدو مدناً أكبر، وما برحت قائمةً حتى يومنا هذا، محتفظةً بأوابدَ في حالةٍ عمرانيةٍ أمتن وأكمل مقارنةً بتلك التي لم يسكنها أحد.

وعليه، فإن هذه التسمية ليست سوى اجتراحٍ لمستشرقٍ فرنسي، عاين تلك المدن بوصفها ظاهرةً قائمة، فأطلق عليها نعت "المدن الميتة". وإني إذ أستخدم هذه العبارة، فإني أفعل ذلك عن وعيٍ تامٍّ بأن المستشرقين والمستعمرين الغربيين قد تغلغلوا في عمق تاريخنا، فأعادوا كتابته وصياغة مسمياته، وأننا غالباً ما نقتفي أثرهم في ذلك، غافلين عن مصالحهم ودوافعهم الكامنة وراء تلك الإعادة في الكتابة أو التسمية.

بيد أنني، في واقع الأمر، أقرُّ بوجاهة وصفها بـ "المدن الميتة"؛ ذلك أن جلَّ هذه المواقع اليوم قد غدت خاويةً مقفرةً، بل ومهجورةً تماماً، حتى أنها باتت تُستغل —كما أسلفت— كمحاجرَ؛ إذ نشهد أحياناً اندثار تلك الأوابد بعد أن عمد سكان القرى المجاورة حديثاً إلى انتزاع حجارتها لتشييد منازلهم.

 

Image-1765869972

 

  • في دراستك، تذهب إلى أن عدد هذه المدن أو القرى الميتة يقارب أو يتجاوز الثمانمئة، وتشير في الوقت ذاته إلى افتقار الدراسات التي أرّخت لها؛ فكيف أثر هذا الافتقار على تصورنا لتلك المدن، وعلى معرفتنا بمصادرها وتفاصيلها الدقيقة؟

     

 إن هذا السؤال، بما ينطوي عليه من تعقيد وتشابك، يستدعي مقاربته عبر تفكيكه إلى محاور عدّة. وبادئ ذي بدء، يُقدَّر العدد الموثّق لهذه المواقع بنحو 820 موقعاً —على وجه التقريب— وهو إحصاءٌ يعود الفضل فيه إلى ثلاثة رهبانٍ من "الفرنسيسكان" نذروا جلَّ حياتهم للإقامة بالقرب من إدلب السورية ودراسة المواقع الكلاسيكية والمسيحية في المنطقة.

لقد وفد هؤلاء إلى المنطقة إبان ستينيات القرن المنصرم، عاكفين على تتبّع أخبار تلك الحواضر لصبغتها المسيحية، ومبدين اهتماماً بالغاً بكنائسها وعمارة أديرتها وصوامعها؛ الأمر الذي أكسب عملهم أهمية قصوى للتاريخ الكنسي والمعماري، ولفهم صيرورة تطور أشكال الكنائس في العمارة المسيحية الأوروبية لاحقاً.

يمتد تاريخ هذه القرى من القرن الثاني للميلاد وحتى القرن العاشر، في حين لم تشهد العمارة الأوروبية المسيحية تطورها الحقيقي إلا بعيد القرن السادس أو السابع. وفي تلك الحقبة، كانت عمارة "المدن الميتة" —والعمارة البيزنطية عموماً— في أوج ازدهارها، مما جعلها تترك أثراً جلياً في العمارة الأوروبية. وهذا التأثير المتبادل هو الرابط الجوهري الذي اجتذب الباحثين الأوروبيين لسبر أغوارها.

الرقم المُشار إليه آنفاً يستند إلى توثيق أولئك الرهبان الثلاثة، وأبرزهم الأب إينياثيو پينيا الذي رحل عن عالمنا العام  2010 وزميلاه باسكالي كاستيللان (ت.2012)  وروموالدو فيرنانديز (ت.2015). ولهم في هذا المضمار أيادٍ بيضاء؛ إذ كشفوا النقاب عن قرابة مائتي موقعٍ إضافي لم يكن لمن سبقهم من الدارسين عهدٌ بها.

تتناثر هذه القرى على رقعة جغرافية محدودة للغاية (تناهز 4 أو 5 آلاف كيلومتر مربع)، إذ شُيدت متقاربةً، يكاد لا يفصل الواحدة عن الأخرى سوى كيلومترٍ واحد تقريباً. لقد كانت هذه المنطقة نابضةً بالحياة، آهلةً بالسكان، وذات ثقلٍ اقتصادي وازن؛ إذ شكّلت الظهير التمويني للحواضر الكلاسيكية الكبرى ذات الصيت التاريخي، كأنطاكية وأفاميا وقنسرين (التي ورثت حلب مكانتها لاحقاً)، وحلب ذاتها التي كانت آنذاك مدينة صغيرة تُعرف باسم 'بيروا'.

وقد حظيت هذه القرى بعناية فائقة من لدن مؤرخي الفن؛ لما تمثله من جذورٍ أصيلة للعمارة الأوروبية، وكذلك من مؤرخي الكنيسة؛ باعتبارها فرعاً مهماً من فروع التطور الكنسي في الشرق البيزنطي. وتتوزع تبعيتها الدينية، فجلّها يؤول للكنيسة التي عُرفت لاحقاً بـ 'الأرثوذكسية'، وبعضها للمارونية، والبعض الآخر للسريانية أو الملكية.

نحن هنا بإزاء سِفرٍ مختصرٍ وكثيف لتاريخ سوريا المسيحي والكلاسيكي (بمعناه السوري، لا الروماني أو البيزنطي فحسب)؛ ذلك أن سواعد أهل الأرض هي التي شيدت هذا العمران. بيد أن الوعي السوري بأهمية هذه المواقع قد تأخر، فجاء التعامل الأولي معها مشوباً بالاغتراب، وكأنها لا تمت لتراثهم بصلة؛ تأثراً بالفكر السائد في الأيديولوجيات العربية المعاصرة التي تختزل الحقبة الكلاسيكية (الرومانية والبيزنطية والهلنستية) في خانة 'الوجود الاستعماري'.

ومن هنا، جاء كتابي هذا رداً وتفنيداً لتلك المقولة التي تبتر ألف عام من تاريخ سوريا (من 333 ق.م إلى 634 م)، وتنزع عنها هويتها السورية، وكأن أولئك الذين عاشوا وأبدعوا ثقافةً في هذه الأرض لم يكونوا سوريين، لمجرد أن لسان بعضهم كان يونانياً، رغم أنها كانت لغة العصر السائدة آنذاك.

 

Image-1765870450

 

  • قبل الوقوف عند هذه النقطة لأهميتها، أشرت إلى أن هذه المدن المنسية باتت مهجورةً اليوم، غير أنها لم تكن كذلك إلا في مرحلةٍ من العصر العباسي، بل ذكرتم أن بعضها لم يُهجر إلا في العهد الأيوبي. فكيف هُجرت هذه المدن ولماذا؟

     

يكمن السبب الجوهري في نزوح عليّة القوم من المسيحيين السوريين صوب الأراضي التي ظلت تحت السيادة البيزنطية (كمرعش، وعينتاب، وماردين، وديار بكر؛ وهي الحواضر القابعة اليوم ضمن الجغرافيا التركية). لقد آثر هؤلاء الأثرياء، ممن لم يرتضوا العيش تحت الحكم الإسلامي، الهجرةَ ليلتحقوا بنظرائهم في الدين، في حين تشبّث سواد الناس وعامتهم بالبقاء في قراهم.

وكانت تلك القرى تضطلع بإنتاج "الثالوث الزراعي" الحيوي للثقافة الكلاسيكية في حوض المتوسط: القمح (عماد الخبز)، والعنب (عنصر النبيذ)، والزيتون (مصدر الزيت). غير أن صناعة النبيذ ما لبثت أن كسدت أسواقها وتضاءل إنتاجها؛ نظراً لتحريم الخمر في الدولة الإسلامية.

أما تجارة الزيت، فقد انفرط عقدها شيئاً فشيئاً؛ إذ لم تنقطع بادئ الأمر مع بيزنطة التي كانت تعتمد عليه في الإنارة (لا سيما للكنائس)، ولكن مع نضوب المورد الاقتصادي وبزوغ حواضر إسلامية جديدة، اضطر السكان لهجر قراهم، ميممين شطر المراكز الإسلامية الناشئة كحلب، أو تلك المناطق المعروفة بـ "الثغور والعواصم" (وهي المدن الحدودية المحصنة). وقد استمرت هذه الحالة حتى نشوب الحرب الثانية بين البيزنطيين والمسلمين، حيث بسط البيزنطيون سيطرتهم مجدداً على شمال سوريا في أواخر القرن العاشر، ومكثوا فيها نيفاً وثلاثين أو أربعين عاماً، إلى أن حلّت الحملات الصليبية في نهاية القرن الحادي عشر.

 

Image-1765870587

 

  • هذا يدفعني لسؤالك حول اللمحات المعمارية لهذه المدن. تحدثت في الكتاب عن "سرجيلا" كنموذج للحياة الريفية، وعن "البارة" بصفتها الحاضرة الأكبر التي ترتقي لمصاف المدن الصغيرة. اهي السمات الهندسية والمواد البنائية التي صاغت هوية تلك العمارة؟

     

إن تناولنا لـ "سرجيلا" و"البارة" بالدراسة يعود لاعتبارات متباينة؛ فـ "سرجيلا" لم تكن —في حد ذاتها— ذات شأن عظيم، غير أن الباحث الفرنسي جورج تات (Georges Tate) خصّها بتنقيب دقيق ودراسة معمقة، فغدت بذلك أنموذجاً مرجعياً. أما "البارة"، فتستمد أهميتها من كونها استحالت مركزاً لحشد الجيوش الأيوبية، وتضم بين جنباتها مسجدين، وهي من الحواضر التي ظل نبض الحياة فيها مستمراً حتى العصر المملوكي، وتزخر بوفرة من الأوابد الشاخصة. وثمة مواقع أخرى ذات ثقل تاريخي نالت حظاً وافراً من الدراسة، كدير سمعان العمودي وكنيسة قلب لوزة.

 

وتتجلى القيمة المعمارية لهذه المواقع في وجوه عديدة:

أولاً: أنها عمارة حجرية خالصة، شُيدت على هضبة جيرية كلسية، حيث كانت الحجارة تُقتلع من الموقع عينه، مما خفف من كلفة البناء. وعلى مر القرون، غدا السكان نحاتين وحجارين من الطراز الأول. وتفصح هذه العمارة عن دقةٍ ومتانةٍ في هندسة الحجر؛ إذ شُيدت برصف الحجارة بعضها فوق بعض دون ملاط (عجينة تُستخدم لربط وحدات البناء)، معتمدةً في ثباتها على التوازن الهندسي الدقيق. ولعل خير دليل على ذلك أننا نجد بعض الزوايا ما زالت شامخةً بارتفاع أربعة طوابق، رغم تداعي المبنى من حولها، بفضل تلك البراعة في التركيب.

ثانياً: أنها عمارة نابعة من رحم المنطقة؛ فلئن تأثرت بالعمارة الكلاسيكية، فإنها تظل تعبيراً أصيلاً عن إبداع أهل الأرض وتجسيداً لثقافتهم المحلية.

ثالثاً: أنها عمارة لا تنتمي للنمط الإمبراطوري السلطوي، بل هي "عمارة الأهالي"؛ شيدها أناسٌ راكموا الأموال من عوائد تجارتهم في الزيت والنبيذ والقمح، فسخّروا هذا الثراء لتشييد مساكنَ من الطراز الرفيع.

رابعاً: أنها المنطقة المتفردة في حوض المتوسط التي تكشف لنا عن طبيعة الحياة الريفية في العهدين الروماني والبيزنطي؛ ففي حين تبدلت ملامح الأرياف الأوروبية، بقيت هذه القرى على حالها بفعل الهجران، لتغدو بذلك وثيقةً حجريةً نادرةً وشاهدةً على تلك الحقبة".

 

Image-1765870648

 

  • يحيلني هذا إلى إشارةٍ جوهرية في كتابكم؛ حيث نفيتم عن تلك القرى صفة ’الأطلال الصامتة‘، واعتبرتموها وثيقةً ناطقة بوجود مجتمع زراعي "شبه اشتراكي" تكاد تتلاشى فيه الفوارق الطبقية. فهل يُعزى هذا التناغم الاجتماعي إلى استقلالية الفلاحين وتولّيهم زمام المبادرة في تشييد مساكنهم ومعابدهم بجهودهم الذاتية؟

     

 يُعَدُّ ما ذكرتهُ واحداً من أبرز الأسباب، أما السبب الثاني —الذي نستقي دليله من شواهد العمارة ذاتها— فيكمن في أن مُلاّك الأرض كانوا مقيمين فيها ولم يبرحوها؛ إذ تزدان بيوتهم بالزخارف وتُرصَّع أرضياتها بالفسيفساء، ما يشي بأن ذلك المجتمع لم يكن خلواً من التمايز الطبقي، غير أنه كان مجتمعاً متحرراً من سلطة "الأسياد الغائبين" (Absentee Landlords) الذين يستوطنون الحواضر الكبرى ويستنزفون ثروات الأرياف عن بُعد.

لقد دأبت هذه القرى على إعادة ضخ ثرواتها في تربتها الخاصة، عبر تشييد الكنائس والمعاصر والمسارح، وفوق ذلك كله: مبنى "الأندرون" (Andron). و"الأندرون" هذا هو دارٌ للاجتماع تحاكي "المجلس" أو "دار الندوة"، يلتئم فيه شمل الرجال للتداول في شؤون قريتهم، مما يكشف عن ملمحٍ ديمقراطي، أو هامشٍ يتيح للفرد المشاركة في تسيير دفة الجماعة. إن هذه المدن نبتت من أديم الأرض حقاً، سواء في طرازها المعماري أو نسيجها الاجتماعي. ومن هنا فإن هجرانها لم يأتِ نتاج سياسةٍ إسلاميةٍ تعسفية، بل كان وليد تضاؤل الأهمية الاقتصادية والحروب المتقطعة في المنطقة، فجاء هجراناً متدرجاً وبطيئاً امتد لقرون.

 

  • كيف تعاملت الحضارة الإسلامية مع تركة تلك المدن؟ وبتخصيص الحديث عن الحقبة الأموية التي وصفتم تفاعلها بالإيجابي، كيف تجسدت ملامح تلك العمارة في المنجز الإسلامي؟

     

تندرج عمارة المدن الميتة ضمن الإطار الأرحب لما يُعرف بـ 'العمارة القديمة المتأخرة' (Late Antiquity). وحين بسط الأمويون سلطانهم على هذه الأرض، لم يعمدوا إلى طمس معالمها، بل احتضنوا الثقافة المحلية وصهروها لتغدو جزءاً أصيلاً من ثقافتهم الإمبراطورية الناشئة. فقد شيدوا القصور والمواقع مستعينين بالحجّارين المحليين الذين تمرسوا في الصنعة بين أكناف المدن الميتة. وإني لعلى يقين بأن التأثير كان مباشراً، انتقل عبر أولئك الحرفيين الذين حملوا معهم موروثهم المعماري. وتتجلى شواهد ذلك في الجوامع، وفي القصور الأموية —صغيرها وكبيرها— كقصري الحير الغربي والشرقي، وقصر هشام في الرصافة.

أما في الحقبة العباسية، فتغيب عنا الكثير من التفاصيل؛ نظراً لإهمال العباسيين لبلاد الشام، باستثناء مدينة 'الرافقة' التي اختطها المنصور، والتي غمرتها مياه سد الفرات للأسف. بيد أن هذا التأثير ما لبث أن عاد للبزوغ في العهد الحمداني بحلب، وتلاه العهد الزنكي (زمن نور الدين زنكي). إذ نلمس تأثيراً مباشراً لزخارف المدن الميتة، ولعل أوضح النماذج على ذلك جامع الشعيبية في حلب، وتلك المئذنة التي طالتها يد الدمار خلال الحرب الأهلية.

لقد واصل الحجارون عملهم دون انقطاع، حتى أننا نعثر على توقيعاتهم منقوشةً على مبانٍ أيوبية، من قبيل 'محمد بن عبد الله بن أحمد السرميني'؛ وسرمين —كما هو معلوم— هي إحدى تلك القرى الميتة. وهكذا، استمرت تقنيات البناء بالحجر الجاف (دون ملاط)، فضلاً عن العناصر الزخرفية كالإفريز المستمر، حاضرةً في العمارة الأيوبية وبواكير العمارة المملوكية. كما أن البيزنطيين، حين أعادوا احتلال المنطقة، استعانوا بالمعماريين المحليين لتحصين مواقعهم، ومن شواهد ذلك تحويل 'دير سمعان' إلى قلعة حصينة.

 

Image-1765870960

 

  • كيف تباين موقف كلٍّ من الصليبيين والبيزنطيين إزاء إحياء تلك القرى، وما هي الدوافع العقدية التي ميّزت الحراك العمراني البيزنطي فيها؟

 

لم يولِ الصليبيون اهتماماً لإحياء تلك القرى، بخلاف البيزنطيين الذين أقبلوا على ذلك مدفوعين بدوافع دينية؛ إذ كانت تلك البقاع تضم مراقد قديسين بيزنطيين، فعمدوا إلى إعادة بناء الكنائس والأديرة وتدعيم بنيانها. والحق أن استعادتهم لتلك المواقع قد اكتست بُعداً دينياً جلياً، نظراً لما تتمتع به من أهمية كبرى في تاريخ المسيحية المبكرة.

 

  • تشير إلى إسقاطاتٍ متباينة تحيط بهذا التراث: فمن جهة، ثمة مركزيةٌ غربيةٌ تعدُّه إرثاً مسيحياً أوروبياً خالصاً، ومن جهة أخرى، نجد السرديات القومية والإسلامية التي تتنصل منه أو تنفيه. فكيف تُفنِّدون هذه الإسقاطات، وما هو ردكم عليها؟" 

 

أعمدُ في مؤلَّفي إلى تفنيد حجج الطرفين كليهما؛ فالغربيون يزعمون أنه تراثٌ مسيحيٌّ منبتُّ الصلة بسوريا، ساعين لاستعادته بوصفه جذراً أوروبياً خالصاً، متجاهلين حقيقة أن سوريا ظلّت موطناً للمسيحية قروناً متطاولة، ولم تَحُل صبغتها إلى الغلبة الإسلامية إلا عبر تحولٍ وئيدٍ امتد حتى العهد المملوكي. وعلى الضفة المقابلة، يلتقي العروبيون والإسلاميون معهم في النتيجة؛ إذ يرددون أنَّ تلك الآثارٌ رومانيةٌ وبيزنطيةٌ استعمارية، لا تمتُّ إلينا بصلة، وهو المنطق الذي أفضى إلى إهمالها، بل وتخريبها.

لقد انصبّ اهتمام المستشرقين، إبان تنقيبهم، على البحث عن تراثهم الكلاسيكي، مُغفلين الطبقات الإسلامية التي تعلوه، ونحن —بوازعٍ من الجهل— ارتضينا هذا الطرح وسلّمنا به. فالقوميون العرب (خاصة البعثيون) سعوا إلى 'تعريب' السكان القدامى في محاولةٍ مشوبةٍ بالسذاجة، في حين عمد الإسلاميون المتشددون (كتنظيم داعش) إلى تدمير تلك الآثار بذريعة أنها 'وثنية' أو خارجة عن دائرة الإسلام. والحق أن نظرة هؤلاء للتاريخ نظرةٌ قاصرةٌ ومبتسرة ترهن التاريخ بالعقيدة لا بالأرض؛ والحال أن الأرض هي المستودع الأمين للتاريخ، وحريٌّ بنا أن نتقبل حقبها كافةً دون اجتزاء أو نفي وإهمال.

 

Image-1765870869
سرقيلا

 

  • طرحت مفهوم 'الهجنة الخلّاقة' سبيلاً لتجاوز هذه المآزق؛ فهلّا تكرمتم بإيضاح أبعاد هذا المفهوم؟

 

 إن عجلة الإنتاج الثقافي لا تتوقف عن الدوران بمجرد تبدّل النظم السياسية؛ فالكنائس التي شُيدت إبان العهد الأموي، نهضت بسواعد البنّائين ذاتهم الذين شادوا المساجد. وهذه الاستمرارية المبدعة هي ما أصطلحُ على تسميته بـ 'الهجنة الخلاقة'.

فالتراث الإسلامي —بشقيه الفكري والمعماري— ليس إلا ثمرة تلاقحٍ خصب بين المسلمين الوافدين وسكان الأرض وموروثهم الثقافي. وإن هذه السيرورة الدائبة من الاستيعاب والتحوير وإعادة الخلق، هي التي تمنحنا القدرة على تجاوز الأيديولوجيات الإقصائية؛ إذ يستحيل عزل أي حقبة ثقافية أو نفي أثرها عما تلاها.

 

  • أشرت إلى أن هذا الطراز المعماري قد عاود الظهور في الحقب السلجوقية والزنكية والأيوبية بعد فترة من الركود؛ فكيف تفسرون هذا الانبعاث؟ وهل يُعزى أُفوله واضمحلاله إلى طغيان العمارة الحديثة؟

 

لا يمتُّ اندثار هذا الطراز بصلةٍ إلى الحداثة؛ إذ إن أُفوله قد سبق عصرنا الحديث بزمن. ففي أعقاب العهد الأموي، وفد السلاجقة والأتابكة —كالزنكيين— حاملين معهم الثروات، فأحيوا العمارة وأغدقوا عليها الأموال بعد حقبةٍ من التقشف. وقد انبعثت ملامح 'المدن الميتة' مجدداً في صروح الإمارات الأتابكية المستقلة؛ نظراً لاستعانتهم بمهارة المعماريين المحليين.

وقد تواصل هذا التأثير سارياً خلال العصر الأيوبي، بيد أن بريقه أخذ في الخفوت إبان العهد المملوكي، إثر انتقال مركز الثقل الابداعي إلى القاهرة. ثم ما لبث أن تلاشى في العهد العثماني، حين فرضت إسطنبول طرازها الإمبراطوري المركزي (المتميز بالقباب الكبرى)؛ شأن الإمبراطوريات دوماً في فرض طرازها المعماري ليكون بمثابة توقيعٍ يخلّد سلطانها.

 

Image-1765870812
قلعة سمعان

 

  • لقد طرحت في دراستكم رؤيةً استشرافيةً ترفضُ تسليع هذه القرى أو تحويلها إلى مجرد منتجٍ سياحيٍّ تجاريّ، مقترحين في المقابل نموذجاً مغايراً؛ ولكن قبل الخوض في تفاصيل هذا المقترح، كيف تقيّمون واقع هذه المدن اليوم بعد ما مرّت به خلال سنوات الحرب؟

 

إن الوضع الراهن يبعث على قلقٍ عميق؛ فمن جهة، طالت يد الدمار مواقع هامة فيها جراء القصف الجوي —من قبل النظام وحليفه الروسي— وذلك لاتخاذ المعارضة منها حصوناً وملاذات. ومن جهة أخرى، تعرضت حجارتها للانتزاع والاستخدام العشوائي الجائر من قبل قوى المعارضة والنازحين على حد سواء. لذا، يتحتم علينا استعادتها والحفاظ عليها باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة التاريخية السورية والإرث الإنساني العالمي.

أما في ما يتصل بالشأن السياحي، فإنني أقف موقف الرفض من تلك "السياحة النمطية" المنعزلة عن النسيج المجتمعي، والمتمثلة في الفنادق الضخمة والمنتجعات المغلقة التي لا يعود نفعها على أهل الأرض. ففي حيزٍ جغرافي محدود كالمدن الميتة، يكمن الحل الناجع في إعادة تأهيل السكان المحليين لإحياء إنتاج محاصيلهم التاريخية —من زيت ونبيذ وقمح— بمعايير جودة فائقة وتسويقها، بالتوازي مع تحويل منازلهم إلى نُزُل ضيافة صغيرة يتولون إدارتها بأنفسهم. إذ ينبغي للسياحة أن تكون بيئية وتراثية بامتياز —تعتمد الدراجات والمشي وركوب الخيل— دون المساس بطبيعة المنطقة أو تشويهها بالكتل الخرسانية الضخمة؛ فجوهر المشروع يرمي، في المقام الأول، إلى إعادة ضخ الدماء في الدورة الاقتصادية للمواطن المحلي مع تأهيل المنطقة للسياحة الثقافية التي تحترم تاريخها وتحافظ على توازنها البيئي.

 

  • هذا تصور مبني على مركزية الإنسان والفضاء معاً. هل من كلمة أخيرة توجهونها للقارئ العربي حول كيفية التعاطي مع تاريخ منطقته، وما هو طموحكم الفكري في هذا السياق؟

 

ما أرجوه للقارئ العربي هو أن يُشرع نوافذ فكره لاستيعاب تاريخ منطقتنا، بكل ما ينطوي عليه من تعقيد وتشابك، وأن يباهي به، متحرراً في ذلك من قيود الانحباس الإثني أو الديني. إن تاريخنا يزخر بثراءٍ باذخ، غير أننا —للأسف— نمعن في اختزاله، مدفوعين بضيق الأفق الأيديولوجي. ولقد كان مرمى قصدي في حياتي المهنية التي تمتد اليوم عبر أربعة عقود أن أؤسس معهداً يُعنى بإعادة كتابة التاريخ العربي؛ ليكون تاريخاً شاملاً ومنفتحاً، ينأى بنفسه عن سرديات المستشرقين من جهة، ويتحرر من سطوة الأيديولوجيا العروبية والإسلاموية من جهة أخرى. ولعلي أوفق في ذلك. 

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث