يخبرنا الشاعر الصربي /الأميركي شارلز سيميك في مذكراته أن الأرواح عندما تكون سعيدة فأنها تتحدث عن الطعام. ليس الطعام في السياق الذي موضعه به سيميك مجرد حاجة غذائية للأجساد بل تراه حاجة تمسّ أعماق الروح. من النافل أن الطعام هو علة الجسد الأولى من أجل البقاء إلا أن تصويب النظر إلى الولائم العامرة يسوق المرء إلى القول إن هذه الولائم الفاخرة هي في وجهها الأبرز فعل منادمة بين الناس مهما تنوّعت مشارب هؤلاء واختلافاتهم. وهو ما توسّع به إلى حدّ كبير الأنثروبولوجي الفرنسي دافيد لو بروتون في حكيه عن المذاقات والنكهات وعن كل ما يمت إلى جلسات الولائم بصلة.
إن الأكل في هذا الصدد ليس مجرد خبز وخضار ولحم وحبوب ونبيذ معتّق في الأقبية والسراديب بل هو أداة استحضار للكلام وللذكريات ولتشابك سلس لوفرة الأحاديث والقيل والقال بل وللوجه الإيجابي لمناوشات الآراء. فعلى الرغم من حسيّته الشديدة المتانة والإقبال والانضباط فإن الطعام ومن خلال بُعده الماورائي تراه يطغى بكل سلاسة واتقان وذلك بسبب انفتاح أمزجة أهل السُفرة وناسها على ما هو غير متوقّع وذلك من خلال جرجرة ما يتجاوز حاجة المعدة والأحشاء إلى الحضور فوق الأطباق. وربما هذا الأمر تحديداً هو ما حدا بواحد من مؤرخي الطعام إلى قراءة العالم (وإن كان باختصار) عبر تاريخ "سيّد كل الأطباق"، أي الخبز حيث تتبُّع رحلة الخبز في التاريخ ساقت هذا المؤرخ البوسني إلى التمعّن ليس فقط في العالم الدنيوي للبشر إنما أيضاً في التاريخ اللاهوتي والخلاصي لهؤلاء وصولاً لتصوراتهم المتكدسة عن الآلهة والشياطين في جلّ الحضارات (بريدراج ماتفليجيتفيتش: الخبز – الأهمية الثقافية والرمزية لدى حضارات العالم المختلفة).
إن الخبز في هذا الصدد وباعتباره ليس فقط سيّد الولائم والأطباق بل أيضاً سيّد السبل التاريخية للشعوب بل وسيّد الأقدار تراه أقرب إلى الوثيقة أو ربما إلى الأرشيف الذي يستبطن صراع البشر مع بعضهم البعض وصولاً إلى تحالفاتهم وانغلاق المجموعات أو تداخلها وهو ما يودي بنا – وتحديداً بسبب هذا التداخل – إلى الاقتناع بصحة ما يقال عن البُعد العولمي للخبز ولأصناف كثيرة من الطعام وذلك قبل تحيين كلمة العولمة في قاموس البشر بقرون وقرون. ومع هذا يبقى الطعام وتبقى طرائق طهوه من أعمق الأسس التي تميّز الخصوصيات الثقافية لهذه المجموعة البشرية أو تلك إذا ما أدرنا أن نأخذ بعين الاعتبار ما يقوله الباحث التاريخي النرويجي أندرياس فيستاد في كتابه الرائع "عشاء في روما"، حيث ذلك السرد الشهي لكيفية تجذّر التذوّقات وطريقة التعاطي مع النكهات في جل المجتمعات البشرية وصولاً لامتداد مفردات الطعام وطرائق طهوه بسبب قوة شكيمة هذه المفردات إلى المحكيات اليومية والتي لا علاقة لها من قريب أو من بعيد بإعداد الولائم وطهي العام.
عبر عديد مراحل التاريخ، إن سفرات الطعام سواء تلك العارمة بأشهى الأطباق أو التي يحكمها القلة والشحّ أجازتْ لنفسها – تلك السفرات- أن تستولد معجمها الخاص الذي انتقل من تحت القدور الضخمة والطناجر ومن بين تنويعات التوابل والأملاح والحلويات إلى الحياة اليومية للناس. فأن تُطبخ القرارات السياسية الهامة على نار هادئة وأن توصف الأحكام العقلية الشديد الرشد والاتزان بالناضجة وأن يقول عاشق لمعشوقته أنا أرغب في التهامك (ولبنانياً، لن أتوسّع أكثر في مفردات الأكل والعشق لأسباب معلومة)، كلها مجازات تنضح بتلك الروائح الشهية بل وبذلك التناص الفضفاض بين الأكل والكلمات، بين التذوّق والسياسة وبين الإفراط في الحب وسندويش الشاورما أو الفلافل أو صحن الكبة النية على سبيل المثال. أما النسبة لذلك التشابك المثير بين العشق وكلمات الأكل بشكل خاص فلنا في التاريخ شواهد عظيمة وليس من باب العبث حيال هذه النقطة بالذات أن يكون الإله الروماني Priapus هو في آن معاً إله الجنائن والكروم وإله الولائم العارمة وإله الشبق الجنسي عند النساء والرجال... صحتين!!
إنها الكلمات المشوية والمقلية، المملحة والمتبلة بعديد أصناف البهارات. إنه المعجم الشهي حيث ملاحقة المفردات يقود حتماً إلى فم الأكل والكلام، إلى ذلك الجزء من جسدنا والذي هو – بالعودة إلى لو بروتون – أحد المناطق الأكثر اشتغالاً في الجسد حيث ذلك التفاعل الفضفاض بين العالم والذات كما يقول هذا الأنثروبولوجي الفرنسي الجميل.
إن لَوْك الطعام بشهية وأصوات طرطقة الملاعق والأشواك فوق الصحون فضلاً عن تلك النكهات الرائعة التي تطلقها بقبقات مزيج الأخلاط ثم ذلك التواطؤ الهامس ضد الرغبة بالنحافة من آن لآن، كلها أمور تدفع بالمرء إلى التحقق من مقولة أن العالم هو طبق تراه أحياناً شهياً وأحياناً أخرى للأسف الشديد يداخله الشويط أو الشوي فوق اللزوم أو غيرها من المنغصات والاعتبار الأول في كل هذه الحالات هو أولية الحواس...أولية الشم والتذوق ولمس الرغيف وصوت نزع الفلينة عن فم قنينة النبيذ وصولاً إلى ترك النظر أسير الاستمتاع بمشهد الوليمة العابقة بالأصناف قبل لحظة الانقضاض، قبل فعل الالتهام وقبل الانغماس الممتع في حفلة الحواس. فنحن في هذا الصدد إزاء عجن الروح مع زهزهة الروائح والتذوق والمشهد البديع للأطباق ولمس اللحمة والخضار وسمع انسكاب المشروبات في أجواف الكؤوس ولنا في هذا السياق تحديداً مثالاً رائعاً تجسّد في رواية "أفروديت" للروائية لتشيلية إيزابيل الليندي حيث تلك المسافة المفتعلة بين الروح والجسد تنزاح عن بكرة أبيها على خلفية سرد روائي جميل يعبق بكم هائل من وجبات الطعام وذلك فضلاً عما يداخل هذا العمل الروائي الغريب من تفاصيل وأحداث.
"أندم على الحميات – تطالعنا الليندي في رواية "أفروديت"- وعلى تلك الصحون التي رفضتها بطلاناً". إنه الطعام، فعل المصالحة الأول مع الذات ومع الأقربين وصولاً لتلك المصالحة ربما غير المتوقعة حتى مع أغرب الغرباء...
على الرغم من قتامة العالم وما يعتوره من بؤس خاف وجلي، جماعي وفردي، مركّز وشتات، فإن هذا العالم لا يني يزوّد نفسه بالكثير الكثير من الأقنعة التي تسوقنا نحن البشر لأن نستلذ معايشته والتحديق في وجهه بإمعان. لعل مطابخ العالم – إذا أردنا أن نعود مجدداً ل "أفروديت" الليندي – هي الأقنعة الأكثر غواية والأكثر حميمية في هذا المجال، ولعل وصف الليندي في الصفحة الأخيرة من كتابها لكيفية اكتسابنا كبشر العزاء الروحي كما تقول وذلك أثناء شرحها لكيفية تحضير الرز بالحليب، لعل في كل هذه الأمور سعادة للأرواح كما أخبرنا شارلز سيميك في بداية هذا المقال.
نصف فنجان أرز
عشرة فناجين حليب
عود قرفة
كوب من الليمون...
إنه العالم حيث النكهة التي تنطوي على حضور يوطّد الألفة وسبل البقاء...
