يمكن العكوف على مسألة تجديد الفكر الدينيّ انطلاقاً من مقتربات مختلفة. تشدّد وثيقة «نختار الحياة» (2021)، مثلاً، على ضرورة انفتاح الفكر الدينيّ في منطقة الشرق الأوسط على العلوم الإنسانيّة الحديثة، ولا سيّما النقد التاريخيّ والعلوم الاجتماعيّة والأنثروبولوجيا والسيكولوجيا، وتدعو إلى استدخال أنماط غير تقليديّة من اللاهوت، كاللاهوت السياقيّ ولاهوت التحرير، تتّصف بأنّها لا تُسقط الأفكار اللاهوتيّة المجرّدة على الواقع، بل تنطلق من الواقع وتستلهمه، وذلك سعياً إلى لغة لاهوتيّة جديدة وفكر دينيّ خلّاق ينأى عن الببّغائيّة (فقرة 72-79). الملاحظات الآتية تفترض مقاربات من هذا النوع، لكنّها تأخذ منحًى مختلفاً، لكونها تتناول مسألة تجديد الفكر الدينيّ من حيث علاقته بالسياسة والبنى السياسيّة. على هذا الصعيد، يبدو أنّ ثمّة ثلاثة نماذج اضطلعت بدور لا يستهان به في رسم معالم العلاقة بين الدينيّ والسياسيّ في منطقتنا العربيّة إبّان العقود الأخيرة:
أوّلاً: النموذج الطائفيّ. قبل بضعة عقود من اليوم، كان يُنظر إلى هذا النموذج بوصفه «اختراعاً» لبنانيّاً وشأناً لبنانيّاً حصريّاً، إذا جاز القول. أمّا اليوم، فثمّة من يروّج له بوصفه الترياق لمعضلة الأنظمة السياسيّة في منطقتنا، ويطالب بتعميمه على سوريا والعراق، وربّما على دول أخرى. لا نبالغ في القول إنّ النموذج الطائفيّ نمط من أنماط إدارة التنوّع الدينيّ من حيث علاقته بالسياسة. ولعلّ أبرز ما يميّزه بعدان: بعد فرديّ يجعل انتساب الفرد إلى الدولة، وتالياً إلى المواطنة، يمرّ عبر الانتماء إلى الجماعة الدينيّة؛ وبعد جماعيّ يوزّع المراكز السياسيّة على الطوائف على قاعدة التوازن. لسنا، هنا، في صدد إطلاق حكم قيميّ معمّق على هذا النموذج. لكنّ الأكيد أنّه لا يترك فسحةً لمن يعدّ نفسه «لا-دينيّاً»، وبخاصّة في نطاق الأحوال الشخصيّة. والثابت أيضاً أنّه يتعارض مع مفهوم المواطنة المتساوية، لكونه يجنح إلى إقصاء بعض المنتمين إلى طائفة ما عن بعض المراكز في الشأن العامّ.
ثانياً: النموذج الغيبيّ. يبدو هذا النموذج كثيف الحضور في بعض أوساط ما يُعرف بالإسلام السياسيّ، لكنّه لا يقتصر عليها. فالفكر الغيبيّ ملازم لكلّ دين من الأديان، ولو بنسب مختلفة. ومن ثمّ، فإنّ أيّ عمارة فكريّة سياسيّة تستند إلى الدين معرّضة لأن تصبح أسيرة شكل من أشكال الفكر الغيبيّ. ينطوي النموذج الغيبيّ في السياسة على مركّبات عديدة. لكن يبدو أنّ أبرزها بالنسبة إلى إشكاليّة العلاقة بين السياسيّ والدينيّ في منطقتنا، أوّلاً تأسيس السلطة السياسيّة على ميثة دينيّة (السلف الصالح، دولة المدينة المثاليّة، مجيء المسيح بعد تجمّع اليهود في فلسطين بحسب الصهيونيّة المسيحيّة)، وثانياً الحسبان أنّ ازدهار المجتمع لا يتأتّى من العدل وحسن إدارة الثروات والخطط الاقتصاديّة الذكيّة، بل بالدرجة الأولى من طاعة الله. والجدير بالذكر أنّ هذه الطاعة لا يُنظر إليها بوصفها فعلاً فرديّاً، بل فعل جماعيّ يشمل المجتمع ككلّ. ومن ثمّ، يسعى مؤيّدو هذا النموذج إلى الإمعان في تديين المجتمع (اللباس الشرعيّ، حمل الناس على الصلاة بالقوّة) سعياً إلى استمطار بركات الله.
ثالثاً، النموذج التذويبيّ. هو لا يكتفي بالزعم أنّ ثمّة ارتباطاً عضويّاً بين الدينيّ والسياسيّ كما في النموذجين الأوّل والثاني، بل يأخذ الربط الوثيق بينهما إلى حدّه الأقصى، عادّاً أنّه لا تمييز البتّة بين البعد الدينيّ والبعد السياسيّ، حتّى إنّ بعضهما يذوب في البعض الآخر. لا شكّ في أنّ الأنظمة الثيوقراطيّة القديمة اقتربت كثيراً من مثل هذا الاقتناع بذوبان الحدود بين الحيّزين. في بيزنطية، مثلاً، كان ثمّة مَن يعتقد أنّ الزمنيّ والدينيّ، بالرغم من اختلافهما المبدئيّ، وجهان لعملة واحدة، وتالياً يعزو إلى القيصر دوراً دينيّاً ذا شأن. والأكيد أنّ كُثراً من بابوات الغرب اضطلعوا، حتّى مطلع القرن العشرين، بدور لا يستهان به من حيث السلطة الزمنيّة. بيد أنّنا نكاد لا نعرف في التاريخ الوسيط والحديث ما يشبه نموذج الوليّ الفقيه من حيث إناطة الشأن السياسيّ بالزعيم الدينيّ إناطةً معياريّةً ونهائيّة، بحيث تمّحي الحدود كلّيّاً بين نطاق الدين ونطاق السياسة.
ينتج من هذا كلّه أنّ تجديد الفكر الدينيّ من حيث اتّصاله بالبنى السياسيّة لا يكمن في تفكيك المنطلقات التي تستند إليها العلاقة بين الدينيّ والزمنيّ فحسب، بل أيضاً في إعادة تحديد ما ينتسب إلى حيّز الدين وما لا ينتسب إليه. هذا لا يستتبع القول إنّ الدين شأن فرديّ. والحقّ أنّ الدين يتمتّع ببعد جماعيّ واجتماعيّ لا يمكن اختزاله. غير أنّ السؤال الذي يجب طرحه هو الآتي: كم من الدين يحتاج المجتمع، وكم من الدين تحتاج الأخلاق، وكم من الدين تحتاج السياسة؟ لا يتسنّى الإتيان بأجوبة عن هذه الأسئلة من دون إمكان النقد الذي لا يعترف بحدود مرسومة سلفاً، ولكن في إطار حاضن قوامه الحوار الرصين. هذا يحيلنا على الحكمة القديمة المتجدّدة أبداً: لا تجديد للفكر الدينيّ من دون مغامرة الحرّيّة.
