الثقافة السورية والعدالة: عودة الأسماء المغيّبة إلى الضوء

علي سفرالجمعة 2025/12/12
Image-1765539561
وائل قسطونالعودة إلى حمص بعد الغياب
حجم الخط
مشاركة عبر

 

 

لم يسعَ النظام الأسدي فقط إلى ملاحقة معارضيه خلال أربعة عشر عامًا، بل عمد أيضًا إلى إزاحة كثير من المثقفين والفنانين من الذاكرة العامة. فالعنف، بوصفه أداة لفرض الصمت، لم يكتفِ بقتل بعضهم أو تغييبهم، بل حاول أيضًا إلغاء أثرهم الثقافي. اليوم، ومع عودة عدد من الأسماء عبر معارض وندوات تكريمية داخل سوريا وخارجها، تظهر فرصة لإعادة ترتيب السردية الثقافية، وإدراج هذه العودة ضمن مسار أوسع من العدالة الانتقالية يقوم على ترميم الذاكرة واستعادة دور المبدعين الذين استهدفهم القمع أو العنف المسلح.

 

وائل قسطون… العودة إلى حمص بعد الغياب

أواخر أيلول الماضي، وقف زوّار دير الآباء اليسوعيين في حمص أمام منحوتات وائل قسطون؛ الأعمال بقيت، وصاحبها اختفى في أقبية الأمن العسكري عام 2012، قبل أن يعلن مقتله تحت التعذيب. وُلد قسطون في مرمريتا عام 1966، وهو مثال على الفنان الذي شقّ طريقه بالإصرار. رُفض طلبه لدخول كلية الفنون الجميلة رغم علامته الجيدة، فأعاد الثانوية من جديد، إلى أن دخل الكلية وبدأ مسيرته.

 

اختار المرأة موضوعًا مركزيًا، لا بوصفها نموذجًا جماليًا فقط، بل كركيزة لرؤيته عن الحساسية البشرية. كان يقول: "المرأة إله حقيقي… هي وحدها التي تحس بكل شيء". تعامله مع الخشب والطين والرخام كان أقرب إلى قراءة للحياة: الخشب كائن ينمو، الطين أصل الإنسان، والرخام قسوة تحتاج إلى كسرها بالحركة.

 

بعد مقتله، حاول الفنانون السوريون في المنفى الحفاظ على اسمه عبر معرض صغير في فرنسا عام 2013. واليوم، عاد قسطون إلى مدينته، وأتى معه سؤال بسيط لكنه جوهري: كيف يمكن لبلد أن يطوي صفحة فنان قُتل دون محاسبة، ثم يطلب من المجتمع أن ينسى؟ حضور أعماله اليوم ليس مجرد تكريم، بل خطوة في جبر ضررٍ تعرّض له شخص ومجال ثقافي بأكمله.

Image-1765539715

إبراهيم خريط… الفلسفة كمساحة للحرية

في دير الزور، أحيا اتحاد الكتاب العرب ذكرى الأديب والمعلم إبراهيم خريط، الذي اغتيل مع اثنين من أبنائه في سبتمبر 2012. 

 

ولد خريط على الفرات ودرس الفلسفة قبل أن يدرّسها لطلاب الثانوية. كان يرى الفلسفة تدريبًا على الأسئلة الصعبة، وكتب القصة والرواية، تاركًا أعمالًا مثل "القافلة والصحراء"، "الحصار"، "نهر بلا شطآن" و"الرحيل إلى المجهول". كانت لغته تميل إلى السخرية الاجتماعية، ونقد البنى التقليدية، والكشف عن التناقضات التي يعيشها مجتمع المنطقة الشرقية.

 

إحياء ذكرى خريط لم يكن طقس رثاء، بل خطوة ضمن مسار العدالة الانتقالية: أي الاعتراف بأن الجريمة استهدفت ما كان يمثّله من فضاء حر يمكن للناس أن يتعلموا داخله كيف يطرحون أسئلتهم.

Image-1765539846

محمد رشيد الرويلي… ذاكرة الفرات التي قُطعت

بعد يوم واحد على تكريم خريط، أقيمت ندوة ثانية احتفت بالأديب والباحث محمد رشيد الرويلي، أحد أهم موثّقي المشهد الثقافي في المنطقة الشرقية. والذي اغتيل في 2012، تاركًا خلفه فراغًا في مشروع كان يعمل عليه منذ سنوات: حماية ذاكرة الفرات.

 

نشأ الرويلي في بيئة ريفية بدوية انعكست على لغته وصوره. درّس العربية وعمل موجّهًا تربويًا قبل أن يرأس فرع اتحاد الكتاب العرب في دير الزور. كتب قصصًا وروايات مثل "ليل الظهرية" و"سورين"، وأنجز أعمالًا توثيقية واسعة مثل "موسوعة الحركة الثقافية في دير الزور" و"ببلوغرافيا أدباء الفرات". كان يرى التوثيق جزءًا من حماية الهوية الثقافية، لا مجرد جمع معلومات.

 

وكما خريط فإن تكريم الرويلي اليوم يعيد الاعتبار لمشروعه، ويضع فقده ضمن سياق أوسع: استهداف الذاكرة نفسها.

 

الثقافة كمدخل للعدالة الانتقالية

رغم اختلاف تجارب قسطون وخريط والرويلي، إلا أنهم يشتركون في مسار واحد: كانوا فاعلين ثقافيًا، واستهدفتهم أجهزة القمع أو جماعات العنف المسلح، ثم رُفع ذكرهم من الفضاء العام لسنوات. اليوم، عودتهم ــ ولو عبر فعاليات صغيرة ــ تكسر هذا الصمت، وتعيد تسمية الخسارة التي لحقت بالثقافة السورية بوصفها خسارة بنيوية، لا أحداثًا معزولة.

 

وهذه الفعاليات تتيح للمجتمع أن يرى حجم الضرر، وأن يفهم أن الإجرام الاسدي وما يشببه لم يقتل أفرادًا فقط، بل ضرب أدوات المعرفة والتوثيق والحساسية الفنية. وهذا الاحتفاء يمنح ذويهم ومجتمعهم خطوة أولى نحو جبر الضرر الرمزي، الذي لا يقل أهمية عن الملاحقة القانونية أو الكشف عن مصير المفقودين.

العدالة الانتقالية، في جوهرها، ليست بيانات وتقارير فحسب، بل أيضًا سرديات: من نعيد إلى الضوء؟ من نحمي حضوره في الذاكرة؟ ومن نعترف بأنه تعرّض لظلم لم يكن شخصيًا، بل موجّهًا ضد الدور الذي كان يؤديه في مجتمعه؟

 

بهذه العودة، يفتح السوريون بابًا لإعادة كتابة تاريخ العنف عبر أسماء وتجارب، لا عبر أرقام. فالمسار لا يبدأ بالمحاكم فقط، بل يبدأ أيضًا باستعادة من حاول القمع محوهم، وبإعادة دمجهم في الحكاية الجماعية لوطن يسعى إلى لملمة ما تبقّى من ذاكرته.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث