عمار الشريعي...الأرستقراطي رفيق اليساريين

أشرف غريبالخميس 2025/12/11
Image-1765441605
لن ينسى له المصريون خروجه المؤثر والشجي على شاشات التلفزيون في ذروة أحداث يناير 2011
حجم الخط
مشاركة عبر

لا عليك إذا لم تكن موسيقياً متخصصاً، تكفيك أذناك وذائقتك الخاصة كى تدرك أن ما تستمع إليه من أنغام هى من وضع هذا الرجل الذى تلبسه شيطان الموسيقي، فأصبح واحداً من نبهاء جيله إن لم يكن أنبههم، ليست فقط هذه البصمة الخاصة التي تميزه كما تميز غيره، وإنما هي كذلك – وهو الأهم – تلك الروح التي امتصت كل ما جبلت عليه أو مرت به من تجارب حياتية لتخرجه رحيقا فنياً مختلفا، فهو ابن صعيد مصر الذي نشأ في أسرة تتنفس سياسة بحكم تمرسها على عمودية قريته التابعة لمحافظة المنيا أو عضوية أبنائها في المجالس النيابية. 

 

هذا الصعيدي عاش وتربى في القاهرة منذ طفولته الباكرة، وعاشر أبناء الطبقات الشعبية أكثر مما عايش أبناء طبقته الأرستقراطية، وهو الذي حاوطه الظلام بحكم فقدانه للبصر، فباتت أذناه هي مركز حواسه ودليله إلى العالم منذ أن وجد نفسه في مدرسة داخلية لتعليم المكفوفين لا يرافق إلا فاقدي البصر أمثاله، ولا يلتقي أسرته إلا في نهاية كل أسبوع، ومع ذلك لم يكن يعترف بإعاقته مؤكدا لنفسه أن شيئا لا ينقصه عن غيره، فتعلم ركوب الخيل وهو في السادسة من عمره، وقاد الدراجات البخارية ومارس السباحة، وانفتح على كل جديد في عالم التقنيات الحديثة قبل أن يحصل على شهادة ليسانس اللغة الإنجليزية من جامعة عين شمس بالقاهرة نهاية الستينيات في وقت كان فيه الشارع المصري في حالة احتقان بفعل هزيمة 1967 مطالباً بالثأر انتظاراً لمعركة العبور في 1973.

 


ومع كل هذه الروافد والمدخلات كان عمار الشريعي الذي رحل عن دنيانا في السابع من كانون الأول 2012 شرقي الهوى مصري الانتماء لا يحيد عن وطنيته ليس فقط في موسيقاه وفي خواطره اللحنية، وإنما أيضا في مواقفه الحياتية وخاصة في تلك الأوقات الفارقة من عمر أمته، لن ينسى له المصريون خروجه المؤثر والشجي على شاشات التلفزيون في ذروة أحداث يناير كانون الثاني 2011 وهو يطالب الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك بالتنحي حقنا لدماء المصريين الذين افترشوا شوارع المدن المختلفة وميادينها الكبرى قائلا له بكل إخلاص وترجي: يا ريس أنا عمار الشريعي الذي لحن أغنيات مثل اخترناك، إديها كمان حرية، وأنت تعلم مدى حبي لك، أطلب منك وأرجوك أن ترحل حفاظا على مصر، ليلتها بكى معه المصريون وتأثروا بحالة شجنه النبيل، فحملوه بعدها بأيام على الأعناق حينما نزل ميدان التحرير ملتحما  بالثائرين، لكنه لم يتحمل الموقف زحاما وتأثرا وانتابته نوبة قلبية حادة على خلفية تاريخه المرضي الطويل ليصبح بعد ساعات قليلة نزيل أحد المستشفيات القريبة من ميدان التحرير، فبقي أحد حكماء هذا المشهد الاستثنائي ورمزا من رموز الربيع المصري إذا جاز التعبير.

 


لم يتأخر الشريعي الذي بدأ مشواره الموسيقي من القاع عازفاً خلف راقصات ومطربي الملاهي الليلية كثيراً عن التعاطي مع الأغنية الوطنية، فبعد أن عرفه الجمهور أولا ملحنا للأغنية الشعبية الشهيرة "امسكوا الخشب"، التي تغنت بها المطربة مها صبري منتصف السبعينيات تقريباً، كان عمله الثاني مباشرة هو أغنيته الوطنية الرقيقة "أقوى من الزمان" التي قدمتها المطربة شادية من وضع الشاعر مصطفى الضمراني في قالب أوركسترالي رصين لم تغب عنه الجمل الشرقية ذات أرباع التون، فجاءت ذات ذائقة موسيقية مختلفة عكست شخصية هذا الوافد الجديد إلى عالم الألحان في زمن كان لا يزال فيه ناشطا كل من محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي ومحمد الموجي وبليغ حمدي وغيرهم. 

 

وعكست كذلك طبيعة اختيارات عمار الشريعي صاحب الثقافة الموسوعية للأفكار والمفردات الشعرية التي تحمل ألحانه الوطنية على وجه الخصوص، وربما ساعدته في  ذلك رفقته الوثيقة بالشاعر اليساري سيد حجاب الذي وضع كلمات السواد الأعظم لإرث عمار الموسيقي ليس فقط في مجال الأغنية الوطنية، وإنما أيضا في كافة مجالات الأغنية، حتى بات مدهشا ذلك التزاوج العجيب بين هذا الأرستقراطي ابن أحد أكبر ملاك الأراضي الزراعية في مصر وبين ذلك اليساري المتمرّد الذي لم يعرف قاموسه الشعري أي قيد أو قضبان، فكان نتاج هذا التمازج غناء وطنياً سياسيا فريدا على النحو الذي سمعناه في إحدى أغنيات "فرقة الأصدقاء" التي أسسها الشريعي نهاية السبعينيات، وهي أغنية "مع الأيام" التي يخاطب فيها ثلاثة شباب وطنهم مصر مرددين: "ومهما ننسى ما ننسى حنانك يا حبيبة الروح وصاحية في قلبنا لسة ولو كان الفؤاد مجروح، ومهما يكون لا بتهوني ولا بتهون لياليكي، وفوق الجرح بتكوني وبيهون عمرنا ليكي". 

 

ليس من الضرورة أذن أن نزعق وتذكر في حماس اسم الوطن، يكفيك أن تعبر عنها أو تتغزل فيها على النحو الذي  كتبه حجاب أيضا ولحنه الشريعي في نهاية أحداث فيلم "كتيبة الإعدام" حين شدا: "حبيبتي من ضفايرها طل القمر، ومن شفايفها ندى الورد بات، ضحكتها بتهز الشجر والحجر، وحنانها بيصحي الحياة في النبات" وصولا إلى نهاية الأغنية الحالمة حين يقول: "للحلوة قلب كبير يضم الولاد، وزاد وزوادة وضلة وسبيل، الموت والاستشهاد عشانها ميلاد، وكلنا عشاق ترابها النبيل".  

 


وكان من الطبيعي أن ينسحب أثر هذا التمازج اللافت بين شعر سيد حجاب وموسيقي عمار الشريعي على اختياراته الأخرى بعيداً من نصفه الثاني والذي بلغ ذروته في لقائه مع يسارى آخر – أو هكذا كان – الشاعر عبد الرحمن الأبنودي ابن مرحلة الستينيات حيث بلغت الأغنية السياسية، لا الوطنية فقط، مستوى أعلى من النضج على غرار ذلك النوع الذي أداه الشريعي بنفسه في فيلم "البريء" حينما صرخ مرنماً: "الدم إللى في إيديا إللي بينده عليا ويقول لي قتلت مين؟ بيقول لي يا إنسان تفرق السجان إزاي من السجين؟ قلبي إللي كان بريء زي الطير الطليق، إزاي ضلت عيونه لما شاف الطريق؟! آه يا عيون بريئة مين بدل الحقيقة؟ ومين قلب المعاني قدام عيني في دقيقة؟!" 

 

Image-1765441686


 وفي لائحة وطنيات الشريعي الكثير، سواء مع الشاعرَين سالفَي الذكر أو مع غيرهما، وكلها من ذلك النوع الموحي المعبر غير الحماسي بالضرورة على طريقة أغنية "الحدود" شعر عمر بطيشة، أو مقدمات مسلسلاته الدرامية ( النديم وزيزينيا - كتبها تحديدا يساري ثالث هو أحمد فؤاد نجم - على سبيل المثال) وهذا يقودنا بالتبعية إلى ما صاغه الشريعي من موسيقي بحتة أقرب إلى قالب القصيد السيمفوني لكثير من الأعمال الدرامية الوطنية، يكفيه مسلسلان مثل "دموع في عيون وقحة" و"رأفت الهجان" المأخوذان من ملفات المخابرات المصرية وهما من إخراج يحيى العلمي، وهذا الأثر النفسي الذي لا يزال باقياً على طزاجته كلما استمعنا إل أي منهما حتى الآن رغم مرور نحو أربعين عاما على عرض هذين المسلسلين.
 

لقد كان عمار الشريعي مختلفاً في تعاطيه موسيقياً مع وطنياته، ذا ميل إلى التعبير عن عشقه لبلده من دون طنطنة أو صوت جهوري، فجاءت أعماله نافذة إلى الوجدان وقادرة على الإبقاء على أثرها مهما مر عليها الزمن.  
    
 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث