نتداول كلمات ومفاهيم، ربما متغافلين عن أو متناسين معانيها المستقرة، لا المسافرة عن فحواها البليد، لا آفاقها المحتملة. المعنى المستقر أقرب الى الحقيقة، إلى ما هو متداول وأليف.
لكن ما يسافر وينأى ليس فقط ذاك الذي يمكث في الماضي، أو يبتعد فلا ندركه ونطاوله. هكذا نميل إلى ما هو أليف وسهل ومعتاد، إلى ما اعتدناه ولا نشك في جدواه وقيمته ومعناه، لا ما يمكن أن نلعب عليه، أن نجربه أو نضعه ضمن شروط استعمال جديدة. نخشى المخاطرة الحقة، نهاب التجريب والتلوين بألوان غير متوقعة. في فضاء اللا مجرّب نمضي فنتشابه ولا نولد، نتناسخ ولا نتفارق. هذه مجالات تلائم الحشود لا الأفراد، الجمع لا العزلة، تطيل من عمر المستقر الجامد وتبقينا من سكان "منازل الأمس" إذا ما استعرنا عنوان رواية الكاتب السوري سومر شحادة.
في الكسل والتسلية
ليست التسلية شأناً ثانوياً كما قد نظن بدايةً، أو نرغب تعريف التسلية على معنى جامد المحتوى قرين عدم النفع واللاجدوى، قرين اللاوظيفة واللا هدف، أو نريد للتسلية أن تكون على مقاس اعتدناه، ولا نفكر في تركه أو نقده ومحاولة فهمه على ضوء مختلف.
للتسلية المقام الرفيع الذي للكسل، الكسل الذي هو نظير اشتعال الفكر وخمول الجسد في آن واحد، الكسل الذي قد يكون نوعاً من أنواع فنون الصبر والانتظار والجَلَد. يتسلى الطفل، يتكاسل، يلعب، وفي هذه الأثناء اللاهية المتلاحقة يبتكر ويخترع ويكتشف. ليس ذاك الاكتشاف الباهر ولا هو بمخترع أو عبقري، غير أنه أثناء اللعب المسلي يستغرق بكامل وعيه وجسمه فيما يلعب. ينتقل بلا قصد إلى شرط غير زمني، شرط لا يخضع لتراتبية زمنية. ليس وقت الطفل وقت هدر وإسراف لأنه ببساطة خارج الوقت الذي نردّه إلى دقائق وساعات، أي إلى عالم الحساب والتراكم. لكنه قادر على نحو ساحر أن يحول كل شيء إلى لعبة. لا شيء مع الطفل لا يصلح للعب والتسلية.
قد نردّ التسلية والكسل إلى مصدر أبعد وأهم وأعمق تجذراً، نردّ التسلية والكسل إلى البراءة بما هي أصل فطري وجهل بديع وسذاجة خارقة. براءة هي جذر من جذور الشعر بما هو تكثيف المعنى، الحد الأقصى للكلمات من الامتلاء برغبة لا امتلاك، وحب بلا هوية، وعرفان بلا إسم ضيق. نرد التسلية والكسل إلى براري البراءة بما هي حافز خفي وإلهام حر وطاقة غير مستهلكة، قوة بسيطة لا تعرف أنها قوة، ولا تستعرض مهارة إنجازٍ أو تدعي خبرة تحقّقٍ واكتمال.
من معاني الكسل ونواحيه أنه لا يقبل الاتحاد والدمج بغيره، ولا الاعتياد على ما يهدده أو يحصره أو يضايقه. الكسل يتجدد فيما الاعتياد يهترئ ويتقادم، ويتحول إلى حجاب ومانع. على المرء الهرب من عاداته عبر ابتكار عادات جديدة، عبر القفز فوق ما يمكن أن يقيده أو يجعله يألف ما لا يحب، أو يُجبر على رفض ما لا يود رفضه. والبراءة هنا هي حيز المكان النفسي الذي تُبتكر فيه عادة جديدة غير خاضعة لمقاسات الوقت اللاهث والراهن الضاغط.
تنميط الثقافة
ومن عاداتنا المتقادمة والحابسة أن جرى تنميط الثقافة والفعل الثقافي عبر ربطهما بما هو جاد ورصين، أي بما هو ضمناً ضد التسلية والمتعة والشغف، أي ضد عدوها وقرينها العكسي. جرى ذلك عبر التعريف والتصنيف والحصر. هكذا فإن ما يقع خارج التعاريف الأكاديمية قليل الشأن، وما لا نجيد تصنيفه وإدراجه لا يستحق الإشارة والإشادة والاقتداء. فأين، والحال هذه، نضع الجديد والمبتكر غير حبسه في قديم عهدناه وألفناه. هكذا تكون الألفة والتقليد حاجباً، فيما تكون البراءة والجهل والتسلية حافزاً، عامل اكتشاف ووسيلة تحرر.
وقبل ذلك جرى، بقصد أو من دون قصد، تضييق الشأن الثقافي بحصره في الأدب والفنون بعامة. هكذا تكون الثقافة كتاباً وأغنية ومسرحاً ولوحة. لكن الكلمة التي هي معطى عام تتحرك في حيز أوسع، حيز الملفوط والمنطوق والمتداول. حيز الثرثرة والقول المباشر والحس المندفع. أي حيز الفكرة ـ الفطرة، العفوية، ما يتبادر إلى الذهن من دون تخطيط وما يحل على النفس من رؤى بلا استعداد مسبق. قد نجد إحدى هذه الحالات على مقعد باص، أو كلمة متروكة داخل قصاصة على طاولة مقهى، قد نجدها محلقة ضاحكة في مطعم أو أثناء نزهة. المطعم ووسائل النقل والمقاهي فضاءات تفاعل عام، ومداخل لفهم أنفسنا وانفعالاتنا وأفكارنا. أفكار تمشي وتتجول، وانفعالات تتلاقى وتتناشط، انفعالات أنفس قادمة من حياة متاحة، لا حياة مضبوطة أو موظفة لشأن خارجي. فهل ينتقل الحيز العام بما هو ثقافة خام إلى الحيز الخاص بما هو فن وكتابة ومسرح. نعم ولا. مجمّدو الثقافة لا يجدونها الا في الكتاب والمتاحف. أي بما يمكن تسميته بماضي الأشياء ومتاحف الإنشاء السهل. "الكتاب" هو الماضي هنا، و"الكتابة" هي الحاضر المتنفس، النظرة قبل تحولها إلى كلمة والفكرة وهي تبحث عن شكل وقوام.
أشار أوكتافيو باث، الشاعر والكاتب والديبلوماسي المكسيكي (نوبل 1990) في كتابه الممتع والجامع أصنافاً شتى من المعارف العشقيّة والحسيّة والفكرية "اللهب المزدوج" بترجمة المهدي أخريف، أن الكلمة (الكتابة والتفكير بها) حسٌ وذهنٌ وتسليةٌ. حس بما هي نقل الدلالة على سكة معنى جديد مباشر وملموس أو مقبل مما هو مباشر ومحسوس، وذهنٌ بما يكون عليه الشعر والكتابة تفكيراً على صلة وثيقة بالفلسفة، وتسلية ما هي إلا متعة وشغف: "وراء كل قصيدة جميلة فلسفة عميقة".
والسأم من القديم مصدره الغربة والإحساس بالاقتلاع من الواقع والحياة الفعلية، الحياة الداخلية التي هي مختبر حقيقي للفكر والانفعال الذهني والنشاط الإبداعي. قد يكون السأم منبهاً إلى ما يجب تركه وهجره. وبدل التكيف والاعتياد اللذين هما علامة من علامات الخضوع والقبول، يتقدم السأم كدليل مضاد ومرشد غير مدجن. ما يعزز الرفض والتمرد يجد مصدره في الداخل الذي لم يعد يطيق الخارج، اللا شبيه، ذاك الذي ليس مرآة تكشف الحقيقة الخفية ولا مطرقة تهدم القبح والأذى. قد يكون الهدم أساس البناء مثلما أشار النفري أن "في المخاطرة جزءاً من النجاة"، النجاة من التنميط والاستهلاك وتدوير المعنى على نفسه حتى يغدو أنشوطة ضخمة، حبلاً غليظاً قيداً جارحاً، شَرَكاً بلا فكاك نغرق فيه ولا نقوى على الخلاص منه.
اللا اعتياد الرافض، الضجر القوي ضد لا أحد بذاته، السأم النافع، مصادرنا الأحق والأجدر في عصر ما بعد الحقيقة، عصر الضمير القحط، والسخافة السيدة والتفاهة السائلة!
