إسرائيل تسطو على أم كلثوم: الحب المسموم

محمد حجيريالخميس 2025/12/11
5 UK.jpg
في 1948، أصدرت حُكماً بإعدامها...لكن، بعد 1967، دأبت الإذاعة الإسرائيلية على بث أغانيها يومياً
حجم الخط
مشاركة عبر

قبل أيام، أعلنت صحيفة "هآرتس" عن مخطط لفرقة "بيركات إيلانور" الإسرائيلية لتنظيم سلسلة حفلات موسيقية مستوحاة من أعمال الفنانة الراحلة أم كلثوم. وبحسب الصحيفة، فقد شنّت عائلة أم كلثوم، إلى جانب مؤسسات ثقافية مصرية، هجومًا لاذعًا على هذه المبادرة، واصفة إياها بأنها "سرقة صريحة للإرث الفني المصري" و"استغلال تجاري غير مشروع"، بينما نشرت صفحة "إسرائيل بالعربية" في "إكس" مقطع فيديو يُظهر تدريبات الفرقة، وذكرت في العنوان أنّ الحفلة "احتفاء بالموسيقى العربية التي تشكّل جزءاً لا يتجزّأ من ثقافة اليهود القادمين من البلدان العربية، وموضع حب وتقدير لدى العرب واليهود على حدّ سواء، فهي جسر بين العوالم، تتجاوز الحدود والثقافات والأديان".

 

والحال أن علاقة إسرائيل بأغاني أم كلثوم وصوتها وشخصيتها قائمة على الالتباس ومعقدة. هي بين العداء القاتل والجموح في الحبّ المسموم، وبين الكراهية الآتية من أيديولوجيا قومية، وهذه القومية نفسها تسعي إلى سرقة إرث "ثومة" والاستحواذ عليه، خصوصاً أنّ "الحبّ" أكثر انتشاراً بين اليهود من أصول عربية، وتجد بعض الصفحات الصحافية الإسرائيلية في ذلك فرصة للامتصاص والسيطرة و"الغنيمة"، مثلاً الحكاية التي يرويها المترجم يوسف درويش في مقدمة كتاب "تاريخ يهود النيل" لـجاك حسون وتقول إن أول من "اكتشف" أم كلثوم هم جماعة من اليهود القرائين! ويقصد بذلك عائلة ليتو باروخ، التي كانت تملك المحلات الكبرى لبيع المجوهرات في شارع عبد الخالق ثروت بالقرب من ميدان الأوبرا في القاهرة.


وعائلة ليتو باروخ كانت تمتلك عزبة كبيرة من آلاف الفدادين بالقرب من المحلة الكبرى، وكانت الطفلة فاطمة بنت الشيخ إبراهيم التي صارت في ما بعد أم كلثوم عاملة في تلك الأرض الزراعية، وتحديدًا في موسم جني القطن، وكانت تردد بعض الأغاني بصوتها، ما استرعى انتباه أحد أفراد تلك العائلة، فأتى بها إلى القاهرة ليقدمها إلى شركة "أوديون" لتسجيل وبيع الأسطوانات! هكذا انتهت الحكاية التي يرويها مترجم الكتاب يوسف درويش.


ويذكر المترجم الحكاية بقصد التأكيد على أن اليهود كانوا جزءًا من نسيج الشعب المصري في زمن غابر، مستعيرًا روح الجملة التي كان يذكرها دومًا مؤلف الكتاب جاك حسون، ونقلها عنه الأديب الراحل إبراهيم أصلان، أن "إسرائيل هي التي أفسدت كل شيء". وجاك حسون، طبيب نفسي مصري يهودي، هاجر إلى فرنسا مع أهله في سن مبكرة، لكنه كان يزور مصر بانتظام. 

 

i__id66_crop600x360c_t1443612058.jpg
سليم نصيب


وإذ كان الكاتب يُورد المعلومة بنيَّة طيبة، فالمواقع الاخبارية الإسرائيلية تذكر القصة كجانب من الامتصاص وذريعة تافهة للسطو على إرث الفنانة الراحلة. وفي مقابل نوايا إسرائيل السيئة تجاه أم كلثوم، تسعى أقلام عربية إلى شيطنة وأسرلة أي يهودي يكتب عن كوكب الشرق. تحدث الروائي اللبناني–الفرنسي سليم نصيب كثيراً عن حبّه لصوت أم كلثوم، تماماً كما فعل والده، وأصدر رواية متخيلة بعنوان "أم" عن علاقة الشعر أحمد رامي الغرامية بأم كلثوم. سليم نصيب معروف الانتماء والتوجهات السياسية، فهو كان مقرباً من منظمة التحرير الفلسطينية، لكن لمجرد أنه يهودي، سارع أحد الكتّاب إلى القول: "لا تجد إسرائيل فرصة للنيل من الرموز العربية في كافة المجالات إلا وتوظفها ضمن آلة دائمة الدوران لتحطيم صورة العرب وخصوصاً مشاهيرهم. تحتفي اسرائيل على خلفية عداء سافر لأم كلثوم بكتاب مشبوه (يقصد كتاب سليم نصيب) صدر منذ فترة باللغة الفرنسية وأعادت تل أبيب مؤخرا ترجمته"... 

ويعرف القارئ سماجة هذا الكلام وتهافته حين يقرأ كتاب نصيب. 

 

Image-1765444019


ومن خلال المسار السياسي والصراعات والحروب في الشرق الأوسط، نكتشف العلاقة المعقدة بين إسرائيل وغناء أم كلثوم. ففي العام 1948 ضاقت السلطات اليهودية بشعارات أم كلثوم في معاداتها للصهيونية، فأصدرت قرارًا بالحكم بالإعدام على كوكب الشرق لمعاداتها الصهيونية، وكان البيان يُبثّ عبر الإذاعة الإسرائيلية يومياً لأكثر من 7 شهور وبشكل منتظم، بحسب خبر في جريدة "البلاغ" الليبية، لكن كوكب الشرق لم تتوقف عن الغناء لتوحيد الصف العربي. والعلاقة الإسرائيلية الغريبة بأغاني أم كلثوم تجلت بعد حرب 1967. إذ دأبت الإذاعة الإسرائيلية على بث ساعة غناء كاملة لأم كلثوم من الرابعة حتى الخامسة من عصر كل يوم، وهو ما برره إسحاق افيعيزر، مدير قسم الموسيقى في دار الإذاعة، بأن الجمهور "أطفأ ظمأه بأغاني كوكب الشرق التي نشأ عليها؛ خصوصاً أن عدداً كبيراً من الإسرائيليين، سواء السفاراديم الذين تعود أصول بعضهم إلى البلدان العربية، وحتى الأشكينازيم (يهود أوروبا) اعتادوا على سماع كلاسيكيات الغناء العربي، لا سيما كوكب الشرق".


ومع مرور الوقت، بدأ "راديو إسرائيل" بالعبرية يبث بصورة تدريجية أغنيات أم كلثوم لجمهوره العبري، الذي لم يسمع عنها من قبل؛ وذلك بعدما نشرت صحيفة "هآرتس" مقالات عنها، قالت فيها إن تلك المطربة المصرية "تتبوأ مكانة مرموقة في الوعي الإسرائيلي". كل عشّاق أم كلثوم في العالم العربي كانوا آنذاك "يضبطون زمنهم الوجداني" على تلك الساعة لأم كلثوم من إذاعة إسرائيل، وهو نوع من الاحتلال الناعم، ذلك "أن ساعة أم كلثوم الغنائية تلك، كانت تعقبها مباشرة ساعة إخبارية سياسية نعلم جميعاً محتواها الفكري والنفسي"(يوسف أبو لوز).
 
ولم ينتهِ المشهد الملتبس. ففي السنوات الأخيرة، لم يعد الأمر يقتصر على بث أسرائيل أغاني أم كلثوم، بل بدأت الأصوات الشابة الإسرائيلية تقدم أغانيها في برامج اكتشاف المواهب، وبدأت موسيقى أغنيات أم كلثوم الكلاسيكية، تعرف طريقها للترانيم اليهودية، حينما شرّعها الحاخام عوفديا يوسيف، الذي اعتاد الاستماع لأم كلثوم في مصر؛ ما أدى إلى استقطاب الكثير من اليهود لأداء ترانيمهم الدينية على إيقاع تلك الأغنيات، وخُصصت قاعات في تل أبيب لتقديم هذا اللون الموسيقي.

 

 

ونشرت صفحة "إسرائيل بالعربية" في منصة "إكس، فيديو يظهر مجموعة من اليهود بصدد غناء وصلة من أغاني كوكب الشرق أم كلثوم داخل كنيس. ويظهر في الفيديو العديد من الأشخاص، بينهم متدينون، داخل قاعة الكنيس، ليبدأ أحدهم بغناء مقطع من أغنية أم كلثوم "سيرة الحب"، ثم يستلم الميكرفون شاب آخر يرتدي القبعة اليهودية الشهيرة ليكمل الأغنية. وأرفقت الصفحة الفيديو بتعليق جاء فيه: "أم كلثوم في الكنيس اليهودي؟ ترتيل ترانيم دينية وفقا لألحان بعض أغانيها، ما تمخض عن تطور شغف شريحة المتدينين بأغانيها وأغاني عمالقة الطرب".


في مقابل ترانيم المتدينين اليهود بأغاني "الست"، فإن تسمية شارع في حيفا باسمها في تموز/يوليو 2020، أشعلت غضباً عارماً في صفوف اليمينيين الإسرائيليين الذين شعروا بـ"العار" إزاء تكريس اسم فنانة اشتهرت طوال حياتها بدعم المقاومة الفلسطينية حتى أنهم يعتبرونها "عدوةً لإسرائيل".

  

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث