عام على سقوط الأسد: الحاجة للسؤال...لا الجواب

نوار جبورالأربعاء 2025/12/10
Untitled.jpg
سقوط الآلة لا يكفي إذا بقيت أدواتها الصغيرة تعمل في اللغة والعلاقات والمدينة والذاكرة
حجم الخط
مشاركة عبر

مرّ عام على سقوط الأسد. هذا السقوط ليس حدثًا عابرًا ولا يشبه سقوط أي نظام آخر. نحن لا نتحدث عن دولة بالمعنى التقليدي، بل عن منظومة أقرب إلى "تنظيم" طويل العمر. منذ أواخر الستينيات وحتى عام 2024، لم يغيّر هذا التنظيم ملامح سوريا وحدها، بل ساهم في إعادة تشكيل خرائط السياسة والاقتصاد والعنف في المنطقة: من لبنان والعراق، إلى شبكات الكبتاغون، وصولًا إلى صناعة الفئات المصنّفة إرهابية. لذلك، هو أكثر من نظام حكم؛ إنه نموذج سلطوي عابر للحدود، ارتدى شكل الدولة بينما اشتغل كآلة نفوذ وأمن واقتصاد ظلّ.


في سوريا، صارت الوظيفة الأولى بعد السقوط أن نستعيد القدرة على التفكير بالحياة. فالنظام لم يدفع السوريين إلى الموت كأفقٍ وجودي، بل إلى الإفناء كإدارة تُسقط معنى الحياة قبل أن تُسقط الجسد. كان السوريون يعيشون الموت لا بوصفه حدثًا يقع في النهاية أو يمكن حسابه، بل بوصفه مناخًا دائمًا يحيط بالحياة من كل الجهات. لكن النظام لم يكتفِ بدفع الناس نحو هذا الأفق المعتم، بل ألغى الموت لصالح شرطٍ أشد قسوة: الإفناء. نزع من كل سوري سؤاله عن الموت ودفعه إلى مساحة لا يُدرك فيها موته كمعنى، بل يُدرك فيها الإفناء كقدر. لم يعد السؤال: كيف نموت؟ بل كيف لا نُمحى.


من الموت إلى الإفناء

وهكذا تجاوزت التجربة السورية الموت إلى الإفناء: ليس إنهاء حياةٍ ما، بل سحق القدرة على أن تكون الحياة ذات معنى، وتحويل الوجود إلى إدارة للمِحن، حيث يُغلق الأفق ويُستبدل السؤال بالنجاة العمياء. وهذا ما يفسر أن أنظمة القتل الجماعي ليست فقط أيديولوجيا أو قسوة، بل أيضًا تحطيم الدولة كإطار حماية وتحويل المجتمع إلى مساحة مكشوفة؛ فالعنف الواسع يصبح أكثر قابلية للتوسع حين تتآكل المؤسسات وتنهار القواعد التي تضبط القوة ويُعاد تعريف البشر كفئات قابلة للإزالة.


تُرك السوريون للعالم. لم يكن النظام يقتل ليخيف فقط، ولا ليمنع الاعتراف فحسب، بل كان يقتل كاحترافٍ كامل للقتل: يجعل العنف ورقيًا، محسوبًا، قابلًا للتفكير والتحايل والأخذ والرد، كأنه إجراءٌ إداري لا جريمة، وكل ذلك دون أي توقع للسقوط. هذا إفناء يحاول أن يتخفّى بوصفه موتًا، لكنه موتٌ مُورّق وخاص: موتٌ يُدار ويُصنّف ويُدوَّن لا موتٌ يقع كقدرٍ إنساني. قصدية النظام لم تكن نحو "حُكم" المجتمع، بل نحو إعادة تعريفه كفئات قابلة للإزالة، وهكذا أعاد تعريف الموت داخل الفناء: ليس إنهاء حياةٍ فقط، بل ضبط فكرة الإنهاء نفسها كوظيفة.


النظام السوري كان أسلوبًا متضخمًا لما يمكن أن نسميه مع فيليكس غواتاري الآلة، لا بوصفها جهازًا واحدًا فقط، بل بوصفها مجموعة أدوات تشتغل في تفاصيل العيش قبل الملفات. السلطة ليست توريقًا واضحًا فحسب، بل هي الكلمة، والنكتة، وطريقة الوقوف والسير، والهمس الذي كان يُقاس، والخوف الذي كان يُدار كإيقاع يومي. لذلك لم تكن المشكلة أن العنف كان مكتوبًا فقط، بل أنه كان يعيش تحت الجلد، ويعيد تشكيل أسلوب الحياة نفسه حتى يصبح ما يبدو "طبيعيًا" نوعًا من الغشّ، وما يبدو استقرارًا مجرد تدريب طويل على النجاة.


صار ممكنًا أن نتنفس خارج تلك الآلة الكبرى، لكن الخطر أن يتحول هذا التنفس نفسه إلى غشّ جديد إن لم نفهم ما الذي كان يسقط فعليًا. نعم، نحن أمام نجاة من الإفناء، وأمام طريق يُعيد للإنسان حق اختيار الموت والتفكير فيه بدلاً من أن يُساق إليه بوصفه وظيفة. لكن سقوط الآلة لا يكفي إذا بقيت أدواتها الصغيرة تعمل في اللغة والعلاقات والمدينة والذاكرة.


هنا تفيدنا مركزية غواتاري عن البيئات الثلاث بوصفها مركزية للإصلاح لا مجرد وصفٍ فلسفي أو مخيالي: بيئة نفسية تخص الذات، وبيئة اجتماعية تخص العلاقات والمؤسسات، وبيئة طبيعية/مدينية تخص المكان. الخلاص بعد الأسد ليس إسقاط جهازٍ فقط، بل إعادة إنعاش هذه البيئات التي خُنقت طويلًا. لأن التحرر يبدأ حين نُصلح بيئة الذات، وبيئة الاجتماع، وبيئة المكان معًا؛ وإلا سنستبدل آلة بآلة، ونجاة عمياء بنجاةٍ أكثر تهذيبًا لكن بلا معنى. هذا ما كان ينبغي أن يبدأ بعد السقوط: إصلاحٌ مركزي لبلدٍ مُدمّر في بناه التحتية، وناسٍ صار أكثر من نصفهم خارج الأمكنة التي وُلدوا فيها وترعرعوا، كأن الخلاص لا يكتمل إلا حين يُعاد وصل الإنسان بذاته، وبالآخرين، وبالمكان الذي سُرق منه.


بعد عام من سقوط الأسد نشأت مشكلات مفهومة بوصفها نتاج حرب أهلية طويلة، ومشكلات لم نعرفها ولم نتوقعها. ظهر العنف المشهدي، العنف المرئي الإلكتروني، ونوع من الحرية الغريبة في القول والتنقل؛ حرية تبدو وكأنها انفلات أكثر مما هي تأسيس. وظهرت مجازر مهيبة يُراد لها أن تُفسَّر كأعراض حرب، لا كإنذار سياسي وأخلاقي جديد.


وفي الوقت نفسه قبلنا بنظام جديد لم يفتح لنا الحرية إلا بوصفها موقفًا لغويًا: أن تعبّر معه أو ضده. حرية تصويت بالكلام لا حرية تأسيس بلد. لم تتحول هذه المساحة إلى مشروع وطن، بل إلى ساحة انقسام سريع، وإلى خلل منهجي وفظ في التعبير الاجتماعي؛ صار شتم الطوائف وشتم المختلفين جريئًا ومرعبًا في آن، لأن الجرأة هنا ليست شجاعة مدنية، بل دليل على أن أدوات الآلة القديمة قد تتبدّل شكلًا وتبقى فعّالة بروحها.


كلمات حدودها مطاطية

لكن المشكلة ليست سياسية فقط، بل لغوية مفاهيمية أيضًا. نحن نعيش كسوريين على كلمات حدودها مطاطية، وبسهولة تتحول إلى إشكاليات مفتوحة، لأننا نتخيّل الكلمات بوصفها أشياء نهائية، لا مفاهيم قابلة للضبط والتعريف. وهكذا تتحول الأزمة إلى شكل معرفي: نفقد القدرة على الاندفاع نحو المعرفة بوصفها مفهومًا أساسيًا، ونستبدلها بلغة التبريرات؛ تبرير النصر، تبرير المجزرة، تبرير الاقتتال. بعد السقوط، الخطر أن نستبدل حقائقنا المعيشة بحروب تبرير، وأن نخسر القدرة على بناء معرفة مشتركة عمّا جرى وما يجب أن يُبنى.


هذا يذكّرنا بنقد إلياس مرقص للفكر الذي يحوّل المفاهيم إلى جواهر، ويعامل الكلمات الكبرى وكأنها حقائق خارج التاريخ والمعنى والتحليل. حين تُسحرنا الكلمات بوصفها أشياء نهائية لا أدوات فهم، نصير أسرى لغةٍ تنتج تبريرات لا معرفة. ما بعد السقوط يحتاج تفكيك هذا السحر: إعادة الكلمات إلى تاريخها وحدودها، كي نستعيد قدرة بناء معرفة مشتركة لا مجرد اصطفافات لفظية.


وهنا يظهر فرقٌ جوهري يغيب عن كثير من القراءات المتسرّعة والمنتقمة: الزعيم الطائفي، على فظاظته وانغلاقه، غالبًا يشتغل بمنطق غايةٍ قصدية واضحة هي حماية طائفته وتعزيز شعورها بالأمان والانتماء. لا يحتقر بيئته، ولا يضعها كوقود صرف داخل ماكينة دولة، بل يعرض نفسه—على الأقل نظريًا—كضامنٍ لها. أما النموذج الأسدي فكان شيئًا آخر تمامًا. بشار لم يكن حامي طائفته بالمعنى الطائفي في الحروب الأهلية التي جرت في المنطقة، بل كان أقرب إلى رئيسٍ لا يهتم بطائفته ولا يحميها، ويعاملها كعمودٍ وظيفي داخل الأمن والجيش لا كجماعة تستحق الحماية. لهذا فإن نهاية العام الأول كشفت لنا بوضوح أن ما سُمّي طائفيةً هنا كان في جوهره منطق استخدام لقيادة العلويين للموت أكثر من أي منطق حماية يمكن اثباته. لكن هذا الوضوح لا يبدو كافيًا لإنقاذ العلويين من قسوة هذا العام. فالعدالة تُستبدل بسهولة بعقابٍ جماعي، وتتحول الطائفة إلى رمزٍ جاهز لكل فشلٍ سابق، ويُدفع بها خارج مفاصل الدولة، دون أن تُضمن حمايتها في مناطقها، ودون أن يُفتح لها مسارٌ واضح للاندماج في وطنٍ لا يُفترض أن يُعاد تشكيله بمنطق الثأر.


نحن لا نختلف فقط على السياسة، بل على معنى الكلمات الأخلاقية نفسها، لأن معيارها المشترك تفكك. إنها أزمة لغة أخلاقية قبل أن تكون مجرد صراع سياسي. حين تذوب المعايير المشتركة، تصبح الحرية كلمة مطاطية تُستخدم للتبرير أكثر مما تُستخدم لبناء بلد. ولذلك لا يكفي سقوط نظام كي تولد حياة عامة سليمة؛ المطلوب إعادة تأسيس تقليد أخلاقي حي عبر ممارسات ومؤسسات تُعلّم الفضائل المدنية، وإلا سنبقى ندور بين انفلاتٍ يُسمّى حرية، وعنفٍ يُسمّى ضرورة، وشتائم تُسمّى فعلاً سياسياً، فيما البلد يبقى مؤجلًا باسم الكلمات نفسها.


الحرية ليست نجاة فقط

الخطر ليس أن نختلف على الأجوبة فقط ولا التبرير، بل أن نفقد شجاعة الأسئلة التي تُنقذ المعنى من التبرير. لأن الاختلاف على الأجوبة يمكن أن يكون صحيًا إذا كان داخل أفقٍ مشترك من البحث والتدقيق، أما فقدان السؤال فهو سقوط الأفق نفسه. حين تختفي الأسئلة، لا يعود النقاش محاولة لفهم ما جرى، بل يتحول إلى سباق سرديات: كل فريق يكتب لنفسه محكمة، ويمنح نفسه البراءة سلفًا، ويمنح خصمه الإدانة جاهزة. السؤال هنا ليس رفاهية فلسفية، بل شرط نجاة سياسي وأخلاقي. هو الذي يمنع الحرية من أن تتحول إلى انفلات، ويمنع الذاكرة من أن تتحول إلى انتقام، ويمنع العدالة من أن تتحول إلى ثأر جماعي. السؤال يعيد الكلمات إلى حدودها: ما معنى الدولة الآن؟ ما معنى حماية الناس لا استخدامهم؟ ما معنى أن نرفض العنف حتى حين يغوينا باسم التاريخ؟


سقوط آلة قديمة لا يمنع ولادة آلة يقين جديدة. بعد السقوط قد ننتقل من استبدادٍ واضح إلى دوغمائية متخفّية: يقين ثأري، يقين طائفي، أو يقين ثوري يتصرّف كأنه فوق النقد. هنا تتحول الكلمات إلى سكاكين، وتعود السلطة من باب الحقيقة المطلقة” لا من باب الدولة. لذلك الخطر الأكبر ليس أن نختلف، بل أن نختصر البلد في إجابة واحدة، ونستبدل نظامًا اغتال السياسة بقاموسٍ جديد يغتال الأسئلة ويردها إلى انفعال الشارع. النجاة من الفناء يرتبط اليوم بمعنى الحرية والذي لا يصلح له إلا أن نقول أن الحرية هي أننا نجونا لا أكثر والحرية ليست نجاة فقط.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث