لا تزال غاليري LT، ومن حيث كونها منصة فنية معاصرة مقرها بيروت (مار مخايل)، تعرض، في شكل حصري، أعمالاً تعود لمواهب لبنانية ناشئة ولا تفتقر إلى الموهبة، كما تحاول التوجّه إلى عشاق الفن من جميع الأعمار والخلفيات، وذلك من خلال مجموعة من المعارض. وهي، بذلك، تعمل على وضع الجمهور في قلب المشهد الفني المعاصر في لبنان، وتمثل مساحة للحوار والإبداع، وتعزز التبادل الفني من أجل هدف أسمى يتمثل في إحداث تأثير ثقافي محلي ودولي.
"جرح الدخول"، بحسب ما تعنيه عبارة Entry Wound، هو عنوان المعرض المقام للفنان ريان عيد في غاليري LT. نظرة أولية على اللوحات المعروضة تدفع إلى التفكير في مقاصد الفنان، وهي المسألة التي تواجهنا عادة حيال أي معرض فني، كائناً ما كان نوعه. أول ما يسترعي الانتباه هي التسمية المذكورة التي أطلقها الفنان على معرضه. فكلمة جرح في حد ذاتها لا تشير إلى تفاؤل معيّن، بل إلى ألم ما، بحسب ما تفيدنا البيولوجيا، وهذا العنوان قد يبدو وكأنه يندرج ضمن الحالة العامة لهذا البلد المثخن بالجروح على أنواعها، بمدلولاتها الحقيقية والمجازية. هذا مع العلم أن هذه التسمية قد تنطبق، من دون شك، على حالة ذاتية تستقي بعض معالمها وينابيعها من الوضع العام الذي لا تخفى سلبياته على أحد.
وتبعاً للنشرة الخاصة بالمعرض، فإن ريان عيد "يحاول، من خلال أعماله، استكشاف فضاء هش يتعايش فيه الحضور والغياب، كما تتشكل فيه الهوية كوسيلة للبقاء، لا تعبيراً عن الحرية". الشخصيات الإنسانية، قامات كانت أو مجرّد بورتريهات، حاضرة في أعمال الفنان، بل يمكن القول إنها تمثل جوهر هذه الأعمال ونصوصها التشكيلية، المتمثلة وجوهاً ذات تعابير مختلفة من لوحة إلى أخرى. شخصيات تعود جذورها إلى بيئات مهمشة، وتقف أمام المُشاهد بصرامة وتحدٍّ هادئ، أجسادها مُتشكّلة بفعل ضغوط متراكمة ووجوه فنانين موروثة من التاريخ، كان ريان عيد استعارها كي تكوّن الهوّة الغامضة للقامة البشرية.
ثمة "بطل" في لوحة ريان عيد، وهو ليس مريضًا نفسيًا، بل يصبح كذلك فقط في الفعل الذي نفكر فيه. إن الدافع المكبوت هو واحد من تلك الدوافع التي تُكبت فينا جميعًا بالطريقة نفسها، والتي يُعدّ قمعها أساسيًا لتطورنا الشخصي، لكن الموقف تحديدًا هو ما يهز هذا الكبت. من خلال هذين الشرطين، يسهل علينا أن نتعرف على أنفسنا في البطل، ونحن، مثله، قادرون على الصراع نفسه، لأن من لا يفقد عقله في ظروف معينة كظروف بلدنا ليس لديه ما يخسره. لكن يبدو لنا أنه شرط، بالنسبة للشكل الفني، أن الدافع الذي يجعل الشخصية تكافح للوصول إلى الوعي، مع أنه قد يكون بإمكاننا التعرف عليه، لا يُسمى إلا بشكل غامض، بحيث تكتمل العملية من جديد في المشاهد من خلال الانتباه المشتت، وهو الذي تُسيطر عليه ألوان الشعور بدلاً من أن يكون واعيًا بها. ونتيجة لذلك، يتم بالتأكيد تجنب جزء من مقاومة ما يأتي من المجهول، كما يمكن رؤيته في العمل التحليلي حيث، بسبب قلّة المقاومة، تأتي فروع المكبوت إلى الوعي، الذي يرفض المكبوت نفسه، ولا يعترف به، كما هي العادة لدينا جميعاً.
لذا، فمن المهم أن يكشف الشكل الفني، في الحركة نفسها، عن طبيعة هذه الدوافع، وأن يخفيها. وإلا، فلن يجد المشاهد سوى الألم أمام التمثيل الصريح للمكبوت، والغضب والاشمئزاز، والهروب من مشهد أصبح لا يُطاق. وبما أننا نرى المشهد من وجهة نظر سيكولوجية، ونحاول تحليله من هذه النقطة نفسها، يمكن القول إن التطور العصابي للشخصية يعني، من جانب المشاهد، تغييرًا في موقفه. وفي الواقع، يتأمل المشاهد إعادة تمثيل، إسقاطًا لتاريخه والصراعات التي تحركه، ويجد نفسه، كما كان، مفتونًا بهذا الصراع. إن التأثير ذا الوقع هو نتيجة عودة، في لحظة العرض الدرامي، للكبت الأصلي الذي حدث بداخله، ويزداد شدة وتوتراً كلما كان هذا الكبت للماضي أكثر عنفًا.
لدى ريان عيد، تُعزز لغة العمل المادية هذا التوتر من خلال التجريد، والخطوط المُسننة، والطبقات الكثيفة، لخلق أجواء مضطربة. تُجسد البيئات المُتآكلة، المُزينة بلمسات من التحلل والتحول البطيء، الانتشار الخفي للصدمة والفساد والقمع، الذي يُعيد تشكيل الجسد والنفس بهدوء مع مرور الوقت. داخل هذه التضاريس المُشحونة، يتكرر الفراغ كصدع، ويصبح وجودها الصامت بمثابة مرساة للسرد: تفاعل بين ما تم تجريده مقابل ما يستمر في التأثير في الذات من تحت السطح.
حيال الأعمال المعروضة، وكما في المسرح، يتعرف المشاهد، إذا ما شاء، على شعور قديم جدًا. في المقدمة، نجد عودةً لعاطفةٍ معروفةٍ بالفعل، لكنها كانت حتى ذلك الحين حبيسةٍ في اللاوعي. يُجسّد هذا من خلال تلميحاتٍ خفيةٍ من الكاتب المسرحي، لكنّ تأثيرها على المتفرج يجهله البطلان؛ وهذا يعني أن الكاتب المسرحي لا يستطيع أن يجعل بطله يُعبّر عن أسراره ودوافعه بشكلٍ كامل. فالشخصية ليست سوى بوقٍ لدوافع لا واعية لا يُمكن التعبير عنها إلا بشكلٍ جزئي. هذا هو الفرق الكامل، إذا ما اتبعنا فرويد في عرضه الدقيق، بين الكاتب المسرحي ومن يُطبّق أطروحاته. إنّ هذه الفجوات الغامضة في دوافع الشخصية هي التي يملأها النشاط اللاواعي للمتفرج على المسرحية، ويُوفّر المتعة الجمالية المنتظرة. ويمكن القول إن الشعور نفسه ينطبق في مجال التشكيل، حين يستوفي العمل الفني شروطاً قد تكون متوافرة، أو لا تكون، تبعاً لمهارة الصانع وقدراته.
