في أكتوبر/تشرين الأول 1970، قبل أقل من عامين من مقتله في حريق متعمد نفذّته الموساد في بيروت (راحت ضحيته أيضاً ابنة أخته ذات الـ16 عاماً)، أجرى ريتشارد كارلتون مقابلة مع غسّان كنفاني - المتحدث الرسمي باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين آنذاك - لشبكة ABC الأسترالية. من المقابلة، التي يُمكن العثور عليها بسهولة في الإنترنت، يُمكن استخلاص مفهومين عبّر عنهما كنفاني، يتناسبان تماماً مع الفيلم الروائي "اللي باقي منّك" وهو الثالث للممثلة والمخرجة الأميركية من أصل فلسطيني شيرين دعيبس.
في مقطع أول، يقول كنفاني: "بالنسبة لنا، تحرير وطننا، والتمتّع بالكرامة، والاحترام، بل مجرد الحصول على حقوقنا الإنسانية، لا يقلّ أهمية عن الحياة نفسها"، بينما يعلن في مقطع ثانٍ أن "تاريخ العالم دائماً تاريخ الضعفاء الذين يقاتلون الأقوياء؛ تاريخ الضعفاء الذين يحقّ لهم محاربة الأقوياء الذين يستخدمون قوتهم لاستغلال الضعفاء". والواقع أنه منذ ما يقرب من 80 عاماً، يناضل ملايين الفلسطينيين من أجل "الكرامة والاحترام وحقوق الإنسان"، ومع ذلك، من الطبيعي أن نتساءل كيف كان فيلم مثل فيلم دعيبس سيحظى بقبول الغالبية الصامتة في الغرب.
والحقيقة المحزنة أنه إلى أن تتوافر الأدلة القاطعة على الإبادة الجماعية التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بتفويض من برلمان وحكومة تل أبيب، سيرفع كثيرون حواجبهم اندهاشاً أمام متابعتهم مسلسل تهجير مُخطَّط، في استكمال لعملية مستمرة بالفعل منذ عقود وسط صمت مريب من "العالم الديموقراطي الحرّ". لكن، في خريف 2025، مع انطلاق عروض الفيلم في عواصم ومدن أووربية وغربية، يبدو أن غالبية الناس تأثرت بالملحَمة العائلية التي صوّرتها دعيبس، والتي تبدأ العام 1988 في الضفة الغربية في ذروة الانتفاضة الأولى، ثم تقفز قفزة مزدوجة إلى الوراء، أولاً إلى العام 1948 في يافا، ثم إلى العام 1978 في مخيم للاجئين في الضفة الغربية المحتلة. لكن قبل عامين فقط، في أعقاب "طوفان الأقصى"، كان من المرجح أن يحتجّ العديد من هؤلاء الأشخاص أنفسهم. ففي النهاية، وكما أخبرنا أنطونيو غرامشي: التاريخ معلّم، لكن بلا طلّاب.
أربعون عاماً ليس فقط للتنقل بين ثلاثة أجيال من العائلة نفسها: شريف، الذي هُجّر من منزله اليافاوي بأشجار برتقاله الجميلة، فقط ليصعقه الجيش الإسرائيلي ويسجنه ويجبره على العمل القسري... وابنه سليم، الذي سعى في المنفى في الضفة الغربية إلى ممارسة الشعر والتدريس... وحفيده نور، الذي عانى القسوة الإسرائيلية في طفولته ثم وجد نفسه عالقاً في خضم الانتفاضة الأولى بدءاً من مخيّم جباليا للاجئين العام 1987 وانتشرت لاحقاً إلى غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية. لكنها أيضاً أربعون عاماً لإثبات فداحة خطأ أولئك الذين يعتقدون أن ما يحدث اليوم في غزة، مع الإبادة والتجويع والترحيل، ربما يكون ردّاً "مبالغاً فيه" على أحداث السابع من أكتوبر 2023.
الفيلم مستوحى جزئياً من التجربة الشخصية للمخرجة المولودة في الولايات المتحدة لأبوين فلسطينيين عاشا معظم حياتهما في المنفى، وهذا المعطى يغرس في الفيلم مشاعر مفجعة، كونه يروي تاريخ عائلة شهدت مأساة كبيرة، لكنه يقدم أيضاً أملاً في إمكانية الشفاء. تلتزم دعيبس بإبراز القصص العربية الأميركية، ولطالما اتسمت أفلامها بطابعٍ سيري، و"اللي باقي منّك" ليس استثناءً. لا تهتم بصور الحرب، لذا لن ترى أي قنابل أو منازل محترقة. بدلاً من ذلك، تقدّم دعيبس رؤى شخصية عن حياة عائلية هشّة شوّهتها الحرب. تكمن قوة فيلمها في نسج حبكته من ألمٍ شخصي عميق، كما في استعادتها مشهد إذلال أبيها على أيدي جنود الاحتلال (أبرزته في الفيلم، وإن بشكلٍ مُعدّل): ففي سن الثامنة، سافرت مع عائلتها إلى فلسطين للمرة الأولى، فاحتُجزوا على الحدود لمدة 12 ساعة. فُتشت حقائبهم كلها، حتى شنط شقيقتيها البالغتين من العمر عاماً وثلاثة أعوام، وخضع الجميع أيضاً لتفتيش جسدي. حاول والدها الدفاع عنها، فصرخ جندي في وجهه. كان الوضع خطيراً، أما ابنته ذات الثماني سنوات، فقد طُبعت في ذهنها صورة لن تنساها أبداً.
سردياً، تجيد دعيبس التعامل مع العناصر المألوفة والسمات المميزة لأفلام الميلودراما العائلية، وتفعل ذلك بثبات واضح، من دون أن تنحرف عن المسار. تحلّل الألم، وتتقبّل الحزن، مع محاولة إيجاد بُعد إنساني في الهمجية، والحاجة إلى إعادة تأكيد بعض النقاط الثابتة، بدءاً من حقيقة أن تلك الأراضي التي يسكنها الإسرائيليون الآن، والتي تقع في بعض الحالات على بُعد دقائق قليلة سيراً على الأقدام من البحر، لم تكن ملكاً لهم، بل حملت تاريخاً فلسطينياً عائلياً يمتد لعقود، إن لم يكن قروناً. هذه الذكريات المتقطّعة هي ما ينشغل بها "اللي باقي منّك"، حيث يجد أسعد لحظاته بين العامين 1948 و1978، ويزداد صعوبةً مع اقترابه من النهاية، خصوصاً عندما يركّز على الأزمنة المعاصرة، إذ يتميّز الفيلم بالعديد من القفزات الزمنية.
تصوير العالم الإسرائيلي لافت ومثير للاهتمام. فبينما لا يحيد تصوير جيش الاحتلال عن صورة "الشرير"، يُصوَّر المواطنون الأفراد، حتى أولئك الذين لم يخدموا في الجيش، باعتبارهم جبناء، أو ربما غير قادرين على فهم الظلم الذي ارتكبته دولتهم بحقّ شعب لا يُعترف حتى بحقّه في الوجود من منظور مؤسّسي (كما في مشاهد المستشفى، أو لقاء حنان، الحكيمة والصامدة - زوجة سليم ووالدة نور، التي تؤدّي دورها المخرجة نفسها - برجُلٍ لديه شيء مشترك مع عائلتها). الإسرائيليون هنا شعبٌ خامد، معتادون على ممارسة القهر لدرجة أنهم لا يتساءلون حتى عمّا يفعلونه. ومع ذلك، لا تسعى دعبيس إلى المواجهة؛ بل تفضّل إثارة قلق جمهورٍ لا يسعه إلا أن يشارك هواجس العائلة المسكينة، التي فقدت كل شيء ولا تملك شيئاً لاستعادته، سوى التقاط صورتها أمام بحرٍ مُزيّف أو أمام منزلٍ كان ملكها سابقاً، ولم يعد كذلك منذ ما يقرب من ثمانين عاماً. عبر قصّة حميمة و"ظريفة"، يحاول "اللي باقي منّك" أن يُذكّر، في فيلمٍ سلسٍ وعالمي، بالظلم اللامتناهي الذي عانته فلسطين وشعبها. بالطبع، هذا لن يُغيّر شيئاً، لكنه، يظلّ رغم ذلك، مُهمّةٌ ضرورية.
(*) عُرض الفيلم أولاً في مهرجان صندانس السينمائي، واختارته الأردن لتمثيلها في سباق جوائز أوسكار 2026 ضمن فئة "أفضل فيلم روائي دولي".
