أُقيمت في طهران منذ أسابيع حفلة إزاحة الستار عن نُصب في وسط المدينة (ساحة انقلاب) وحضرها حشد من سكانها. وتحوّل هذا الحدث الذي لا يسترعي عادة اهتماماً استثنائياً، من طرف الصحافة ووسائط الإعلام في العالم، كونه أمراً مألوفاً في المجتمعات والدول. إلا أنّ توقيته في هذه المناسبة، كان مشحوناً بالعلامات السياسية الفارقة، لا سيما أنه حلّ في ظرف حسّاس، جاء في أعقاب حرب اسرائيلية-أميركية اجتاحت فيها الطائرات الحربية أجواء بعض مناطق العاصمة الإيرانية لمدة أسبوعين، وأحدثت دماراً هائلاً. وأفصحت كلمات المسؤولين الذين ارتقوا منبر الخطابة، وعلى رأسهم رئيس بلدية طهران، عن سعي حثيث لإزالة الانطباع السلبي، الذي علق في أذهان الناس والمراقبين عن تراخي القبضة الإيرانية، وعجزها عن ردّ غائلة الهجوم الصاعق، من خلال محاولة تلميع صورة إيران، ورمزيتها كدولة صامدة أمام الأعداء المتربصين بها. بل إنّ عنوان الحفل: "ستركعون أمام إيران مرة أخرى". أوحى بهذا المنحى الثأري المُلحّ لتغيير ما أصاب هذه الصورة المستباحة، من تقبيح، ومن عطب. واستبدالها بما يُظهر المباهاة بالمشاعر القومية والاعتزاز بتاريخ البلد.
والنُصب المنحوت، استلهمه المنظّمون من أثر تاريخي منقوش على الصخر، يخلّد ذكرى انتصار جيش الملك الساساني شابور الأول، على الجيش الروماني الذي قاده الامبراطور فاليريان، في معركة الرُها عام ٢٦٠ ميلادية، والذي مُني فيها بهزيمة ساحقة، وأفضى إلى وقوعه أسيراً بين يدي خصمه الفارسي. والنقش يصوّر فاليريان راكعاً متوسلاً شابور الذي يمتطي صهوة جواده مشرئباً، وعلى رأسه تاجه الملكي، في حين يبدي الحاكم الروماني الصاغر علامات الاستسلام والخضوع والمذلّة.
يُمكن للباحث الذي يتأمل هذه المشهدية، أن يكتشف خلف مرأى هذا التمثال التذكاري أبعاداً أخرى، تتجاوز النظرة الخاطفة، وردّة الفعل الفورية السريعة التي عمدت فيها السلطات الإيرانية إلى رأب الصدع، وترميم سمعتها العسكرية المتهافتة، بإحياء رموز ماضيها الإمبراطوري المضيء. وهذه المزاوجة بين الماضي والحاضر، ومراوحتها بين القوة والضعف، وبين الشعور القومي والشعور الديني، تمثّل صلب الإشكالية الفكرية المعقّدة التي تفتقد عند الإيرانيين إلى المخارج البيّنة والواضحة المعالم، والتي تشكّل مساحة نقاش مطوّل لا تخبو حرارته، بين النخبة الإيرانية الدينية والنخبة المدنية أو العلمانية منذ عقود، لا سيما بعد استيلاء الملالي على الحكم، دون أن يهدأ أواره في الفترة السابقة واللاحقة على تقلّدهم زمام الأمور.
وقد أفرز هذا السعي المحموم لبناء إيديولوجيا، ترتكز على الدين بنسخته الشيعية التي يعتنقها غالبية الإيرانيين على اختلاف قومياتهم، جدالات محمومة، بين خطابين متباينين، يحولان دون الاتفاق حول مضمون الهوية الواحدة، ويتراوحان بين الأصالة والحداثة. ودائماً ثمة ثنائية مستترة حيناً، وظاهرة أحياناً، تتنازعان أذهان الإيرانيين، هما: النزعة الفارسية القديمة، والإسلاموية الشيعية. ولم يتمكن النظام الإمامي الشيعي الذي فرضه الصفويون بالقوة، على سائر سكان الهضبة الإيرانية، منذ القرن السادس عشر، والذي بلغ ذروته مع الإمام الخميني الولي الفقيه المطلق الصلاحيات، من توحيد الآراء حول الهوية المنشودة.
وربما نجحت النزعة المذهبية الشيعية التي يتمسك بها الخمينيون، في حجب الهويات الأثنية والوطنية، داخل هذه الهوية المشتركة التي تهيمن عليها الثقافة الفارسية، وتحرمها بذلك من تميّزها وخصوصياتها.
وفي نطاق الدراسات الاسلامية في الغرب، استأثرت القضايا الإيرانية بمزيد من الاهتمام البحثي، من جانب العالم الانكلوساكسوني، على خلفية الصراع السياسي بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والقوى الغربية منذ العام 1979 وما ولّدته من أزمات. ولم تلحظ هذه الأبحاث إيران إلا ككتلة واحدة متماسكة، ولم تلتفت إلى محل النزاع داخل الهوية المركزية المتأرجحة، بين أكثرية حاكمة وأقليات محكومة، وبين خطابين إسلامي وقومي، وإيراني وفارسي.
ورأى علم صالح وجيمس وارل في مقاربتهما للهوية المجتمعية الإيرانية، أنّ النظام الديني الإيراني الذي يخوض صراعاً على النفوذ والغلبة بينه وبين محيطه، لا سيما حربه السابقة مع العراق، يحاول في خطاباته حجب العناصر المتنافرة، وطمس الازدواجية الإثنية - الدينية بشكل متزايد، تحت ذريعة أولوية الأمن الاستراتيجي، على ما عداه.
وتستوجب معاينة القضية الإيرانية صياغة حلّ لمعضلة (dilemme) وقوفها بين خيارين محرجين. لا يُعرف أيهما الأساس: الخطاب الإسلامي أم الخطاب القومي. وهو أمر يزيد من صعوبة فهم إيران المعاصرة لذاتها. المتأرجحة بين تمجيد تراثها الإمبراطوري الفارسي، ما قبل الإسلامي، والتقاليد الدينية الإسلامية المعمول بها.
والمسألة تتجلّى في إعادة ترسيم الحدود الجيو سياسية للدولة الحديثة الصلبة المنشودة، المتجذّرة في الأرض، التي يشكّلها الوعي الجمعي، والمصلحة المشتركة، ويحقق فيها الشعب ذاته. بيد أنّ صعوبة تحقيق ذلك في الدولة الإيرانية الحالية، عائد إلى عدم كفاية الركن الديني المذهبي الموروث من الحقبة الصفوية، والمؤسِس لشرعية السلطة السياسية المركزية، القائمة على سردية الاستشهاد، وانتظار الإمام المهدي، والتماس علامات ظهوره. ويرى باحثون في هذا المقام، أنّ المثقفين الإيرانيين المتأثرين بالفكر الغربي الحديث، يلعبون اليوم دوراً في صياغة كيان متجانس، وفهم جديد لهوية إيران الحديثة، يلائم بين الهوية الآرية، والهوية الدينية. في حين ينبذ الخمينيون واتباعهم الفكرة القومية باعتبارها ظاهرة علمانية من منتجات الفكر الغربي، وخصماً لدوداً لوحدة الإسلام التي يطمحون إلى عقدها، تحت راية ولاية الفقية المطلقة، و في عاصمة الشيعة في العالم.
إزاء هذه المعادلة المزدوجة، يبدو العامل السياسي المتحوّل والنشيط، أكثر مرونة من العامل الثقافي الديني العميق، الذي يحمل ندوب الماضي العريق، وطبقات التاريخ المتراكمة التي لا تزول، أو تُستبدل بسهولة. لذا تعمل الذاكرة الشعبية على استبطانها، واستعادتها بوجه، أو آخر، لتناسب صورة الحاضر وتطلعاته. وهكذا في ظل الحكم الإسلامي، تُقدَّم الخمينية، على ما يذهب إليه الباحثان صالح وورل، كسردية متواصلة منذ زمن قورش، إلى عهد ولي الفقيه، بحسبانها سنداً إيديولوجياً لتاريخ جامع للإيرانيين، في مواجهة الأعداء والقوى الكبرى التي تناوبت على احتلالها، والتي تمثّلها اليوم الإمبريالية الغربية، وذراعها الإسرائيلي.
وبالتزامن مع مقولة تصدير الثورة، بدا المنحى الإسلامي رديفاً للنفوذ الفارسي، ومساحة لممارسة العصبية الشعوبية، لاسيما إبّان الحرب العراقية الإيرانية وما تلاها.
ولا مناص من الإشارة إلى بعض المظاهر والمفاهيم التي تسم في أحيان كثيرة الخصوصية العرقية الآرية، من خلال طقوس وممارسات اجتماعية، يوليها الإيرانيون اهتماماً ملحوظاً اليوم، ويواظبون عليها، رغم تنافرها مع الفرائض والتقاليد الدينية الإسلامية. من مثل مهرجان النار "جهار شنبه سوري" (الأربعاء الأحمر) الذي يُحتفل به قبل حلول النوروز، رأس السنة الفارسية، بإشعال النيران في الساحات والقفز فوقها، كضرب من ضروب التطهّر الذي كان يمارسه المجوس. كذلك حفاظ الدولة على التدوين بالتقويم الثنائي الشمسي الزاردشتي، والقمري الإسلامي.
ولم يتوانَ علي شريعتي عن صبّ جام غضبه على رجال الدين المتعصبين والمتعنتين، والمتحالفين مع السلطة الشاهنشاهية آنذاك، وعن نقد النزعة الشعوبية لديهم، وانتحالهم علاقات ومصاهرات تاريخية ملفقة بين ائمة الشيعة، وبنات كسرى بغرض الوصل بين السلسلة السلطانية الساسانية، وبين السلطة الإمامية الشيعية، بهدف استدخال عناصر فارسية في صلب التشيّع.
وعانى الموروث الشيعي الإثني عشري، في العهد الصفوي انزياحاً واسعاً عن منابع الشيعة الأولية الاعتقادية والفقهية، وعن مصادرها العقلانية، إلى استلهام التيارات الباطنية والغنوصية، والروايات الإعجازية التي يجترحها الأئمة، كعلامات ساطعة على مشروعيتهم، وصحة عقيدتهم. وقد ذكر الباحث الإيراني محمد علي أمير معزي، الذي يترأس في باريس مراكز بحثية حول أصول المذهب، في كتابه (دين الكتمان) أنّ فكرة أهل البيت وذريتهم مستوحاة في الأصل من صورة بيت النبي داود في العهد القديم، أو التصور المسيحي للعائلة المقدسة، وهذا ما نلمحه في محاولة التقريب بين شخصية السيدة فاطمة، والسيدة مريم، حيث تحظى هذه المماهاة بين الشخصيتين بمكانة أثيرة في العقلية الشعبية الشيعية.
وفي معظم الأحوال فإنّ النظام الحالي يعاني من مأزق التوفيق، والتوازن المفقود إلى أجل غير مسمى، بين ماضيه وحاضره. وبين تقوقعه داخل مداه الجيو سياسي، وطموحه بالتمدّد خارج حدوده، تحت أية ذريعة، أو تطلّع غير مشروع، وعليه سيظل سؤال الهوية الماثلة أمامه، غارقة في تناقضاتها.
