الكتابة عن شوقي ابو شقرا بعد أكثر من عام على رحيله لا يعني أني لم أتأثر بالحدث الذي أسال حبر أقلام كثيرة. لا زلت أظن أنه من بين قافلة من الشعراء، الذين لا تصبح وفاتهم ذكرى منسية، ولا الكتابة عنه متأخرة. كائن على درجة عالية من ألفة لا تفارق، تلازم المرء دائما.
حزنت حينما سمعت النبأ، احسست بأن غصنا عالياً من القصيدة انكسر، لكني حينما تمعنت بما تركه ذلك الشاعر الذي يشبه "غيمة في بنطال"، وجدت أنه اخضر، مثل أثر لا ينمحي بفعل الوقت. مر شعر كثير، وعصفت رياح شعرية عاتية، لكن ما جاء به ذلك السنجاب النحيل، بقي معلقا كالوشم في ظاهر اليد، علامة على أن الشعر فعل نبل وفروسية، عصي على الوقت، وأقوى من الرداءة، ومهما عاش لا ينفد، أو تقل قيمته، يزداد سحره في عين من يحلم بكلام معجون بالحواس، ويفكر بلغة لا تهرم.
ذهبت إلى مكتبه في صحيفة النهار عام 1980، وكان في أول شارع الحمراء ببيروت، قريبا من مقهى الاكسبريس. طرقت بابه بلا موعد، فطلب مني الجلوس. سألته عن حاله فأجاب أنه يعاني من ألم في أحد أضراسه. ابتسم بعد ذلك التصريح، وهو ينظر نحوي ينتظر مني رد فعل ما. قلت له، إن كأسا من "ماء إلى حصان العائلة"، كفيل بتهدئة جميع الآلام. ضحكنا، وانتقلنا عن حديث الصحافة والشعر، أودعته قصيدة، وضعها في الدرج، وطلب مني أن أزوره دائما، هو يستأنس بالشعراء الشباب القادمين من سوريا والعراق في ذلك الوقت، وحدثني عن بعضهم بود وصداقة، وفاجأني بالتقاطات من قصائد لهم، هم أنفسهم لم يدركوا الأثر الذي يمكن أن تحدثه لدى شاعر من بيئة ثقافية أخرى.
التقيت به لاحقا عدة مرات، وتكررت زياراتي له لوحدي، وبرفقة أصدقاء آخرين، في مكتبه بالجريدة، لكن اثر الزيارة الأولى مكث في ذاكرتي أكثر من كل اللقاءات، ربما يعود ذلك إلى الكشف الذي وفرته الجلسة التي جرت بعفوية ومن دون موعد، حيث غادرت مكتبه وأنا أفكر بما يميزه عن أقرانه من مجلة شعر، يوسف الخال، انسي الحاج، ادونيس، محمد الماغوط.
كان عليّ أن أجلس معه، وأواصل قراءة كتاباته حتى تنفتح أمامي نافذة واسعة نحو أفق ملون لم يكن في الحسبان، وتصيبني بنكهة لا تفارقني كعدوى، بقيت تلازمني لم يمكن لي الشفاء منها على مدى زمن طويل. لغة تدندن، تكسر رتابه صمت اسمنتي، تسخر من ثقل الصناعة البلاغية الاستعراضية، التي تهبط على القارئ من سماء عالية، مسلحة بقاموس يحتاج إلى قاموس آخر من أجل تفكيك معادلاته، ليصل الناس، وقد فقد بريقه الخاص، ولم يبق منه سوى الاستعارات المستوردة من عوالم بعيدة عن شعرنا العربي.
تخيلته دائما، يشبه ذلك الطائر ذي المنقار الطويل، نقار الخشب، الذي يحفر في ساق الشجر ليبني عشه، في حين أنه في وسعه أن يعمره على غصن مرتفع. يمارس هذا النشاط لا كي يرهق نفسه، بل يصنع ثقباً هندسياً على سعه أحلامه ومخاوفه.
بدت لي مجموعة قصائده غارقة في عالم الرؤى والإشراقات التي تتدفق بلطف، وكأنها تنسج خيوط شبكة إنسانية تجمع بين الحلم والخيال. يكتسب الحلم زخما، ويمكن اعتباره انعكاسًا لحياة شاعرٍ شهد وقرأ الكثير. شاعرٌ رحّالٌ يراقب من بعيد العالم السياسي والثقافي، ويميل إلى إخبارنا أشياء كثيرة عن الحياة اليومية. ويبدو الشاعر منهمكا في وظيفة شعرية خصوصية، تقوم على الاستخدام المنهجي للقياس والاستعارة والرمز لشرح ما يفترضه العقل ولا تراه العين، في ديناميكية من النقل والتجلي، في كل جملة شعرية جرعة كافية من العجيب، لإثارة الانتباه والدهشة.
سررت بقراءة شعر نادر، كالذي تحفل به قصائد أبو شقرا، من منظور الاهتمامٍ بالتحرر، ورغبةٍ في تجاوز القواعد، والرموز الراسخة المفروضة على مدى العقدين أو الثلاثة الماضية: وهم الغموض، والقيود الشكلية، والابتعاد عن اللفظية المفرطة، والاتجاه نحو ما ينتج العاطفة في قلب كل نشاط شعري. يقود القارئ إلى إدراك خاص للألفة. وبقدر ما يسمح لنا فحص أعماله بتمييز تجلياتها الشعرية، فإننا نصبح أكثر قدرة على إدراك الفرادة التي يتحلى بها نصه الخاص، الذي لا يشبه غيره، ولا يتقاطع مع سواه، ولا يتوسل أي تقليد، ينهل من طفولة على مد النظر.
شعر يصل إلى قمة لحظة كالقشعريرة، بخفقان أجنحة عصفور يحلق عاليا. وهكذا، تبدو قصائد النثر لديه، رغبة في رسم خط قمة، أو الحرص الدائم على بلوغ أفق، حيث تؤكد نفسها كموقف من الكتابة. نجد فيها دروبا كثيرة، واستكشافات متقطعة وغير مكتملة. وهكذا، يكتب عن كل شيء، وفقا لقوانين الإحساس، وللتحول الشعري في لقائه المغامر مع العالم الخارجي.
على أي حال، لا يمكن فهم كتابة شوقي ابي شقرا فهما حقيقيا دون وعي خاص بلغة شعرية خاصة، أعمق وأكثر ثراءً، ذات صدى قوي بعالمنا الداخلي. لابد من قاسم مشترك بين مؤلف العمل وقارئه في المجال السريالي، دون البحث في الأدب عن إجابات جاهزة لأسئلة مطروحة بلا عمق، ودون الركون إلى الراحة في اليقينيات المنسجمة تماما مع البيئة الشعرية المحيطة.
