لم تكن السجالات الحالية التي تتردد بين فينة وأخرى في عموم البلاد، حول تحريم أو السماح بكل ما هو "جديد"، ظاهرة جديدة في المشرق الممتد من المغرب إلى أواسط آسيا. فكل "جديد" كان يثير زوابع من ردود الأفعال التي تفند كل ما يؤثر في المجتمعات المحلية، ولم تكن القهوة والتبغ حالة خاصة أبدًا.
التبغ والقهوة دخلا معًا تقريبًا إلى المجال العربي الشرق أوسطي في ظل الدولة العثمانية في زمن تشكُّل "ثقافة عمومية" جديدة للتسلية والاختلاط الاجتماعي. كانت الديار الشامية—بحكم موقعها التجاري بين الأناضول ومرافئ المتوسط والحجاز—أحد أهم ممرات هذا التحوّل. وما إن وصل التبغ من العالم الأطلسي عبر وسطاء أوروبيين وطرق المتوسط، في أواخر القرن السادس عشر، حتى بدأ يُستهلك ويتداول في الأسواق والمقاهي والبيوت في حلب ودمشق وصيدا، جنبًا إلى جنب مع مشروب جديد قادم من اليمن والحجاز: القهوة. هذا التزامن غيّر إيقاع الحياة الحضرية، وأدخل أدوات وعادات وأمكنة اجتماع غير مسبوقة مثل المقاهي والأرجيلة والغلايين. وقد لاحظ مؤرخو الثقافة الاستهلاكية أن انتشار هذه "اللذائذ الجديدة" أطلق ما يشبه الثورة الهادئة في أساليب الترفيه والتواصل اليومي.
جاء التبغ إلى السلطنة من البحر، بعد فترة قصيرة من انتشاره في أوروبا. وكان الطريق الذي سلكه يمر مع تجارة البحر المتوسط التقليدية أو مع البعثات الدبلوماسية والتجار الأوروبيين (خصوصاً الإنجليز والفرنسيون والبرتغاليون) الذين جلبوه أولاً إلى مدن مثل إسطنبول، إزمير، وحلب والقاهرة. لكن تثبيته اجتماعياً تمّ عبر المدن الساحلية وطرق القوافل الشامية. فالتجّار الدمشقيون والطرابلسيون والصفديون راحوا يجلبون أصنافًا مختلفة من "الدخان" ويجرّبون طرق استهلاك جديدة، فيما التقى التصنيع والحِرَف المرتبطة به—خاصة صناعة الغلايين ورؤوسها—مع خبرات محلية وإسطنبولية معًا. ويقدّم باحثو تاريخ المادة اليومية إشارات مبكرة إلى أن التبغ وصل نهاية القرن السادس عشر، ثم تغلغل سريعاً في الحواضر العثمانية، وبينها حلب ودمشق وصفد وطرابلس، بوصفه عادة يومية ووسيطًا اجتماعيًا لتزجية الوقت والحديث. هذه الصورة العامة تؤيّدها دراسات مقارنة عن البلقان والأناضول تشير إلى التطبيع مع التبغ خلال القرن السابع عشر رغم المنع المتكرر.
التبغ "يُذهب التركيز على العمل"
بدأت زراعة التبغ في أميركا الجنوبية في الألفية الخامسة قبل الميلاد. والنبتة تنتمي إلى فصيلة الباذنجانيات، وأكثر أنواعها استهلاكاً هما Nicotiana rustica وNicotiana tabacum اللذين حملا اسم جان نيكو، سفير فرنسا في البرتغال في النصف الثاني من القرن السادس عشر. ووفقاً للأرشيف العثماني، تعود أقدم إشارة إلى وجود التبغ في بلاط إسطنبول العثمانية إلى العام 1576. وقد أدخله بحّارة إنكليز إلى إسطنبول والأناضول وبلاد الشام نحو 1599، ولم يكن التبغ آنذاك بضاعة للعامة بل حكراً على النخبة الثرية، وكان يُستهلك بدايةً لأغراض طبية، إذ نُسب إليه أنه يُعين على السهر ويُسكّن الآلام. لكنه سرعان ما تحوّل إلى إدمان.
سُرعان ما حُظر تدخينه على الرجال والنساء بقرار من السلطان أحمد الأول (1603-1617)، ثمّ حظره العلماء في مكة معتبرين أن الناس يفرطون في التدخين ولا يركّزون على أعمالهم. ثم جرى منعه ثانيةً على يد السلطان مراد الثالث (1574-1595)، وبلغ التشدد في منعه التهديد بعقوبة الإعدام في عهد السلطان مراد الرابع سنة 1633 إثر حرائق أتت على خُمس إسطنبول. ورغم أن بعض الأخبار عن "الإعدام بالدخان" تحمل مبالغات أدبية، فإن دلالة المنع واضحة، فالسلطة رأت في التبغ والقهوة بنية تحتية للبيوتات العمومية التي قد تُولّد نقاشًا سياسيًا أو تتيح تنظيم العسكر والعيارين. ومع ذلك، ظلّ الاستهلاك ينتشر خارج العاصمة، وراوغت الأسواق المنع عبر البيع الخفي، حتى استقر الأمر إلى تساهلٍ ثم ترسيمٍ ضريبي في النصف الثاني من القرن السابع عشر وما بعده، لكن في العام 1646، وبعد اتضاح الفوائد الاقتصادية لهذا المنتج الإشكالي أصدر السلطان إبراهيم مرسوماً جديداً يجيز استهلاكه مقابل فرض ضرائب على الاستيراد والتصدير والإنتاج والتجارة، وتوّج الأمر بشرعنته حوالى 1720 عبر فتوى أصدرها مفتي دمشق الشهير الشيخ عبد النابلسي الذي كتب رسالة بعنوان "الصلح بين الإخوان في حكم إباحة الدخان" على أن يكون مباحًا إن لم يسبب ضررًا للمدخن نفسه ومن حوله وسرعان ما غدا التدخين ممارسة يشترك فيها معظم رجال ونساء السلطنة من شتى الطبقات.
منذ منتصف القرن السابع عشر أخذت هذه الموضة الجديدة تنتشر بسرعة في الفضاء العام، لا سيما في المقاهي، وكانت مؤسسات حديثة العهد آنذاك، اجتمع فيها الرجال لشرب القهوة التي كانت قد دخلت السلطنة حديثاً من اليمن. وكانت المقاهي فضاءات جديدة للتواصل الاجتماعي وحتى السياسي، إذ لم يكن للرجال العثمانيين قبلها أماكن كثيرة لبناء حياتهم الاجتماعية. وكما أوضح لامارتين في كتابه "رحلة إلى الشرق"، فقد بقيت المقاهي إحدى وسائل التواصل الوحيدة، إلى جانب المسجد. وقد نظر إليها السلطان بعين الريبة، إذ بدت له مراكز لانتشار الشائعات وتنظيم الفتن والعصيان.
الكنيسة
في أوروبا الكاثوليكية مُنع التبغ داخل الكنائس وأوقع البابا أوربان الثامن سنة 1642 عقوبة كنسية على من يدخّنه داخل كنائس إشبيلية، ثم خُفِّفَت هذه العقوبات لاحقًا، أي إن العِلَل كانت مرتبطة بحرمة المكان والانضباط العام أكثر من مادة النبات نفسها ومع استقرار العرف وفشل الحظر، رجحت سياساتُ التنظيم والجباية.
لكن هذا الانتشار في الشرق لم يمرّ بلا مقاومة. فالتبغ—مثل القهوة—بضاعة "بلا سابقة شرعية" في المدونة الفقهية الكلاسيكية؛ فلا ذكر لهما في القرآن والحديث، ما فتح "جدل التبغ" بين محرِّم ومُباح، وسمح للسلطة بتأطير المنع باعتباره دفاعًا أخلاقيًا وأمنيًا في آن. تعكس نصوص الجدل الديني والاجتماعي في القرن السابع عشر هذا التوتر: بين وُعّاظ و"مطهّرين" رأوا في الدخان مضيعة ومفسدة، وبين كتّاب وعلماء دافعوا عنه بوصفه نبتة نافعة أو عادة يجوز قياسها على مباحات أخرى.
اقتصاديًا، أدت الضرائب دور القاطرة في هذا التحوّل: كلّما اتسعت قاعدة المستهلكين، رأت الخزينة في التبغ موردًا ميسور الجباية، ثم غدا لاحقًا محور امتيازات مالية (احتكارات وتنظيمات متأخرة في القرن التاسع عشر)، أمّا في القرن الثامن عشر فتدل المسوح الاجتماعية على أن التدخين بات مشهدًا يوميًا مألوفًا في المدن والقرى على السواء. في الشام وحلب وجبل لبنان وحوران والساحل، كما في إسطنبول، صار التبغ جزءًا من طقوس المجالس والضيافة وربما من أنماط التديّن الشعبي التي تمزج بين السماع والسهر.
شراب "يُقهي"...مثل الخمر!
على خلاف التبغ، القهوة مولودة عربية: اكتسبت شكلها الاجتماعي في اليمن والحجاز، ثم عبرت شمالاً إلى القاهرة وإسطنبول في القرن السادس عشر. وتكاد حادثة مكة سنة 1511 تكون أول منع موثّق لهذا المشروب، حيث أغلق حاكم مكة خير بك (في العهد المملوكي المتأخر) المقاهي بدعوى ما يجري فيها من هجاء وسهر ومخالطة، واستند بعض فقهاء عصره إلى قياس القهوة على المُسكِرات. لكن المنع رُفع سريعًا بعدما وصل الخبر إلى القاهرة حيث كان السلطان نفسه من شاربي القهوة، ثم تكرّر الجدل بصورة متقطعة مع انتقال المشروب إلى مدن أخرى.
يسجّل رالف هاتّوكس، في دراسته المرجعية عن القهوة ومقاهيها، كيف تذبذبت الفتاوى بين التحريم والإباحة وفق ظرف السياسة وعلم الاجتماع، قبل أن تنجح القهوة في انتزاع شرعيتها بوصفها منبِّهًا لا مسكرًا. خصوصًا أن الالتباس جاء من التسمية حيث كانت كلمة القهوة في الأصل من أسماء الخمر في العربية لأنها تُقهي شاربها، أي تُذهب شهيته للطعام، وهذا أصلها من الفعل "قَهِيَ". وعندما ظهر شراب البنّ في اليمن والحبشة في القرن التاسع الهجري تقريباً، لاحظ الناس أنه يشترك مع الخمر في هذه الخاصية؛ فهو يُنشّط الجسد ويُقلّل الرغبة في الأكل، كما أنه صار يُشرب في مجالس بديلة عن مجالس الخمر المحرّمة، فاستُعير له الاسم نفسه بوصفه "شراباً يُقهي". ومع انتشار البن، صار المعنى الجديد هو الغالب، واندثر استعمال القهوة بمعنى الخمر، حتى لم يبقَ في الوعي اللغوي الحديث سوى أن القهوة هي مشروب البن، بينما ظل أصل التسمية متصلاً بالخمر بوصفهما يشتركان في فعل "الإقهاء"، لا في طبيعة الشراب نفسه.
في إسطنبول العثمانية، ظهرت المقاهي على نطاق واسع، منتصف القرن السادس عشر. هذه الأمكنة لم تكن حوانيت شراب فحسب، بل مسارح للقصّ والظرف، ومعارض للهو والسماع، ومواقع لمراقبة الأخبار. ولهذا رأت السلطة فيها كذلك فضاءً سياسيًا يحتمل نمو الشائعة والاحتجاج. جاء رد الفعل على هيئة منعٍ دوري وإغلاقٍ للمقاهي—لا سيما في الأزمات العسكرية أو المالية—بلغت ذروتها مرة أخرى في عهد مراد الرابع. غير أن الشواهد تُفرّق بين منع المقاهي ومنع شرب القهوة نفسه؛ فالملاحقة انصبّت غالبًا على الفضاء العام لا على الاستهلاك المنزلي، وهو ما يفسّر استمرار عادة القهوة حتى في أقسى موجات التشدد. ومع القرن الثامن عشر، اتّسع التسامح وعادت المقاهي بقوة، وصارت جزءًا ثابتًا من عمران المدينة ومشهدها النهاري والليلي.
"صُحبجي" يجلس للقدح والأنبوب معًا
في الديار الشامية، اندمجت القهوة سريعًا في نسق الضيافة، وتخلّقت حولها صيغٌ محلية في التحميص والتخمير والتقديم—من القهوة السادة الدمشقية إلى القهوة المرّة البدوية—وأقيمت المقاهي في الطرق والأسواق والبوّابات، وباتت الثقافات المحلية تتميز بطرائق صنعها، مع السكّر، أو مع الهيل، أو مغلية بماء بارد أو برغوة أو دون رغوة، وصارت محاضر للحكواتي والمُنشد والكركوزاتي. وسكن التبغُ المشهد نفسه، فغدا "الصحبجي" يجلس للقدح والأنبوب معًا. أي للقهوة والأركيلة، وقد عرف الحِرَفيون الشوام والبيارتة والحلبيون صناعة رؤوس الغلايين وصيانة الأرجيلة، وتكوّن سوق كامل لمستلزماتها. هذا المعمار اليومي هو ما جعل قرارات المنع قصيرة النفس؛ إذ كلّما حاولت السلطة نزع المشروب أو إخماد الدخان، اصطدمت ببنية اجتماعية اكتملت حلقاتها: بائع ومورّد ومقهى وزبائن ومروّحون للوقت. هنا تتكلم الوثائق الاجتماعية أكثر من النصوص السلطانية: فالعادة رسّخت نفسها.
لم يكن المنع شأنًا فقهيًا خالصًا؛ بل مركّبًا من ثلاثة عناصر: أخلاقي (خشية المجون وتبذير الوقت)، وصحي/طبي (جدل حول الضرر والنفع في خطاب الأطباء)، وأمني/سياسي (الخوف من المقاهي كفضاء للرأي العام والتحريض). في المقابل، جاء السماح لاحقًا من مركّبٍ معاكس: واقعية اقتصادية (ضرائب وامتيازات)، وتخفّف اجتماعي بعد اعتياد العادة وصعود الطلب، "وهو ما نراه في زماننا في أوروبا مع نبتة الحشيشة في هولندا والجدل البرلماني في فرنساوألمانيا". وتحوّلٍ فقهي لصالح الإباحة بشرط انتفاء الضرر والإسراف. لقد أحرزت القهوة والتبغ شرعيتهما بالتدرّج: من ذعر أخلاقي إلى تسامح اجتماعي فترسيم ضريبي ثم هوية مدينية.
