عام على السقوط: سوريا المحاكاة والآبار المشقّقة

أسعد قطّانالأحد 2025/12/07
علم الثورة السورية في دمشق (Getty).jpg
سنة على تهافت أسوأ نظام عربي في العصر الحديث (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ثمّة حكاية في سوريا عنوانها العالم الذي رحل والعالم الذي لم يولد بعد. إذا كان الذي رحل قد رحل فعلاً، فإنّ هذا الذي لم يولد بعد لا يتنزّل من السماء، بل يُستولد. والطريق إلى استيلاده تستوجب الكثير من الحصافة، والكثير من التواضع، والكثير من القدرة على الحوار، والكثير من الإيمان بالإنسان بوصفه «حيواناً» اجتماعيّاً وسياسيّاً. لكنّ هذا كلّه يكاد يكون غائباً عن وعي الساسة الذين آلت إليهم مقاليد السلطة على ضفاف بردى، كأنّ منتهى أمانيهم أن يطوّعوا الجديد مستنجدين بالقوالب القديمة. لكن دون ذلك قول نجّار الناصرة: "وليس أحد يجعل خمراً جديدةً في زقاق عتيقة".

 

بعد انقضاء سنة على انهيار النظام الطاغوتيّ في سوريا، يبدو أنّ هناك مَن زيّنت له نفسه أنّه يستطيع استنساخ تجارب الماضي كأنّ الثورة السوريّة لم تحصل. هذا الاستنساخ ذو وجوه وتضاعيف كثيرة: 

أوّلاً، التصوّر الهلاميّ أنّ مشكلة مَن لا يشاطرنا الرأي يمكن حلّها عبر اللجوء إلى العنف والقمع والذبح. 

ثانياً، العزوف عن استدخال الآخرين، ولا سيّما العقلاء، وحصر السلطة برجل واحد أو بحفنة من الرجال لا يفقهون معنى التشارك في السياسة.

ثالثاً، الإمعان في محق المجتمع عبر تعطيل قيام الأحزاب وتحويل الشعب إلى مجرّد كتل طائفيّة يتكلّم باسمها «رجال» دين أقلّ ما يقال فيهم إنّهم أغبياء مصابون بلوثة السلطة، وأكثر ما يقال فيهم إنّهم أربّة أجهزة المخابرات. 

رابعاً، تحويل إدارات الدولة إلى مساحات للا-قانون والكيفيّة والعسف يتحكّم فيها «شيوخ» جهلة بعدما كان يتحكّم فيها العسس. 

خامساً، الوقوع في فخّ الثنائيّات القاتلة على حساب المواطنة التي تحتضن التنوّع وتصونه بريف العين: الغالبيّة والأقلّيّة، المركز والأطراف، المذهب الحنيف والمذاهب الهامشيّة. 

تطول اللائحة والخلاصة واحدة: الاستعاضة عن الاستبداد السافر بالاستبداد المنقّب في حين أنّ فوضى الخطف والترويع والانتقام تكاد تبتلع كلّ شيء.

 

في الأنثروبولوجيا وعلم السلوكيّات النفسيّة، يسمّون هذه الظاهرة "محاكاة" (mimestism). للمحاكاة أكثر من نموذج لعلّ أبرزها، في سياق الجماعات ذات الذاكرة المجروحة، نموذج الضحيّة المهجوسة بجلّادها، فتجدها تتخلّق بأخلاق هذا الجلّاد، وتسعى إلى مداواة جراحها عبر بزّه في غيّه واستبداده. هذا الضرب من المحاكاة المريضة يحتاج إلى علاج. والعلاج لا يكون بالتعتيم على الجرح أو التعاطي معه بالخطابيّات المثقوبة. ثمّة مسار علاجيّ قوامه العدالة والعدل، ويقتضي الإحجام عن الانتصاريّات المزيّفة، والسماح للمجتمع بأن يرمّم ذاته سياسيّاً. وهذا لا يتسنّى من دون المسارعة إلى بناء هيكليّات تحمي الحرّيّة، وتضمن الحدّ الأدنى من العدل، وتتيح نشوء أحزاب عابرة للأديان والطوائف.

بعد مرور سنة على تهافت أسوأ نظام عربيّ في العصر الحديث، ثمّة في الشام مَن يحفر لنفسه آباراً مشقّقةً لا تضبط ماءً، كما كتب إرميا النبيّ ذات يوم. يحسب أنّ العلاقات بالخارج أهمّ من المِنعة في الداخل. ويفترض أنّ نجاعة الترتيبات الاقتصاديّة تداوي الأمان المنتقص والهوّة الفاغرة بين الشعور بالغلبة والشعور بالإحباط. ولا يأخذ في الحسبان أنّ فيروساً غير مرئيّ يستطيع أنّ يهدّ الجسم برمّته إذا لم يكن ثمّة جهاز مناعة يتصدّى له بفاعليّة. والحقّ أنّ مناعة المجتمعات لا يصنعها تغليب فئة على أخرى أو مذهب على آخر، بل العدل، والعدل وحده، الذي هو أساس المُلك ومِلحُهُ. فإذا فسد الملح، فبماذا يملَّح؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث