"صور وحكاية صيداوية من ذاكرة والدتي"، "الكناية العاميّة الصيداوية، لغتنا المحكية من ذاكرة والدي" و"قاموس الآثار والمصطلحات الاثرية صيدا نموذجاً"، ثلاثة كتب للدكتور طالب قرة أحمد في مدينته صيدا.
كتب في "مقدمة كتاب صورة وحكاية صيداوية": لقد كتبت وأرخت لمدينتي الجميلة صيدا ولكن ذلك لا يكفي، ولن يُشبع رغبتي الجامحة في أن أكون الينبوع الذي لا ينضب والبحر الذي لا يجف. تنتابني بين لحظة وأُخرى شطحات جنون وعِشق لا يتوقف عن رسم لوحات تاريخية من هنا وهناك تُجسد ما في مخيلتي من معالم المدينة التي أحببت. لوحات أعلقها في مخيلة كل صيداوي تواق ليعيش ماضي صيدا العريق في كل نواحيه، لينشط ذاكرته وليرتبط بالمدينة القديمة من جديد علَّه ومعه الكثير من أبناء المدينة يكونوا من الذين يتوقون لإعادة رسم تاريخ المدينة بحلة تراثية تُعيد مجدها التليد.
تاريخ مدينتي صيدا وقصصها لا تنضب ولا تنتهي فهي مُعششة في كل بيوتها، وحاراتها، وشوارعها، وأزقتها الضيقة، وساحاتها العامة: ساحة باب السراي، ساحة الساحة، ساحة ظهر المير، ساحة اللاظ، ساحة الجميزة، المصلبية، حارة الحمَّام الجديد، سينما الحمراء، سينما أمبير، حارة الجامع، حارة القصَّاص، حارة الكنان، شارع الشارع، المسالخية، الزويتيني، رجال الأربعين، طل وإرجع، مار نقولا، الكشك، حمَّام الورد، حمَّام الزقليط، حمَّام الشيخ ، حمَّام السبع بنات، مقهى الغواصة، مقهى زهرة، مقهى رجال الأربعين، مقهى الكمال، مقهى عُمر بشاغة، ومقهى البهلوان، الحكواتي، كراكوز وعيواظ، خيال الظل.
الساحة، العلّية، المد، السطيحة، الصيرة، المحدلة، الماعوس، الدرفة، السكرة، قنديل الكاز، الموقدة، الوجاق، السحاحير، الكورة، المشكاك، مرح الزيت، المخباط، فرن الحطب، لوك العجين، تقريص العجين، هل العجين، خبز المشاطيح، الدبش الغشيم، الكارة، هلّ العجين، زيت الصوصه، الخلقين، المشحرة، الناطور، عدَّان الماء، تصويل الأرز والقمح، الزنبيل، الطبلية، الطحنة، الجاروشة، الكِشك، الزيتون المسبح والمرصوص، الكبيس، الحطبات، كسر الصفرا، النملية.
الغسيل، وميّة الصفوة، الحلة والدِست، النيلة الزرقاء، رتي الثياب، تعزيل البيت، تنفيض البيت، تعسيف البيت، خُرقة الشطف، جلي الصحون، فرك الصواني والصحون، اليخنة، المنزَّلة، بابا غنوج، النواشف، آدام الفقراء: البرغل، البطاطا، الرشتة، حراق أصبعه، الزردا، المجدرة.
وخارج صيدا القديمة، بحر صيدا، نهر البرغوت، والمقهى النقَّال، مقام النبي يحيى، حي الشمعون ومنتزهاته وبساتينه الوارفة، خط سكة الحديد، الممتد من عين الحلوة وحتى نهر الأولي، ملتقى الطلاب من كافة مدارس صيدا والمتنزهون، لا سيما في فصل الربيع. الحنطور، الدرَّاجات الهوائية، والقليل من السيارات ،الحاكورة، أرض السليخ، الشوار، البيدر، النورج، البلَّامة، المذراة، النصبات، المراح، النكوُّب، المنخل، السُفرة، الفاعل، التعفير، التقصيف، العرزال.
اين نحن اليوم من كل ذلك؟ كل شيء تغيَّر وتبدل، وتماهى مع الحضارة والتقدم، حيث قضي على بساتين صيدا الوارفة الظلال، وسيطر الحجر على الساحة، وشُقت الشوارع، والأرصفة نُظمت، وزُرعت بشجر النارانج (البوصفير)، وأُقيمت الحدائق، ودور السينما، والمولات، وما إلى ذلك. ولكن كل ذلك لا يعيدنا إلى ماضينا الجميل البسيط الهادىء العابق بذكريات نسيناها نحن الكبار وابتعدنا عنها وجهلنا أبناءنا وحشونا أدمغتهم بعلم حديث وهذا صائب. ولكن وبالرغم من ذلك فإن جيلنا من الشباب الواعي ضاق ذرعاً بهذه الأمور وبدأ يفتش عن ماضي صيدا وتاريخها وتراثها، وذلك من خلال انفتاحه على العالم الخارجي الذي اهتم بتاريخه وحضارته، من هنا وجد هذا الجيل المثقف أنه من حقه أن يعود إلى تراث صيدا من جديد ليربطه بتكنولوجيا العصر ليكون معاصراً لتفكيرهم ومندمجاً مع واقعهم.
من هنا بدأت العلاقة تعود من جديد بين صيدا القديمة، وصيدا الحديثة عن طريق ارتباط الشباب بدراسات معمَّقة، وندوات عن صيدا بدأت تُلامس شيئاً من ماضينا وحضارتنا ليعيدوا مجدها التليد وقصص حاراتها وأزقتها وشوارعها الداخلية من خلال الزيارات الميدانية والبحث والتنقيب والتساؤلات والاستفسارات التي من واجبنا كمؤرخين أن نمد لهم يد العون ليكون تاريخ صيدا أمامهم وبمتناولهم بشروح مبسطة مبنية على الحقائق كما أخذناها من أجدادنا ومعمرينا ليغوصوا في تأملها والعيش معها بأريحية واطمئنان. والله الموفق لما فيه خير مدينتنا صيدا وعزها وتطورها.
وجاء في مقدمة كتاب "الكناية العامية": في كتابة: (فقه اللغة وسر العربية). يقول أحمد تيمور باشا: المقصود بالكِناية أن يتكلم المرء كلاماً أو يقول قولاً يعني به غير ما يقول أو يتكلم، أو ما يدل عليه ظاهر اللفظ.
ومن ذلك فإن "الكِناية" هي تعبير المرء عن الأفعال التي تستر عن العيون عادة، من نحو قضاء الحاجة بألفاظ تدل عليها غير موضوعة لها تنزهاً عن إيرادها على وجهها وتحرزاً مما وُضع لأجلها، إذ الحاجة إلى ستر أقوالها كالحاجة إلى ستر أفعالها.
وللكِناية عدة فوائد، منها التحرز من ذكر الفواحش السخيفة بالكِنايات اللطيفة، وإبدال ما تمجه الأسماع بما لا تنبو عنه الطِباع، ومنها التوسع في اللغات والافتنان في الألفاظ والعبارات فقد كنوا – مثلاً – "عن جامع كل شيء" بسفينة نوح.
وفي القرآن الكريم: (وإذا مروا باللغو مروا كِراما). فكنوا عن لفظه ولم يوردوه فإنهم أكرموا أنفسهم عن التلفظ به. (وهن لباس لكم وأنتم لباس لهن)، فكنَّى عن كل النساء بالقوارير، كما يُكنى عنهن بالريحان.
وللعامة في ذلك الميدان ألفاظ مقبولة تؤدي ما يعنونه من قول وما يلفظونه من كلام، وتُفصح عن المغزى وتكفي بالإشارة عن العبارة، وعن الصريح بالكِناية، وعن الحقيقة بالاستعارة بكلمات ثقة وعبارات رائقة، ومعانٍ جميلة مبتدعة، وإشارات بديعة مخترعة.
وورد في مقدمة "قاموس الآثار": تفتقد مكتبتنا في قسمي التاريخ والآثار في الجامعة اللبنانية إلى بعض المصادر التي نحن بأمس الحاجة إليها لا سيما عندما نزور المناطق الأثرية في لبنان إذ يلفت انتباهنا غنى لبنان بآثاره المتنوعة والتي تحاكي كل الحقبات التاريخية من فينيقية ورومانية ويونانية وبابلية وآشورية إلى غير ذلك من الحقبات التاريخية التي تنتظر من يفتش عنها ليسبر أغوارها ليضفي على لبناننا العزيز علاقته بالماضي العابق بكنوز الثقافات الدفينة والتي من الممكن لا بل من الضروري بمكان أن نعمل جاهدين على أن نساهم ولو بالقليل في الحث على اكتشافها كأساتذة وطلاب في قسمي الآثار والتاريخ من خلال استقدامنا للبعثات الأجنبية والعربية المتخصصة في علمي الآثار والمكتشفات، والتي ستغني مكتبتنا بمكتشفات وبلُقى آثارية متحفنا اللبناني بأمس الحاجة إليها لتكون عنواناً للبنان الحضاري المرتبط أصلاً بماضى لا يستطيع أحد ان ينكره عليه.
وبعد، فإن ذلك دفعني وأنا أستاذ محاضر في قسم التاريخ إلى أن ابدأ في جمع كل ما تقع عليه يداي من مؤلفات تاريخية وآثارية علَّها تُنير لي الطريق وتهديني وترشدني إلى ما أصبو إليه من معرفة بعلم المصطلحات الآثارية وبالرغم من نُدرتها وقلَّتها إلا أنني عثرت على مؤلف مهم تحت عنوان "معجم المصطلحات الآثارية المصور" للدكتور زياد السلامين والذي استطعت من خلاله أن أكوّن فكرة عامة عن تعابير ومصطلحات أنا بأمس الحاجة إلى معرفتها على الأقل استطعت من خلالها فهم أي كتاب يتحدث عن الآثار بشكل متخصص. ووقعت على معجم للدكتور عاصم محمد رزق بعنوان "معجم مصطلحات العمارة والفنون الإسلامية" ساعدني على فهم العمارة الإسلامية وتعابيرها ومصطلحاتها. وليعذرني الدكتور زياد السلامين والدكتور عاصم محمد رزق على عدم تذييل معظم المعجم خاصتي بذكر كتابيهما وذلك لضيق المكان بالرغم من اعتمادي الشديد عليهما كمرجعين أوليين أساسيين، ولا أحسب هذا العمل إلا امتداداً لهما أولاً ومن ثم لكل من اعتمدت عليه من كتابات الزملاء الكرام الذين اجتهدوا في البذل لتقديم معاجم متخصصة في علم الآثار.
