لم يكن سقوط نظام الأسد مجرّد طيّ لمرحلة سورية دامية، ولا مجرّد نهاية لحكم عائلة أرهقت البلاد لعقود. بل كان لحظة ختامية لمشاريع سياسية وثقافية أريد لها أن تُبدِّل وجه البلاد ومن خلفها الشرق العربي لصالح المشروع الطائفي الإيراني، الذي استتر وراء شعارات المقاومة والممانعة، وأراد أن يلحق أربع عواصم عربية بطهران كما كان قادة الحرس الثوري يتفاخرون دائماً!
مشروع حكم الملالي الدمويّ جعل شعوب المنطقة تفزع من المستقبل الذي ستنتهي إليه، ولاسيما مع محاولة إيران تهشيم الثقافة العربية في سوريا ولبنان والعراق واليمن، وخلق بدائل تقوم على رفض العلاقة مع العمق العربي، بحجة أن الثقافة القادمة منه إنما هي ثقافة الإرهاب والتكفير!
وضمن هذا، شهدنا طيلة سنوات كيف حاولت المستشارية الثقافية الإيرانية وقبلها سفارة الولي الفقيه فرض نفسها على أنشطة المؤسسات الحكومية كوزارة الثقافة أو النقابية كاتحاد الكتاب العرب، وقد بذلت هذه الأدوات مالاً كثيراً لا يُعرف حجمه من أجل تسويق الحضور الإيراني في حياة السوريين.
بعد سقوط النظام تسارعت التصريحات الإيرانية التي تتهم السوريين بالتقصير، وتطالب الدولة الجديدة بسداد «الديون» التي أنفقتها طهران في سبيل حماية الأسد. هذا الخطاب المتكرر يعكس جوهر الأزمة الإيرانية: طهران لم تخسر حليفاً سياسياً فحسب، بل خسرت مشروعاً كاملاً بنته حجراً فوق حجر، وسعت من خلاله إلى فرض نفسها قوّة إقليمية لا تُردّ.
عندما يتحدث المسؤولون الإيرانيون عن الأموال، فهم لا يقصدون فقط المساعدات المالية أو خطوط الائتمان التي فتحوها للنظام، بل يقصدون ما هو أعمق وأخطر: ترسانةً ضخمة من الأسلحة، ومستشارين، وميليشيات، ومراكز تدريب، ومولدات كهرباء، وتجهيزات لوجستية، وشبكات مذهبية-أمنية وثقافية استطاعوا زرعها داخل المجتمع السوري. لقد تصرّف الإيرانيون في سوريا كما لو أنهم يبنون امتداداً طبيعياً للدولة الإيرانية، لا مجرد تحالف سياسي.
لكن المفارقة أن هذه البنية الضخمة انهارت دفعة واحدة حين سقط النظام، ووجد قادة طهران أنفسهم مكشوفين أمام العالم، حتى لدرجة التصريح بأن بشار الأسد حوّلهم إلى "أضحوكة" أمام دول المنطقة. إن هذه الجملة وحدها تكفي لمعرفة حجم الرهانات التي سقطت.
منذ اللحظة الأولى لدخول إيران إلى سوريا، لم يُقدّم تدخلها على أنه مشروع نفوذ أو توسّع، بل قُدِّم داخل إيران، وفي الأوساط التي تسيطر عليها في العراق ولبنان، بوصفه جزءاً من حرب مقدّسة.
كانت الآلة الدعائية تعمل في كل اتجاه: الرواديد الشيعة الذين شرح الباحث التركي آدم يلماز، "المنشدون الدينيون... جيش البروباغندا الإيرانية في الحرب في سوريا" بنية خطاب أناشيدهم التعبوية، وفحوى اللطميات التي تحوّل الحرب إلى طقس ديني، والخطب التي تربط سقوط دمشق بسقوط «المقدسات». حاول المشروع الإيراني تأطير المعركة باعتبارها امتداداً لمعركة عقائدية، وأن المقاتلين في سوريا إنما يؤدّون واجباً دينياً قبل أن يكون سياسياً. مستخدماً هؤلاء كجزء مهم من "جيش البروباغندا الإيرانية".
في الوقت نفسه، لم يكن المجتمع الإيراني بعيداً عن أثمان التدخل في سوريا، فقد وجد الإيرانيون أنفسهم يتحملون كلفة اقتصادية متراكمة، إلى جانب ضغط نفسي وسياسي ناتج عن خطاب رسمي يربط أي اعتراض بالتخلي عن «المصلحة الوطنية». بهذا الشكل، تحول التدخل إلى جزء من سياسة داخلية تقوم على التعبئة المستمرة، لا مجرد قرار خارجي عابر. وفي خلفية هذا كله، سعت طهران إلى تقديم تدخلها باعتباره مشروعاً ثقافياً-أيديولوجياً ذا بعد يتجاوز الجغرافيا السورية.
في فيلم المخرج الإيراني جعفر بناهي "مجرد حادث" المتوج بالسعفة الذهبية، في مهرجان كان لهذا العام، يظهر أثر هذا المشروع في سياق درامي: سجناء سابقون يواجهون أحد الجلادين، فيتذكرون كيف كان يستخدم لغة السخرية منهم والافتخار بأمجاد الحرب المقدسة، لتبرير التعذيب وانتزاع الاعترافات. لا يقدم الفيلم خطاباً مباشراً، بل يلتقط العلاقة بين العنف اليومي داخل السجون، وبين السردية الأوسع التي استُخدمت في تبرير التدخل الإيراني في سوريا.
وجود شخصية كانت جزءاً من المنظومة في لحظة الأسر بين أيدي الضحايا يتيح كشف البنية الداخلية لهذا العنف: السيطرة على الجسد، الضغط النفسي، وتبرير القمع باعتباره امتداداً لمعركة أكبر. ما يقدمه الفيلم لا يبدو استثناءً، بل تجسيداً لطريقة اشتغلت بها المنظومة الأمنية التي رافقت المشروع الإيراني في أكثر من ساحة.
بهذا المعنى، تصبح الهزيمة الإيرانية في سوريا أعمق من كونها تراجع نفوذ أو خسارة سياسية. فهي تعني تآكل السردية الثقافية والفكرية التي حاولت تصوير التدخل باعتباره ضرورة عقائدية أو مهمة تاريخية. ومع سقوط النظام السوري، تهاوت معها شبكات وتأثيرات كانت طهران قد بنتها خلال سنوات، بدءاً من أدوات القوة الناعمة، وصولاً إلى الميليشيات والمؤسسات الموازية التي سعت من خلالها إلى تثبيت حضور طويل الأمد. لم يكن تأثير الهزيمة محصوراً في المشهد السوري، بل امتد إلى الداخل الإيراني ذاته، حيث بدأ يظهر الحديث عن الكلفة العالية التي تكبّدتها البلاد تحت غطاء ديني وسياسي واحد.
وما يعزز هذا التحول هو التبدل في موقع دمشق نفسها. فالمدينة التي حاولت طهران تحويلها إلى مركز نفوذ سياسي وطائفي تشهد اليوم ظهور مشاريع إعلامية وسياسية عربية كانت مستحيلة في السابق. ولعل الإعلان عن انطلاق قناة معارضة أحوازية من دمشق مثال على هذا التبدل؛ فهو يشير إلى إعادة تشكل المجال السياسي في المدينة، وإلى انفتاح يختلف تماماً عن الحقبة التي كانت فيها القرارات تُصاغ بما يتوافق مع حضور الميليشيات والشبكات الإيرانية. أهمية هذه الخطوة تكمن في رمزيتها، إذ تعكس العودة المتزايدة للهوية العربية إلى قلب العاصمة السورية، وتراجع قدرة المشروع الإيراني على احتكار المجال العام فيها.
وفق هذا السياق، لا يبدو سقوط نظام الأسد حدثاً محلياً معزولاً، بل يمثل نقطة تحوّل أوسع في ميزان القوى الإقليمي. فقد انهار مشروع إيراني كان يعتمد على بيئة سياسية وأمنية محددة، ومع انهيارها فقد أدواته الأساسية. وما تبقى منه اليوم لا يتعدى روايات متفرقة عن «ديون» تريد طهران استعادتها، وشبكات عقائدية فقدت حضورها بعد أن انقطعت صلتها بالواقع السوري.
في المقابل، يفتح الوضع الجديد الباب أمام توجّه مختلف في سوريا، يقوم على إعادة بناء المجال السياسي والثقافي خارج تأثير القوة الإيرانية. وهذا ما يجعل لحظة سقوط النظام أكثر من مجرد نهاية لمرحلة؛ إنها بداية إعادة تعريف لدور دمشق وموقعها في محيطها العربي، وانتقال تدريجي نحو صيغة سياسية وثقافية أقل عسكرة، وأقرب إلى ما تفرضه الجغرافيا والهوية والتاريخ.
