في زمنٍ يزداد تعقيداً وتخبّطاً، يبدو أنّ العالم بأسره يتّجه بخطوات ثابتة نحو قيمة افتقدناها طويلاً: البساطة. هذه العودة، التي بدأنا نلحظها في السنتين الأخيرتين كردّة فعل على الأزمات ومحاولة جديّة لتحرير الإنسان من فائضٍ لم يعد يحتمله، ظهرت واضحة في أنماط الحياة، وصيحات الموضة، والهندسة... فكان السؤال الذي يُطرح على الصعيد الفنّي: كيف ستُترجم هذه البساطة في الفنون البصريّة؟
قد يكون معرض "نَفَس"، الذي افتُتح أخيراً في غاليري "أجيال" ويحمل توقيع الفنّانة والشاعرة عفاف زريق (1948)، هو الإجابة الأوضح على هذا السؤال. أكثر من عشر لوحات كبيرة الحجم، على قماش أبيض ناصع، تمرّ عليها الألوان برقّة وشفافية؛ وكأنّها زارت السطح لتترك قصيدتها الخفيفة ثم تابعت طريقها.
لوحات تُشبه الشعر، وليس ذلك بالمستغرَب. فزريق، صاحبة عدد من الكتب الشعريّة (باللغة الإنكليزيّة)، تُترجم شخصيتها الشاعرة إلى القماش من دون نيّة مسبقة، بعد مسارٍ طويل من التجارب منذ أكثر من خمسة عقود. ولعلّ الأعمال التي تحتلّ صالة «أجيال» حتى 27 كانون الأوّل/ديسمبر، تُشكّل الثمرة الناضجة لهذه التجربة، بما تحمله من روح صوفيّة وهيامٍ بالضوء، رافقا زريق منذ بداياتها.
زريق ليست اللبنانية الأولى التي تجمع بين الشعر والفن التشكيلي على خطَّين متوازيين. فقد سبقتها أسماء لبنانيّة حاولت خلق هوية تجمع بين الكلمة واللون، مثل إيتيل عدنان التي التصقت حروفها بألوانها على الورق، وسامية عسيران التي أصدرت كتباً شعريّة ترافقها رسومها. أمّا زريق، فقد أصدرت هي أيضاً كتباً تجمع بين الشعر والرسم، ورافقت نصوصُها أعمالَها في معرضها السابق في صالة «صالح بركات» العام 2023. إلا أنّ معرضها الحالي يكشف نضجاً مختلفاً: فالمشاهد، ولو لم يعرف شيئاً عن ممارساتها، يدرك من النظرة الأولى أنّ صاحبة هذه اللوحات شاعرة بالفطرة. لا تحتاج أن تُعلن ذلك، ولا أن تُرفق أعمالها بنصوص. فالشعريّة تنبض تلقائياً في جوّ اللوحات وفي طريقة تنفّسها.
يصعب تفكيك أعمال زريق الجديدة أكاديميّاً. هي لوحات خُلقت لنشعر بها ونتأمّلها، لا لنُحلّلها تقنياً. وهذا تحديداً دليلٌ على نضجها: أعمال لا تشكو من نقص أو تردّد، بل تتيح للمتفرّج أن يمنح نفسه مساحة للشعور.
يقف الناظر أمام السطح الأبيض، فلا يلمس سوى الرقة، والهدوء، وحالة التأمّل التي تُرافق الفنّانة. هذا الجو بالتحديد، كان ما يفتقده معرضها السابق، حيث بدت الأعمال آنذاك وكأنّها تتصارع مع نفسها، أو جزء من عمليّة لم تبلغ نهايتها بعد.
أمّا اليوم، في معرض "نَفَس"، فنحن أمام نتيجة مكتملة: خلاصة تُجسّد تجربة زريق وشخصيتها، وتجمع بين الشعر والصوفيّة والتأمّل، وبين عشقٍ أبدي للضوء. في أحدث ما توصّلت إليه زريق، ثباتٌ وحركةٌ في آنٍ واحد: قماشة بيضاء تحتضن خطّاً يتحرّك عليها، يمرّ فوقها كأنّه في رحلة بحث عن شيء ما… عن الحبيب الذي سيصل حتماً. نتيجة بسيطة، خفيفة، تستقرّ على زاوية الفكر بنعومة.
معرض "نَفَس" مثال واضح على كيف يمكن للبساطة أن تُترجم على القماش بأعلى درجات الإتقان. لكن هذه البساطة الذكيّة لا تُولد فجأة؛ لا يصل إليها الفنان إلّا بعد مسار طويل من التجارب والتعقيد. هذا تماماً ما خاضته زريق قبل أن تبلغ نتائجها الأخيرة التي تحطّ اليوم في بيروت. ولو كانت هذه البساطة مفتعلة، صادرة عن تجربة فقيرة، لما لمس المتفرّج كل تلك المشاعر التي تُرسلها لوحات زريق إلى روحه.
بين عباءة الأب ومسارها المستقلّ
عفاف زريق فنّانة تشكيليّة وشاعرة وأكاديميّة، لبنانيّة-أميركيّة، تسعى ممارساتها الفنيّة والكتابيّة إلى بلوغ الشفافيّة في تصوير "لون" الضوء. ارتبط اسمها باسم والدها، المفكّر والمؤرّخ القوميّ قسطنطين زريق (1909 – 2000). ورغم أنّ الابنة زريق لا تنكر تأثير والدها في تشكيل مسيرتها وفكرها، إلّا أنّها استطاعت أن تبني اسماً وهويّة خاصَّيْن بها، بعيدَيْن من عباءة والدها. هذه الهويّة يمكن اختصارها بكلمات بسيطة تُرافق اسم زريق في الشعر والرسم معاً: الصوفيّة والضوء والخفّة. نصوصها المكتوبة، مثل ملوّناتها، عفويّة، بسيطة، تتبع مساراً داخليّاً لا تهجس في أن يكون واضحاً سهـل القراءة.
تخرّجت العام 1970 بدرجة امتياز في قسم الفنون الجميلة في الجامعة الأميركيّة في بيروت، ثمّ التحقت بجامعة هارفرد، حيث نالت شهادة الماجستير. عرضت زريق أعمالها الفنيّة على نطاق واسع، وتناولتها مراجعات في "واشنطن بوست" و"واشنطن ريفيو"، وغيرهما من الصحف العالميّة والمحليّة. تُقتنى أعمالها في مجموعات فنّيّة عديدة، منها "المتحف البريطاني" في لندن، ومؤسّسة "بارجيل للفنون" في الشارقة (الإمارات العربيّة المتّحدة)، و"متحف سرسق" في بيروت، و"دارة الفنون" في عمّان (الأردن). وتمثّلها حاليّاً صالة "صالح بركات" في بيروت.
يُشار إلى أنّ لزريق عدداً من المؤلّفات التي تختلف موضوعاتها، مثل السيرة الذاتيّة في كتابها "والدي" (2010)، الذي تحكي فيه علاقتها بوالدها، أو "ما وراء الفن"، وهو مجموعة لوحات وقصائد عن فترة انتشار جائحة كورونا بدءاً من ربيع 2020.
معرض "نَفَس": يستمرّ حتّى 27 كانون الأوّل/ديسمبر 2025– غاليري "أجيال" (الحمرا، بيروت).
