في بلد مثل سوريا تحت حكم الأسد، تلعب الصدفة دوراً أكبر من حجمها، كون كل الخطط -مثل الحياة نفسها- معرضة للمقاطعة فجأة. لسنوات، ترددت المخرجة السورية الفلسطينية ياسمين فضة، على دير مار موسى الحبشي الواقع على بعد 80 كيلو متراً شمالي دمشق، وهناك راكمت أرشيفاً مصوراً عن الدير ورواده، وبالأخص عن الأب باولو دالوليو، الكاهن اليسوعي الإيطالي الذي خدم في الدير أكثر من ثلاثة عقود، حوّله خلالها إلى مركز للحوار الإسلامي المسيحي. كانت نية فضة أن تصنع فيلماً عن الأب باولو، لكن التقلبات العنيفة والتراجيدية التي رافقت اندلاع الثورة السورية لم تمهلها الوقت. في تموز 2013، اختفى الأب باولو في الرقة، واتضح لاحقاً أن مسلحي "الدولة الإسلامية" قاموا باختطافه.
في فيلمها "عيوني"(*)، تروي ياسمين فضة، التي عاشت في الكويت وسوريا وتحاضر في السينما لدى جامعة كوين ماري بلندن، بعضاً من سيرة المغيبين قسرياً وأحبائهم في سوريا. وفي سبيل ذلك، تركز على شخصيتين بارزتين: الأب باولو، وباسل الصفدي الناشط والتقني السوري الفلسطيني الذي شارك في توثيق الثورة السورية عند اندلاعها ونقل صور وحشية النظام إلى العالم، وذلك قبل أن يختفي في آذار 2012، في الذكرى الأولى لاندلاع الثورة السورية، وقبل أيام من زفافه على المحامية وناشطة حقوق الإنسان نورا غازي. مثل باولو، لدى باسل أرشيف مصوّر غني، وكأنه بوعي أو من دونه حاول بشكل مسبق مقاومة تغييبه ومحو أي آثر له. نشاهد مقاطع فيديو لعمله على توثيق أحداث الثورة، اجتماعات سرية مع آخرين ولقاءات مع صحافيين أجانب، لكن الأمر لا يتوقف عند السياسي. نشاهد قصة الحب بينه وبين ونورا وهي تنمو، أو بالأحرى تتفجر، مشاهد مفعمة بالأريحية وبالدفء والقلق أيضاً.
في هذا كله، ثمة ما يوحي بأن باولو وباسل يتصرفان وكأنهما محصنان، وكأن القوى الهائلة والغاشمة من حولهما لا تستطيع أن تمسهما. وهو ما نقتنع به نحن المشاهدين، ويورطنا في الانجراف معهما، وفي الاستسلام لتدفق يبدو طبيعياً للزمن، رغم أننا نعرف مصيرهما مسبقاً. بشكل ما، يصدمنا تغييبهما، وكأنه مفاجأة. وكأن ذلك الإخفاء ليس حدثاً وقع مرة واحدة، بل صدمة تتجدد في كل لحظة بطول الغياب الطويل والمفتوح. لا يتدرج الفيلم على خط زمني طردي، بل يومض بلحظات متفرقة من هنا وهناك، بتسلسل يتلمس دفقاً شعورياً ينمو مشهداً بعد آخر.
البديهي أيضاً أن هناك قبل وبعد، تحددهما لحظة الاختفاء. في تناوله للبَعد، يركز "عيوني" على نورا ومعها إيماكولاتا، شقيقة الأب باولو، وأخريات من أهالي المغيبين، وعلى سعيهن للبحث عن الحقيقة. نرى فيهن الشجاعة والصلابة وقوة الإرادة، وفي الوقت نفسه، نرى كيف يتحول وجه نورا المشرق بمسرّات الحب، وتترك فيه الهموم بصمتها، بعدما باتت تعيش في عذاب عدم اليقين بشأن مصير باسل. أما إيماكولاتا، الممزقة بين راحة الكف عن التفكير في مصير شقيقها أو تحمّل ألم مواصلة البحث عنه، فتختار أن "تخاطر بالبقاء على قيد الأمل".
يعرض الفيلم مستويات من مقاومة سلطة الإخفاء القسري. أحدها فيما الكاميرا تتبع موكباً لأهالي المغيبين يتنقل بين دول عديدة، للتظاهر وجمع التوقعيات والحشد السياسي من أجل الضغط على النظام السوري لإعلان الحقيقة بشأن ذويهم. وعلى مستوى آخر، يعمل الوثائقي نفسه، ومعه التسجيلات الأرشيفية للغائبين، دليلاً على حياة سابقة تتحدى المحو. الوثائقي الذي تم إنتاجه العام 2021، تصيبنا مشاهدته بعد سقوط النظام بمزيد من الحسرة. فحتى بعد رحيله، يظل الشر الأسدي ممتداً مع طمس معظم الأدلة التي قد تقود إلى معرفة الحقيقة. نشعر بشيء من الغبطة أن الأرشيف حفظ لنا بعضاً من سيرتَي باولو وباسل ولحظات من أملهما وسعادتهما وشجاعتهما، لكن ماذا عن عشرات الآلاف من المغيبين ممن لم يتركوا وراءهم الكثير؟!
(*) عرض الفيلم في مهرجان الفيلم الفلسطيني بالمملكة المتحدة.
