"يا بنت المعاون"، أغنية بسيطة لحّنها زياد الرحباني وأنشدها الفنان الراحل جوزيف صقر في مسرحية "سهرية" العام 1973 التي شكّلت تجسيداً لإرث زياد من حيث فكرتها وأغانيها الراقصة، عرضت في نادي بقنايا قبل أن تنتقل إلى مسرح الأورلي في شارع بلس ببيروت. ووصف زياد المسرحية بأنها كانت "فقط كناية عن أن واحدا أحبّ أن يعمل عملاً يلحّن فيه أغاني ويضع فيه موسيقى تحت تأثير جوّ الرحابنة" (مجلة "الطريق" عدد كانون الأول 1985).
تقول كلمات الأغنية "يا بنت المعاون":
أوف ... أوف ... أوف
طُولُ الْهَجْرِ يَا لَيْلَى تَلَفُنِي
وَدَارُ الْحُزْنِ مِنْ حَوْلِي تَلَفُنِي
وَتَبْقَى عِنْدَمَا تَفْضِي تَلَفُنِي
وَصَلْنَا خَطٍّ تَنْحَاكِي الْحِبَابُ
يَا عَيْنِي ... يَا عَيْنِي ... يَا عَيْنِي
يَا بِنْتَ الْمُعَاوَنِ
خَلْخَالُكِ لُوَّا لُوَّا
جَاوَبْتِكِ إِيوا إِيوا
وبعد أكثر خمسين عاماً على عرض المسرحية، ثمة من قال إن زياد استفاد من اللحن الأصلي المجهول للأغنية بصوت المطربة المجهولة ناجية الشامية، وأضاف إليه. وسرعان ما راجت المعلومة أو الملحوظة، بعضهم أوردها من بوابة التذكير بمصادر زياد التأثيرية وهي متنوعة شرقية وغربية ومصرية من سيد درويش الى زكريا أحمد، وروسية وكردية، ولبنانية من فيلمون وهبي إلى عمر الزعني، وبعضهم تحدث عن اللحن من منطلق تبرير اقتباس الألحان، أو لهدف تصوير زياد والظهور في فايسبوك.
أما ناجية الشامية، وبحسب المعلومات الضئيلة والشحيحة عنها، فهي مطربة شعبية سورية حلبية، من رهط الفنانين والفنانات الذي غزوا القاهرة مثل كميل شامبير، توفيق الصباغ، ونادرة وغيرهم. اشتهرت ناجية في مطلع القرن العشرين واستمرت في الغناء حتى الأربعينات، وقيل إنها هاجرت إلى القاهرة وعادت إلى الشام، وتعاونت مع الملحن اللبناني نقولا المتني (1900-1970) في أغنية شعبية ألفها الشاعر البيروتي مليح ديّة العام 1913 ومن بعدها غنتها "مطربة البادية" سميرة توفيق التي غيرت العبارة الأخيرة الى "آخ يا راسي". وتقول الأغنية:
الله يقصف عمر الحبّ طير عقلي من راسي
أولتو لوز وسكر وأخرتو ضرب كراسي.
وذكر الكاتب السوري جورج عيسى في كتابه "الشعر المحكي في الشام زمن الاستعمار الفرنسي" أن ناجية الشامية اختارت ذات مرة أغنية "تفصح عن شعور المرأة التي لم تكن أقل كبتاً من الرجل، أو أقل منه بوحاً عن عواطفها التي تتلهف إلى الجنس الآخر، وتتخيله – إن كان معجباً أو حبيباً أو زوجاً – ذلك الانسان الذي يتغزل بمفاتنها، ويخفف من غلواء رغباتها، وتكون هي لديه بمثابة الطفلة المدللة التي لا يحاسبها على تصرفاتها، أو ما يصدر عنها من هفوات كأغنية "يا ماما بدي عريس" التي تقول فيها:
بدي عريس يعجبني ما بدي اياه يعذبني
ليل ونهار يلعبني ويفرحني ويدلعني ويتشتشني
بدي عريس يداريني وان زعلته يراضيني
ایش ما عملت ما يحاكيني يا ماما بدي عريس".
أما بخصوص كلمات أغنيتها "يا بنت المعاون"، فتبدو الأمور ضبابية حول مصدرها، لا نعرف أن كان زياد استوحى مطلعها من ناجية الشامية أم من التراث المشرقي، فالراجح أن "يا بنت المعاون" مذهب عام ومنتشر في لبنان وسوريا وفلسطين ومصر مثل "يا حادي العيس".
في كتابه "تقاليد الزواج الدمشقي" يقول عدنان العطار: "عندما كانت الفتاة تركب العربية في طريقها إلى بيت العريس يوم العرس كانت المدعوات ينشدن، أغنية "يا بنت المعاون" وقد غُنيت هذه الأغنية واشتهرت في لبنان". ومن المذاهب والأدوار التي يوردها الكتاب:
يا بنت المعاون خلخالك لوى
أنا ماشي بدربي// صادفني حبيب قلبي
انا طالب من ربي// ان نكون سوى
يا بنت المعاون خلخالك لوى
كل ما بشوفك على دربي// بوقف وبيمشي قلبي
وبقول يا ترى شو ذنبي// وفين الدوى... الخ
في كتاب "أغاني الضمة في بورسعيد: دراسة ميدانية موسيقية"، يورد محمد شبانة:
يا بنت المعاون خلخالك لوا يا حلوة المعاون لوا
وحياة رب العزة لأدبحلك فرخة ووزة وأهز الوصالك هزة وننام سوا
يا بنت المعاون خلخالك لوا...
ويرتبط فن الضمة البورسعيدي ارتباطاً وثيقاً بالمدينة. و"الضمة"، أو "السامر"، شكلٌ من أشكال التعبير الغنائي الشعبي الذي عرفته مدينة بورسعيد خلال حفر قناة السويس. والضُمّة تعني أن تنضمّ جماعة من الناس إلى جماعة أخرى للتسامر والغناء.
وثمة مصادر تذكر أن الأغنية منتشرة في فلسطين، لكن لم تظهر مصادر واضحة حول أصل الأغنية وفصلها، وربما هذا من إشكاليات التراث الذي يتحول هويات متعددة.
