كتاب "على خطى يسوع المسيح في فينيقيا/لبنان"، قانا الجليل، صور، ساربينا (الصرفند)، صيدون، قيصرية فيليبس وجبل حرمون(28-30م) للدكتور في الفلسفة واللاهوت والتاريخ، المستشرق الإيطالي مارتنيانو بيليغرينو رونكاليا (1923-2008)، صادر عن المؤسسة العربية للدراسات بين الشرق والغرب 2011، وأثار الكثير من الاهتمام والطلب من القراء والفضوليين بعدما أهداه الرئيس نبيه بري للبابا لاوون الرابع عشر في زيارته الأخيرة الى لبنان. علماً أن لوحة الغلاف هي للفنان اللبناني وجيه نحلة ابن مدينة الطيبة الجنوبية.
كانت الهدية برمزيتها ملفتة مؤثرة، في هذه الفترة الحرجة من المواجهات بين لبنان وإسرائيل، خصوصاً أن الكاتب يعتبر لبنان الجنوبي أرضاً مقدّسة ورسالة. يهدي رونكاليا الكتاب إلى "لبنان الوطن والفكرة والرسالة" بكلمات البابا يوحنا بولس الثاني. ويفتتح الكتاب ببيت شعري جميل للشاعرة والروائية والكاتبة بالفرنسية اندريه شديد (1920 - 2011). "وكيف نسميك لبنان؟ بل كيف لا نسميك".
عرفتُ الدكتور رونكاليا من طريق الأب الباحث جاك اماتاييس (مؤرخ مجلة شعر) وكنا نلتقيه في المدرسة الإيطالية -دون بوسكو، فردان، رأس بيروت، عندما يأتي لحضور القداس أو للزيارة. وكان يتكلم العربية بطلاقة وبالفصحى ويتقن لغات عديدة. وله أكثر من 30 مؤلفاً وخصوصاً ما يتعلق بالكنيسة القبطية والأرمنية والمارونية. كما أنجز كتاباً عن يوميات الأمير فخرالدين في توسكانا. وكان في ذلك الوقت مسؤولاً عن مكتبة المعهد الألماني للدراسات الشرقية في زقاق البلاط. كما أنه زاول التدريس في الجامعة اللبنانية. وكان متزوجاً من اللبنانية أستاذة اللاهوت د. سميرة باسيل. روى لنا غير مرة أنه مشى سنة 1947 من الناصرة إلى قانا وأراد أن يقيس المسافة فنام ليلته عند الحدود وظهر اليوم التالي بلغ قانا فتأكد له ما ورد في انجيل يوحنا.
أمضى في لبنان قرابة نصف قرن وعاش فيه حتى وفاته. ويظهر رونكاليا في الكتاب سعي المسيح وراء الراحة والملاذ في ناحية صور وصيدون. وأن الأبحاث المستندة إلى الوقائع والأرقام والخرائط أوصلته إلى أن لبنان بقي حياً في الشرق الأدنى رغم المتغيرات التاريخية من زمن ما قبل التاريخ حتى يومنا هذا.
وبالتالي يؤكد رونكاليا أن المسيح صنع أعجوبته الأولى وبدأ نشاطه التبشيري، في قانا، نزولاً عند رغبة والدته مريم (آذار سنة 28 ميلادية)، وأنه شفى ابن رجل من النبلاء في كفرنعوم.
ويشير رونكاليا أيضاً إلى أن يسوع المسيح أظهر تعاطفه مع سكان صور وصيدون وساربيتا خلال مناظرة عنيفة دارت في بلدته الناصرة. وفي ضواحي قيصرية فيليبس، اعترف بطرس الرسول بأن يسوع هو المسيح وابن الإله الحي، واعترف يسوع بدوره أن بطرس سيكون الصخرة التي سيبني عليها كنيسته وأعطاه السلطات كاملة ومفاتيح ملكوت السموات. ويتحقق رونكاليا في الكتاب بأن تجلي يسوع جرى على أعالي جبل حرمون. وفي هذه المنطقة بالذات تنبأ يسوع للمرة الأولى بآلامه ومحاكمته وموته وقيامته بعد ثلاثة أيام. ويخلص رونكاليا في استنتاجاته إلى أنه بفضل زيارات يسوع وأعاجيبه بين الفينيقيين الوثنيين، كسر العقلية الخبيثة الانعزالية للاسينيين والفريسيين والكتبة وكهنة الهيكل. وفي رأي رونكاليا أن يسوع المسيح جاء مراراً وتكراراً مع تلامذته إلى هذه المنطقة ودربهم وعلمهم.
ربّما لم يستطع البابا لاوون زيارة الجنوب، فأحب الرئيس بري أن يقول للبابا مستلهماً الدور والمصير، أن جنوب لبنان كان محطة أساسية في خطى المسيح الرسولية، وأنه سينهض مثله بعد الصلب.
