بعد غياب طويل عن الإصدارات الموسيقية دام ثماني سنوات، وست سنوات عن الحفلات الغنائية، تعود الفنانة اللبنانية ياسمين حمدان بألبومها الجديد "بنسى وبتذكّر" الذي يُشكِّل علامة فارقة في مسيرتها الفنية، يطلّ علينا في 2025 حاملاً معه حمولة عاطفية وفنية ثقيلة، تجسّد رحلة شاقة من البحث الذاتي والنفسي والروحي وتقدّم خلاصة تجربة إنسانية وفنية استثنائية تتنقل فيها حمدان بين أروقة الذاكرة الشخصية والجمعية، بين النسيان المتعمّد والتذكّر المؤلم وبين شظايا الحرب وومضات الأمل، في عمل فني يضع المستمع أمام مرآة ذاتية صادقة تعكس تشظيات الواقع العربي بكل ما يحمله من ألم وجمال وتنوع.
امتدت مسيرة حمدان الفنية لأكثر من عقدين من الزمن، تميزت فيها بتطوير أسلوب فريد يجمع بين الأصالة والمعاصرة والجذور العربية والأنماط الموسيقية العالمية. عبر رحلتها الفنية من فرقة Soapkills في أواخر التسعينيات إلى ألبومها الأخير استطاعت أن تخلق مساراً صوتياً استثنائياً. تأسست الفرقة الإلكترونية Soapkills العام 1997، شكلت حينها نقلة نوعية في المشهد الموسيقي اللبناني. جاءت الفرقة كاستجابة لجيل ما بعد الحرب الأهلية في لبنان مقدمةً مزيجاً مبتكراً من موسيقى الإلكترونيكا والتراب هوب مع النصوص العربية، ما وضعها في مقدمة مشهد الموسيقى البديلة في المنطقة.
بعد انتقالها إلى باريس دخلت حمدان مرحلة جديدة من التطور الفني، تعاونت مع المنتج الفرنسي Mirwais الذي اشتهر بعمله مع مادونا، وأصدرت ألبوم Arabology تحت مشروع Y.A.S. العام 2008. هذا التعاون وسع جمهورها ودفع بها نحو ساحة أكبر. هنا، بعد تراكم الخبرة والتدريب المستمر، مزجت حمدان موسيقى الإلكترونيك بوب مع المكونات العربية بحرفيّة أعلى. في العام 2013 أصدرت حمدان ألبومها المنفرد الأول Ya Nass بالتعاون مع المنتج مارك كولين من فرقة Nouvelle Vague، مثل هذا الألبوم بداية مرحلة النضج الفني تبع ذلك ألبوم "الجميلات" العام 2017 والذي عزز مكانتها كفنانة مستقلة ذات رؤية فنية واضحة.
تزامنت هذه الرحلة الشخصية مع أحداث مأسوية متتالية شهدها لبنان والمنطقة، بدءاً من الانهيار الاقتصادي والسياسي في لبنان واستيلاء المصارف على أموال المودعين - ومن بينهم والدها - مروراً بجائحة كورونا وانفجار مرفأ بيروت المدمر وصولاً إلى الحرب على غزة، وهي الأحداث التي تركت أثراً عميقاً في نفس حمدان وفكرتها عن الألبوم. وبدأت رحلة الألبوم الجديد خلال وجودها في منتجع في صقلية، حيث وجدت الهدوء والطمأنينة وسط الطبيعة الخلابة وبدأت تعيد الاتصال بجسدها من خلال اليوغا والتأمل وتستمع إلى إيقاع الحياة من جديد.
يقدم الألبوم على عشر أغنيات تتنقل فيها بين الأصوات الإلكترونية والعود والوتريات المعالجة إلكترونياً، مع حضور بارز لصوتها الذي يتأرجح بين الحميمية والطيفية. تبرع حمدان في مزج الأصوات التراثية مع التقنيات المعاصرة معتمدة على تقنيات مثل الـ Dropالشائعة في موسيقى التكنو والتي تستخدم لإحداث استثارة حسية وتحفيز على متابعة الرقص، كما تظهر في أغنية " بنسى وبتذكّر" حيث تتوقف الموسيقى لحظة قصيرة قبل انطلاقها من جديد.
سجلت حمدان أجزاء من الألبوم في جلسات متفرقة مع مساعدها المقرب مارك كولين، وأحياناً كانت تتخلص من تسجيلات كاملة فقط للحفاظ على عفويّة العملية الإبداعية، كانت العملية طويلة وبطيئة وفوضوية أحياناً لكنها لم تكن تهتم ولم تكن في عجلة من أمرها.
يبدأ الألبوم بأغنية "هون" التي تستهل بها حمدان رحلتها في استكشاف الذاكرة، تقدم كلماتها كشعر منغم بدلاً من غنائها، في خيار مقصود لتوصيل رسالة معينة، الأغنية ولدت أثناء وجودها في بيروت خلال الذكرى السنوية الأولى لانفجار المرفأ، حيث كانت تعاني صمتاً إبداعياً قبل عودتها، لكن شيئاً ما تغير أثناء وجودها هناك، بدأت كلمة "هون" تجري في رأسها ثم تبعتها كلمات أخرى وبدأت العمل على الأغنية، رغم كل شيء، فإن المدينة ما زال لديها ما تعطيه، نوع من السحر الذي كان مهماً لها، لأنه فتح كل شيء. كلمات الأغنية التي كتبتها بالتعاون مع الشاعر الفلسطيني أنس العليلي، تعكس واقع بيروت ما بعد الانفجار: "أرض صغيرة وجرح كبير".
"كل الكلام اتقال" تجمع بين الإيقاع الشبيه بالكراتشي الشرقي وألحان الغيتار الكهربائي، مع نص يعكس الإحباط من الواقع: "العالم خربان يا سيدي"." الحلوين الخسرانين" تستخدم إيقاعات متكررة تعكس فكرة الاستمرار رغم الخسارة، مع نص يخلق تناقضاً بين جمال الاستمرار وألم الخسارة. في أغنية "بنسى وبتذكّر" الرئيسية تطلق حمدان حكماً أخلاقياً: "دوده من عوده" مستحضرة مثلاً شعبياً يُشير إلى أن مصدر الأذى يكمن في الذات، ثم تنتقل الأغنية إلى جسر موسيقي من آلة العود ذات اللون المغاربي لتنتقل إلى مقطع جديد أكثر كثافة توزيعياً، مع ارتجاعات من أورغ السنثسايزر والغيتار الكهربائي لتصل إلى الذروة في ذلك الاعتراف الصادم: "القتل عادي، الكذب عادي، الفشل عادي …"، في بوحٍ غير ملحّن يتماشى مع قتامةِ الزمن الحاضر.
"سبع صنايع" تعتمد على الإيقاع الشعبي البسيط، مع نص متفائل رغم القسوة: "منحب الحياة، منجرب نمشيها". "حويك وزويك" تستخدم الإيقاعات الإلكترونية المعقدة التي تعكس تعقيد العلاقات الإنسانية، مع نص يسرد تناقضات العلاقات. "مر التجني" تعود إلى الموسيقى العربية التقليدية مع تأثيرات عصرية مستوحاة من التراث الغنائي العربي". "حبيبي غاب" تقدم لحناً هادئاً يعتمد على البيانو والإلكترونيات الخفيفة، مع نص بسيط يعبر عن الشوق والغياب. "كلّه مغبش" تختتم الألبوم بأغنية تجمع بين الإلكترونيات الغامضة والكلمات التي تلخص فكرة الألبوم: "بجرّب إنسى، جسمي تذكّر".
أما أغنية "شمالي" التي تحتل موقعاً خاصاً في الألبوم، فتعود بها حمدان إلى البساطة، لكنها بساطة خادعة حيث تقدم كلماتها كتهويدة بدوية مكتوبة بلغة مخاتلة: "شمالي لالي يا هوالي لديرة… شمالي لالي يا وريللووو"، لغة شبه مفهومة وشبه غامضة، وكأنها ترفض أن تنتمي إلى لهجة واحدة، محافظة رغم ذلك على الإيقاع البدوي الأصلي مع دمجه بموسيقى السينثبوب. حمدان تعلم أن اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل مساحة للضياع والاكتشاف.
تشكل أغنية "شمالي" في الألبوم استمراراً لاهتمامها بالتراث الموسيقي العربي وإعادة إنتاجه بأسلوبها المعاصر. وتعود هذه الأغنية إلى حقبة الحكم العثماني والانتداب البريطاني، إذ كان أهل فلسطين يتواصلون مع أحبائهم بشيفرة سرية كي لا يفهمهم المستعمر، وتقوم هذه التهويدة على أساس قلب الحرف الأخير من كل كلمة وإضافة حرف اللام في نهايتها، وكان يغنيها أهالي الأسرى لتبشير المعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال البريطاني باقتراب خلاصهم. الكلمات المشفرة "شمالي لالي يا هوالي لديرة" تتحول إلى استعارة صوتية عن صمود الذاكرة في وجه النسيان وعن مقاومة التشويه والطمس.
لا يقتصر الألبوم على المعالجة الذاتية، بل يتجاوز المحلية اللبنانية إلى انشغالات سياسية عالمية متجذرة في خطاب اليسار اللبناني منذ الاقتتال الأهلي، والتي تركت أثرها في مضامين الموسيقى البديلة. وتظهر هذه الثيمات في الكرة الأرضية الملتهبة التي تلاحق الذات الكرتونية في فيديو كليب "بنسى وبتذكّر" في إشارة إلى الحروب والنزاعات المستمرة حول العالم، كما يظهر الجدار الشبيه بجدار الفصل الذي بنته إسرائيل على الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث تُعرض سلسلة من الغرافيتي تجمع بين اللبناني والعالمي لتسليط الضوء على المفقودين والنضال ضد الاستعمار والاستغلال واستعباد الشعوب ورصد تبعات ذلك من فقر وجوع ولجوء.
لا يسعى ألبوم "بنسى وبتذكر" إلى إفلات الذات من دوامة الصدمة النفسية، لكنّه يحمل رغبة علاجية ضمن طبقات الصوت والصورة، تقوم على قبول الماضي والتصالح معه، مع الاعتراف بالعجز عن إنقاذ العالم، متجسدة في الأداء الغنائي الخدر خصوصاً في الختام، حيث تقدم حمدان صورة إنسانية عميقة للفنانة التي تواجه ذاكرتها الشخصية والجمعية وتعترف بهشاشتها وضعفها، لكنها في الوقت نفسه تؤكد على ضرورة الاستمرار والمقاومة من خلال الفن.
يمثل هذا الألبوم نضجاً فنياً وإنسانياً لياسمين حمدان، التي استطاعت عبر مسيرتها الطويلة أن تخلق مساراً فنياً فريداً يجمع بين الأصالة والمعاصرة بين الشخصي والعام، وأثبتت مرة أخرى أنها قادرة على حمل التراث وتقديمه بثوب جديد. تخلق عالماً ثالثاً ولا تختار بين التراث والحداثة، ُتقالُ الكلمات فيه نصفَ مكتملة والإيقاعات تُبنى ثم تُهدم والذاكرة تُستعاد ثم تُنسى، في دورة مستمرة من الحياة والموت والنسيان والتذكر واليأس والأمل. من Soapkills إلى "بنسى وبتذكّر"، ظلت حمدان وفية لروحها وموسيقاها المتمردة التي ترفض التصنيفات الجاهزة والحدود الضيقة.
