مِلك الله المؤمَّم: تفاعلات الوقف والدولة الحديثة في لبنان

عثمان أمكورالأربعاء 2025/12/03
Image-1764527595
البروفسورة ندى ممتاز أستاذة الأنثروبولوجيا بجامعة تورونتو
حجم الخط
مشاركة عبر

يُعدّ الوقف (الحَبْس) من أهم وأقدم المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والقانونية التي عرفها التاريخ الإسلامي، ويقوم على مبدأ "حبس الأصل وتسبيل المنفعة"؛ أي تجميد ملكية عقار أو مال وجعلها وقفاً دائماً لا يُباع ولا يُورث، وتوجيه منافعه وعوائده بشكل دائم لخدمة أغراض خيرية أو دينية أو اجتماعية محددة (كالمساجد، والمدارس، والمستشفيات، ورعاية الأسر). لم يكن الوقف مجرد عمل فردي لكسب الصدقة الجارية والأجر الأخروي، بل شكّل على مرّ القرون العمود الفقري للاقتصاد والمجتمع المدني، مانحاً استقلالاً مالياً للمؤسسات التعليمية والاجتماعية ومقللاً من اعتمادها على السلطة المركزية.

 

 ومع ظهور الدولة القومية الحديثة وتطبيق النظم القانونية والإدارية الجديدة التي تركز على مفهوم الملكية القابلة للتداول والنمو الاقتصادي، واجه هذا النظام التقليدي تحوّلات جذرية، مما أعاد تشكيل طبيعته، هويته الدينية، وعلاقته بالسلطة والقانون، وهذا التحوّل هو لبّ النقاش الذي يتناوله كتاب البروفسورة ندى ممتاز أستاذة الأنثروبولوجيا بجامعة تورونتو (كندا) من خلال كتابها "ملك  الله: الإسلام والإحسان والدولة الحديثة "(God's Property: Islam, Charity, and the Modern State) الصادر عن جامعة كاليفورنيا.

 

الوقف "شخصية اعتبارية"

ناقشت ممتاز في البداية التحولات العميقة التي طرأت على فهم وممارسة نظام الوقف الإسلامي، حيث سلطت الضوء  على تحولاته في السياق اللبناني، ولم تخفِ حيرتها إزاء التباين بين الأوقاف التاريخية، التي كانت ترتكز على تخصيص أعيان (أصول) ذات عائد (مثل العقارات) والتصدق بمنفعتها على وجه التقرب إلى الله في ملكية أزلية وعدم القابلية للتصرف (الاستبدال أو البيع)، وهو الرأي السائد عند الحنفية، والأوقاف الحديثة التي بدأت تظهر في تسعينيات القرن العشرين، والتي كانت تقتصر على تأسيس كيانات قانونية أمست أشبه بـ "المنظمات غير ربحية" (NGO) حسب تصورها.

 

 أظهرت ممتاز بأنَّ السجل التاريخي للبنان يشير إلى أن الوقف كان يُعامل كما لو كان ذاتاً اعتبارية (ذمة) في الممارسات المحاسبية والمعاملات التجارية، حيث كان قادراً على تملك الأصول والديون، حتى قبل أن يعترف به التشريع صراحةً كشخصية اعتبارية. ليشهدَ الوقف تحولاً حاسماً في العصر الحديث، متأثراً بإصلاحات التنظيمات العثمانية ومن ثم الانتداب الفرنسي، وخاصةً مع صعود نظام الملكية الخاصة وفكرة تسييل العقارات (تحويلها إلى ثروة عقارية). لقد أدت هذه التحولات إلى إقصاء مفهوم "ملك الله"، وبدلاً من ذلك تم صياغة الوقف في القانون الفرنسي كـ "شخصية اعتبارية" (ذمة) مستقلة عن المؤسس، قادرة على تملك الأصول. 

 

وقد تجلّى هذا التحول بشكل أوضح في لبنان، حيث لجأ الأفراد إلى تحويل العديد من المؤسسات القائمة إلى أوقاف، معتبرين الوقف وسيلة لحماية ممتلكاتهم من التدخل السياسي للدولة، معتمدين على التعريف الجديد للوقف بوصفه ذاتاً قانونية. هذا التصور الجديد فصل الوقف عن ضرورة وجود أصل مدر للعائدات، مساهماً في ترسخ فكرة الفصل بين المجالين الديني والاقتصادي.

 

Image-1764527783

​​

الدولة والقانون والوقف

لم تنسَ ممتاز التركيز على التطورات القانونية والسياسية التي أعادت تشكيل مفهوم الوقف الإسلامي في لبنان، تحديداً في سياق ظهور الدولة الحديثة وإصلاحات فترة الانتداب الفرنسي، وكيف أدت هذه التطورات إلى دمج الوقف ضمن البنية القانونية للدولة تحت اسم "الطائفة المسلمة". تبرزُ أن العملية الأساسية كانت تتمثل في فصل الوقف عن فكرته التقليدية (عبادة ومعاملة يحددها الفقهاء)، وتحويله إلى كيان قانوني مدني يتم إدارته من خلال مؤسسات الدولة الحديثة.

 

أدت الإصلاحات القانونية في الدولة الحديثة، وخاصة أثناء الانتداب الفرنسي، إلى تدخل حاسم في نظام الوقف الإسلامي. كان أبرز هذه التدخلات هو إلغاء الوقف الأهلي (وقف يوجّه ريعه لذرية الواقف أولاً، ثم قد يتحول إلى وقف خيري بعد انقراض الذرية)، الذي كان يعتبره المشرعون الفرنسيون وبعض دعاة التجديد المسلمين مخالفاً لمفاهيم الخيرية الحديثة لأنه لا يخدم المجتمع بالضرورة بل يركز على العائلة. هذا الإلغاء كان جزءاً من توجه أوسع لدمج الأصول العقارية في نظام الملكية الخاصة للدولة الحديثة، بهدف تسييل هذه الأصول وتسهيل تداولها في السوق. هذا التدخل أخرج الوقف من كونه صدقة جارية لله، وجعله خاضعاً لمنطق الدولة ومفاهيمها القانونية والاقتصادية الجديدة التي تركز على التنمية والحداثة.

 

شهد القانون المتعلق بالوقف انقساماً جوهرياً، حيث عملت الدولة على تشريعه على مسارين منفصلين؛ المسار الأول، وهو الجانب المتعلق بملكية الأصول وإدارتها كمعاملة مدنية، حيث تم تصنيف الوقف كنوع من الملكية الخاضعة للقانون الوضعي (المدني)، وتم تشريعه وتعديله عبر البرلمان. أما والمسار الثاني يتجلى في الجانب الشرعي، حيث تم تنظيم هذا الجانب وتقنينه من خلال هيئة أنشأتها الدولة وهي المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى. هذا الفصل أخرج الوقف من صلاحية النقاشات الفقهية الحصرية، وكرّس سلطة الدولة الحديثة ليس فقط على الجوانب المادية للوقف، بل أيضاً على عملية تنظيم وتحديد ما هو "ديني" ضمن نطاق الطائفة المسلمة.

 

أصبح الدور الجديد للدولة المحدد الأساسي لشرعية الوقف وكيفية ممارسته، لتتحول الدولة حسب ممتاز إلى سلطة تنظيمية (Regulatory Authority) تتحكم في الوقف وتستخدمه كأداة لتحديد وتأطير الشأن الديني والاقتصادي والاجتماعي للطوائف المسلمة. لقد أدى هذا التحول إلى وضع الوقف تحت إشراف مزدوج: إشراف مدني يخضع للقانون الوضعي، وإشراف شرعي يخضع لمؤسسة أنشأتها الدولة (المجلس الشرعي). بالتالي، لم يعد الوقف كياناً مستقلاً أو شكلاً من "مُلكِ الله" (حسب تعبير المؤلفة)، بل أصبح كياناً مؤسسياً تشرف عليه الدولة ويخدم أغراضها في إدارة الطائفة.

 

نية الدولة ونية الصدقة

سلطت ممتاز في كتابها الضوء على التحول الجذري في مفهوم النية/القصد ضمن مؤسسة الوقف، من كونها شأناً داخليا تُركت أحكامه للآخرة، إلى كونه خاضعاً للتدقيق والمساءلة القانونية في العصر الحديث. في الدولة العثمانية (وفق الفقه الحنفي)، كان الأصل في التعاملات المالية يُنظر فيه إلى نية الفرد على أنها مستنبطة من أفعاله وتعبيراته الظاهرة، وتُترك المحاسبة على دوافعه الخفية لله في الآخرة. وفيما يتعلق بالوقف، لم يكن دافع الوقف لإسقاط دين يُعد سبباً لبطلانه، إذ كان الدين يعتبر مسؤولية شخصية تقع على الذمة القانونية للمدين وليس على عين العقار الموقوف. وقد عزز هذا الموقف نظام الديون التقليدي الذي ركز على أخلاقيات التسامح والإمهال في السداد في حالات العسر المالي، وذلك استناداً إلى الآية القرآنية "وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ" في سورة البقرة (280) وعليه، لم يكن الوقف في هذا السياق يُنظر إليه على أنه تهديد كبير لاسترداد الديون.

 

لكن ممتاز تشيرُ إلى تحولٍ جذري شهدهُ منتصف القرن التاسع مع إصلاحات التنظيمات العثمانية، التي أدخلت قانون التجارة ونظام الحجز والبيع الجبري على الأملاك المرهونة؛ هذا النظام الجديد قوض أخلاقيات التسامح التقليدية حسب ممتاز، وزاد من الضغط لمنع المدينين، وخاصةً في جبل لبنان، من استخدام الوقف كحيلة للتهرب من سداد الديون. 

 

وقد تصدت السلطة العثمانية (متمثلة في فتوى شيخ الإسلام حسن فهمي أفندي) لهذه الممارسة بتبني رأي فقهي مرجوح يخالف الرأي السائد في المذهب الحنفي. أحدث هذا الرأي قطيعة في الفهم المعتاد لـ "النية"؛ حيث سمح بالتدقيق المباشر والاشتباه في الدافع الباطني (النية) للمؤسس للوقف، حتى في غياب دليل ظاهر على سوء النية. وبذلك، تحولت النية من شأن ديني داخلي/جواني إلى مسألة قانونية علنية، مما رسخ قواعد جديدة للذاتية تتفق مع متطلبات النظام الحديث للملكية الخاصة.

 

المسألة لم تتوقف هنا حسب ممتاز بل تواصل مسار التدقيق القانوني في النية في عصر الانتداب الفرنسي، حيث رسخت التشريعات الفرنسية، مثل قانون الملكية العقارية، الحجز كحق عيني. ونتيجة لذلك، أصبحت الريبة حول الدافع الخفي للمؤسس، وخاصة في الأوقاف الأهلية التي كان يُنظر إليها على أنها وسيلة للإضرار بالدائنين، جزءاً أصيلاً من الخطاب القانوني والاجتماعي.

 

الوقف الأهلي بين التحرير والتجميد

وهذا يقودنا إلى التحول الجذري الذي طرأ على فهم "الوقف الأهلي"، حيث انتقل من كونه ممارسة دينية وصدقة تُقرّب الواقف من الله في الآخرة إلى كونه مجرد معاملة اقتصادية "غير خيرية" تُستخدم لإخفاء الثروة عن متطلبات الدولة الحديثة وقوانينها، في العصر العثماني والفقه الحنفي المتأخر، لم يكن هناك تمييز تشريعي أو أخلاقي جوهري بين الوقف الخيري (العام) الذي يعود ريعه على المؤسسات والمساجد والفقراء، والوقف الأهلي الذي يعود ريعه على أفراد عائلة الواقف.  وترى ممتاز بأنَّ النصوص الشرعية (القرآن والحديث) كانت تُعطي أولوية قصوى للإنفاق والصدقة على الأقارب (ذوي القربى) لتعتبر صدقة يُثاب عليها الواقف. ولم يكن الفقه الحنفي يرى في هذا النوع من الوقف "أنانيّة" أو تعارضاً مع مبدأ الخيرية، بل كان يعتبره حقاً يتم توريثه أو التنازل عنه لورثة المستفيدين، وفق بعض الشروط.

 

لكن في ظل إصلاحات التنظيمات العثمانية ومن ثم الانتداب الفرنسي، برزت نقاشات حادة بين "دعاة الإبقاء" على الوقف الأهلي ودعاة إلغاءه. عمل دعاة الإلغاء على تجريد الوقف الأهلي من صفته الدينية، مصنفين إياه كـ "مؤسسة مدنية" تخضع للقوانين الاقتصادية الوضعية بدلاً من الشريعة. واستند هذا التصنيف إلى حجة اقتصادية، زعموا فيها أن الوقف العائلي يُضر بالاقتصاد الوطني لأنه "يجمّد الأصول" (كالعقارات والأراضي) ويمنع تداولها وحرية التصرف فيها (البيع والشراء)، الأمر الذي يتعارض مع مبادئ "الاقتصاد السياسي" و"حرية تداول الثروة". كما روجوا لفكرة أن هذا الوقف يخالف نصوص القرآن الصريحة في قوانين الميراث، متجاوزين القواعد الفقهية التي كانت تبيح التحايل لتجنب تقسيم التركة. ونتيجة لذلك، أقر القانون اللبناني للوقف العائلي عام 1947 إلغاء التأبيد في هذا النوع من الأوقاف، فجعلها مؤقتة لجيلين فقط (بحد أقصى)، مع إمكانية تقسيمها وبيعها كملكية خاصة. وقد شكّل هذا القانون رداً مباشراً على الدعوات إلى "تحرير" الأملاك الوقفية من قيود التأبيد وإدخالها في دورة الاقتصاد الحديث، مما أرسى مفهوماً جديداً للخيرية يفصلها عن مسؤولية الفرد تجاه أسرته في الشأن العام.

 

"منفعة الوقف" و"المنفعة العامة"

ناقشت ممتاز التحول الجذري في مفهوم "منفعة الوقف" وعلاقته بمفهوم "المنفعة العامة"، مستعرضة كيف أدت حتمية الحداثة إلى تفكيك القواعد الفقهية التقليدية للوقف وإعادة صياغتها ضمن الهندسة القانونية والاقتصادية للدولة الحديثة؛ حيث أحدثت إصلاحات التنظيمات العثمانية ومن ثم الانتداب الفرنسي قطيعة معرفية في مفهوم المنفعة، حيث تم ربط "المنفعة العامة" بالدولة الحديثة وأهدافها العلمانية، وعلى رأسها النمو الاقتصادي والتقدم العمراني. كما تحول الوقف إلى عقبة أمام التنمية وحرية تداول الأموال (الاستملاك)، فقام المشرع بفصل "منفعة الوقف" عن شروط الواقف، لتصبح المنفعة مبدأً إدارياً مجرداً يبيح الاستبدال والتصرف من أجل تحقيق النمو. وفي الوقت ذاته وتحت الهندسة العلمانية للدولة اللبنانية، تم تصنيف الأوقاف كـ "ملكية دينية" خاصة بالطائفة المسلمة، ما أدى إلى نشوء مفهوم "المنفعة الإسلامية" كمنفعة جماعية مُستقلة عن المنفعة العامة للدولة، ولكنها مكفولة دستورياً.

 

مِلكُ الله المُؤَمَّم

يناقش كتاب "ملكُ الله" في خلاصاته التغييرات الجذرية التي طرأت على مفهوم وممارسة الوقف في لبنان، خاصةً في ضوء العمارة الجديدة للدولة والقانون والمجتمع الديني التي ظهرت مع الدولة الحديثة. وتؤكد ممتاز أن الوقف لم يعد مجرد عمل فردي للمسلم يجلب له الأجر الأخروي، بل أصبح مؤسسة "طائفية" مرتبطة بالطائفة السُنّية، مما يعكس تحوّلاً جوهرياً في علاقته بالدولة والمجتمع. هذا التحول يتشابك مع مفاهيم العلمانية والنظام الاقتصادي الجديد الذي يركز على التقدم والنمو الاقتصادي، مما أدى إلى تجريد الوقف من جوانبه الدينية جزئياً وتصنيفه إما ضمن الشؤون "الدينية" الخاصة بالطائفة أو ضمن الشؤون "الاقتصادية" العامة.

 

 لا تُصوّر ندى ممتاز هذا التحوّل على أنه مجرد قطيعة كاملة، بل تؤكد على استمرارية التوترات وبقاء بعض المفاهيم والممارسات القديمة. فبالرغم من سيطرة المنطق الحديث للنمو الاقتصادي ومكافحة الفساد والمحسوبية (التي تظهر في قضايا مثل "فرض الضرائب على الأوقاف" كجزء من محاربة الفساد)، تظل لغة الأخلاق والقيم التقليدية (مثل رعاية الأسرة ونية التقرب إلى الله) حاضرة في خطابات الممارسين وذاكرة المجتمع، مما يديمُ استمرار تفاعلات طبقات متناقضة في فهم وإدارة الأوقاف في لبنان.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث