عن دار "ديوان للنشر" بالقاهرة، صدر حديثًا العمل الشِّعري السابع للشَّاعر المصري عماد فؤاد تحت عنوان "مُعْجَمُ الحَواسِّ النَّاقِصَة". وهو التالي لآخر أعماله الشعرية "تلك لغة الفرائس المحظوظة" الصادر عن دار ميريت بالقاهرة في 2019.
يأتي العمل الشعري الجديد في 176 صفحة، مقسّمة إلى ثمانية فصول، هي: "ما قبلَ"، ثم: "الصَّوت"، "الصُّورة"، "الرَّائحة"، "اللَّمس"، "الطَّعْم"، و"الألم"، وكلها تتّخذ من الحواسّ البشرية فضاءات شعرية لها. وفي النهاية "ما بعدَ" التي تشكل خاتمة العمل وذروته الدرامية.
يعتبر عماد فؤاد أحد شعراء جيل التسعينيات المصري الذين برزوا في بداية الألفية الجديدة، ومن أهم أعماله الشِّعرية: "تقاعد زير نساء عجوز" (شرقيات، 2002)، و"بكدمة زرقاء من عضَّة النَّدم" (شرقيات، 2005)، و"حرير"، (النهضة، 2007). و"عشر طُرق للتّنكيل بجثَّة" (الآداب، 2010). فضلًا عن مجموعته الشعرية الأولى "أشباحٌ جرّحتها الإضاءة" (ديوان الكتابة الأخرى، 1998).
ووفقًا لكلمة الناشر، فإن "مُعْجَم الحَواسِّ النَّاقِصَة": "يبدأ من لحظة التّأسيس الأسطوريّة الأولى؛ "المُصادفة" التي جعلتْ "الغابة" تلتهم "جَبلًا". كأنّه بالأحرى "سِفر تكوين" مكثَّف لـ"العلائق" بين الذَّكر والأنثى، التي تتجاوز الثنائيّات التقليديّة للقوّة والضعف، منذ بدء الخليقة وحتى يومنا هذا".
و"المُعْجَم" الذي يبنيه عماد فؤاد هنا: "مشدودٌ بين قُطبي الكمال والنُّقصان، المرأة والرّجل، الإيروتيكيّة والصوفيّة، ما قبلَ.. وما بعدَ. لكنّه ليس بسيطًا كما يبدو من الوهلة الأولى، إنّه كون شاسع ومركّب. عالم معقّد تتعدّد أبعاده وتتراكم طبقاته الفلسفيّة والدّينية صفحة بعد صفحة، وقصيدة بعد أخرى. فنبدأ من اللحظة الأولى لخلق العالم، حيث: "في البدءِ كانت المصادفة". وننتهى أمام: "التابوتان فارغان يا ناس". كأنّها الحياة تمرُّ سريعة: "هكذا، رخيصةً.. رُخْصَ عاهرةٍ على طريقْ"..
لذلك: "تأبى لغة عماد فؤاد الاكتفاء بأداء مهمّتها الرئيسية، فتكون "مجرَّد" لغة هدفها "الإيصال" فحسب. لا.. اللّغة هنا مثل شاعِرها؛ طامعة في أكثر من الممكن، في أكثر حتّى ممّا يستطيع الشِّعر أن يستخرجه من اللّغة نفسها، هذه "ليست قصائد عن "الحواسِّ النَّاقصة" كما يدَّعي العنوان، بل قصائد كُتبتْ بـ"الحواسِّ النَّاقصة"، ستجد حروفًا لا تُرى.. بل تُلمَسْ. وكلماتٍ لا تُقال.. بل تُشَمّ. وجُمَلًا لا تُنْطَق.. بل "تُسْتطْعم". وقصائد لا تُقرأ.. بل تخترق اللحم كأسنّة الخناجر".
يذكر أن عماد فؤاد قدّم عددًا من الكتب في مجالات أخرى، من بينها "ذئب ونفرش طريقه بالفخاخ: الإصدار الثاني لأنطولوجيا النّص الشِّعري المصري الجديد"، وهي أنطولوجيا شعريّة مرجعية لأجيال قصيدة النثر المصرية (2016). وكان قد سبقها الإصدار الأول تحت عنوان "رعاة ظلال.. حارسو عزلات أيضًا" (الجزائر، 2007). وفي النقد الثقافي أصدر عماد فؤاد كتابه الصحافي الأول: "على عينك يا تاجر، سوق الأدب العربي في الخارج.. هوامش وملاحظات" (2022). كما صدرت له مختارات شعرية بالفرنسية تحت عنوان "حفيف" Bruissement في باريس العام 2018.
من اللافت في "مُعْجَم الحَواسِّ النَّاقِصَة" التخلّي التام عن عناوين القصائد، لتأتي النصوص، قصيرها وطويلها، متتالية فيما يشبه عقدًا تترابط حبّاته وتتصاعد أحداثه الدرامية وصولًا إلى نهاية روائية بشكل ما، في تجربة شعرية ولغوية جديدة، يمزج فيها شاعرها بين إمكاناته الشعرية والسردية في جديلة واحدة، على غرار مغامرته السردية الأولى والوحيدة حتى اليوم "الحالة صفر" (القاهرة، 2015).
من قصائد "مُعْجَم الحَواسِّ النَّاقِصَة":
كي تصلَ إلى النَّهرِ
في آخرِ الغابةِ
يَعْنِي أن تَتْبعَ الرَّائحةَ
تُفكِّكَها؛
رائحةً..
رائحة
هُنا..
عبقُ لحاءِ الأشجارِ في الحَرِّ
وهنا رائِحتُهُ تحتَ المطر
هنا وَبَرُ فهْدٍ رَضيعٍ
وهنا
عَرَقُ الفريسةِ الهامدة.
كي تصلَ إلى النَّهرِ في آخرِ الغابةِ
يعني أن تَنجو مِنْ فِخاخِ الصيَّادينَ
أن تتفادَى الحشراتِ الضَّارةَ
ولسْعاتِ الزَّواحفِ
وأَن تتجنَّبَ الأفاعي
واحْذر مِنَ الدِّبَبةِ المُفترسةِ
لأنَّها لا تَظهرُ إلِّا في العتمةِ
حينَ لا يكون هناكَ قمرٌ
ويا حبَّذا لو امتلكتَ سِكِّينًا
فالفهودُ (كما تعرفُ)
سريعة الانقضاضِ
ولَسْتُ مُضْطَرًّا إِلى تَحْذِيرِكْ:
كي تصلَ إلى النَّهرِ في آخرِ الغابةِ
عليكَ أن تنقلَ لعينيَّ الرُّؤى
وتُسْمِعَني مِن الأصواتِ ما تُترْجِمُهُ اللُّغة
أمَّا الرَّائحة..
فلا وَصْفَ لها.
